ومع توجه الحكومة خلال الفترة الأخيرة إلى تنمية التصنيع المحلى وتعظيم القيمة المضافة لصناعة الرمال السوداء، لم يعد الرهان على استخراج المعادن وفصلها فقط، وإنما على ما يمكن أن يأتى بعدها، أى تحويل الخامات إلى مواد وسيطة ومنتجات صناعية تحمل علامة «صنع فى مصر»، وبين احتياطيات الرمال الممتدة على ساحل البحر المتوسط، ومشروع فصل واستخلاص المعادن فى البرلس، تتشكل فرصة لبناء سلسلة صناعية متكاملة تستهدف زيادة الصادرات، وتوفير مدخلات الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتحويل ما كان يبدو مجرد رمال على الشاطئ إلى كنز صناعى واقتصادى قادر على الإسهام فى مستقبل التعدين والتصنيع المصرى.
وبالأرقام، تبلغ ثروة مصر من الاحتياطى الجيولوجى للرمال السوداء نحو 1.3 مليار متر مكعب وهو ما يمثل 65 فى المائة من الاحتياطى العالمى لهذه الثروة، حيث تتواجد تلك الرمال فى نحو 11 موقعا أساسيا على السواحل الشمالية لمصر بطول 400 كيلو متر امتدادا من رشيد وحتى العريش.
وفى هذا الإطار قال الدكتور أحمد خلاف، أستاذ هندسة البترول والتعدين بجامعة السويس، إن الرمال السوداء تعد إحدى الثروات المعدنية المهمة التى تكونت نتيجة التقاء مياه نهر النيل بالبحر عند مناطق المصبات، وتمتد تجمعاتها على مساحات واسعة بطول الساحل المصرى، بداية من منطقة أبو قير وصولاً إلى العريش، فضلاً عن وجود تجمعات أخرى فى البحر الأحمر ومناطق متفرقة بجنوب مصر، بما يجعلها موردا طبيعيا يتمتع بأهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة.
وأشار «خلاف»، إلى أن القيمة الحقيقية للرمال السوداء لا تكمن فى الرمال ذاتها، وإنما فى المعادن الثقيلة التى تختزنها، موضحاً أنها تضم ستة معادن رئيسية تمثل مواد خام تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة فى نحو 49 صناعة، وهو ما يمنح هذه الثروة أهمية تتجاوز مجرد عمليات الاستخراج إلى إمكانية إقامة قاعدة صناعية متكاملة تعتمد على هذه الخامات، حيث إن الرمال السوداء تمتلك أهمية استراتيجية متزايدة لاحتوائها على عدد من العناصر والمعادن التى تدخل فى الصناعات التكنولوجية والإلكترونية المتقدمة، والتى ترتبط بالعديد من التطبيقات الحديثة، بما فى ذلك الصناعات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، الأمر الذى يجعل تعظيم الاستفادة منها جزءا من توجه أوسع نحو امتلاك مقومات الصناعات المستقبلية.
وأوضح أستاذ هندسة البترول والتعدين، أن ارتفاع تركيز المعادن الثقيلة داخل الرمال السوداء يجعلها ذات قيمة اقتصادية كبيرة، لافتاً إلى دخول مكوناتها فى مجموعة واسعة من الصناعات الدقيقة والاستراتيجية، ويرجع إطلاق اسم «الرمال السوداء» عليها إلى ارتفاع نسبة بعض المعادن ذات اللون الداكن، وعلى رأسها معادن الحديد التى تمنحها هذا المظهر المميز.
وأضاف «خلاف»، أن من أبرز المعادن التى يمكن استخلاصها من الرمال السوداء، الإلمنيت، والزركون، والماجنتيت، والروتيل، والجارنت إلى جانب المونازيت الذى يحتوى على عناصر ذات نشاط إشعاعى، وتعمل عمليات فصل واستخلاص هذه المعادن على تحقيق استفادة اقتصادية من الخامات الموجودة، بالتوازى مع التعامل الآمن مع المكونات المشعة الموجودة طبيعياً ضمن الرمال، بما يسهم فى حماية البيئة وتحقيق الاستخدام الأمثل للثروة المعدنية.
من جانبه قال الدكتور محمد الهادى، أستاذ علوم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة كفر الشيخ، إن الرمال السوداء تنتشر على امتداد قطاعات واسعة من السواحل المصرية، ويأتى فى مقدمة مناطق تركزها منطقة البرلس بمحافظة كفر الشيخ، التى تمثل واحدة من أهم مناطق تجمع الرمال السوداء فى مصر، إلى جانب عدد من المواقع الممتدة على ساحل البحر المتوسط، خاصة فى نطاق الساحل الشمالى، فضلاً عن تجمعات أخرى يمكن الاستفادة منها وفق الدراسات الجيولوجية والتعدينية.
وأوضح «الهادى»، أن أهمية هذه الرمال لا ترتبط بكمياتها فقط، وإنما بما تحتويه من تركيزات من المعادن الثقيلة ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، وفى مقدمتها الإلمنيت والزركون والروتيل والجارنت والمونازيت، حيث يمتلك كل معدن منها خصائص واستخدامات صناعية مختلفة.
وأشار «أستاذ علوم الجيولوجيا»، إلى أن الإلمنيت يمثل أحد أهم مصادر التيتانيوم، ويمكن الاستفادة منه فى إنتاج مركبات وأكاسيد التيتانيوم التى تدخل فى صناعات البويات والأصباغ والمنتجات المختلفة، وصولاً إلى تطبيقات صناعية أكثر تقدماً، بينما يمثل الروتيل مصدرا مهما للتيتانيوم، وتزداد قيمته كلما ارتفعت درجة نقائه وإمكانية تحويله إلى منتجات وسيطة أو نهائية بدلا من الاكتفاء ببيعه فى صورته الخام، أما الزركون فيمثل خامة أساسية لعدد من الصناعات، وعلى رأسها السيراميك والأدوات الصحية والمواد المقاومة للحرارة، كما يمكن تعظيم قيمته من خلال التوسع فى تصنيع مشتقاته واستخداماته الصناعية، فى حين يدخل الجارنت فى تطبيقات متعددة، من بينها المواد الكاشطة وبعض الاستخدامات الصناعية المتخصصة، بينما المونازيت فيكتسب أهمية خاصة لاحتوائه على عناصر أرضية نادرة ومكونات ذات طبيعة إشعاعية، وهو ما يجعله خامة استراتيجية تحتاج إلى تقنيات متقدمة وآمنة للفصل والمعالجة والاستفادة الاقتصادية.
وأكد «الهادى»، أن التحدى الحقيقى أمام مصر لا يتمثل فقط فى استخراج هذه المعادن وفصلها، وإنما فى الانتقال إلى مرحلة التصنيع وتعظيم القيمة المضافة فبدلا من التعامل مع الخامات باعتبارها منتجات أولية قابلة للتصدير، يمكن إنشاء حلقات صناعية متتابعة تبدأ من الفصل والتركيز، ثم إنتاج المواد الوسيطة، وصولاً إلى المنتجات النهائية التى تدخل فى صناعات مختلفة.
وأوضح «أستاذ علوم الجيولوجيا»، أن الإلمنيت والروتيل، على سبيل المثال، يمكن أن يكونا نقطة انطلاق لصناعات مرتبطة بالتيتانيوم وأكاسيد التيتانيوم، وهى صناعات تمتد تطبيقاتها من البويات والأصباغ إلى استخدامات هندسية وتقنية متقدمة، بينما يمكن تطوير سلسلة تصنيع قائمة على الزركون ومشتقاته لخدمة صناعات السيراميك والأدوات الصحية والمواد الحرارية وغيرها، كما يمكن تعظيم الاستفادة من باقى المعادن من خلال إنشاء صناعات متخصصة تعتمد على خصائص كل خامة.
ولفت «الهادى»، إلى أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب استثمارات فى تكنولوجيات الفصل والمعالجة، وربط قطاع التعدين بالقطاع الصناعى والبحث العلمى، بحيث لا تتوقف الاستفادة عند حدود استخراج المعادن، وإنما تمتد إلى إنتاج مواد وسيطة ومنتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى، وهذا النهج من شأنه أن يفتح المجال أمام توطين صناعات جديدة، وزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على استيراد بعض مدخلات الإنتاج، فضلاً عن خلق فرص عمل متخصصة فى مجالات التعدين والكيمياء والصناعات الهندسية.
من جهته قال سيد سلامة، الخبير الاقتصادى المتخصص فى الثروة المعدنية، إن القيمة الحقيقية للرمال السوداء لا يجب أن تقاس فقط بحجم الاحتياطى أو كميات المعادن التى يمكن استخراجها، وإنما بحجم القيمة المضافة التى تستطيع مصر تحقيقها من هذه الثروة بعد عمليات الفصل والمعالجة والتصنيع، موضحاً أن كل مرحلة إضافية فى سلسلة الإنتاج تعنى زيادة فى العائد الاقتصادى وفرصا أكبر للاستثمار والتشغيل والتصدير، حيث إن امتلاك مصر لخامات مثل الإلمنيت والزركون والروتيل والجارنت والمونازيت يفتح الباب أمام إقامة صناعات تتجاوز مرحلة التعدين التقليدى، إذ يمكن تحويل هذه الخامات إلى مواد وسيطة ومنتجات صناعية تدخل فى قطاعات متعددة بدلا من الاكتفاء بتصديرها فى صورها الأولية، وهو ما يتوافق مع توجه الدولة نحو تعظيم الاستفادة من الثروات التعدينية ورفع مساهمة قطاع التعدين فى الاقتصاد الوطنى.
وأوضح «سلامة»، أن التصنيع المحلى هو الحلقة الأهم فى تعظيم عائد الرمال السوداء، فالإلمنيت والروتيل، على سبيل المثال، لا ينبغى النظر إليهما باعتبارهما مجرد خامات معدنية، وإنما كمدخلات لصناعات مرتبطة بالتيتانيوم وأكاسيد التيتانيوم، التى تستخدم فى البويات والأصباغ وعدد من التطبيقات الصناعية المتقدمة، كما يمثل الزركون أساسا لصناعات عديدة، من بينها السيراميك والأدوات الصحية والمواد المقاومة للحرارة، بما يتيح إقامة سلاسل إنتاج متكاملة داخل مصر.
وأضاف «الخبير الاقتصادى»، أن تعظيم القيمة الاقتصادية لا يتحقق بإنشاء مصنع واحد فقط، وإنما من خلال منظومة صناعية متكاملة تبدأ من استخراج الرمال وفصل المعادن، ثم إنشاء مصانع للمعالجة وإنتاج المواد الوسيطة، وصولاً إلى الصناعات النهائية، وهو ما يمكن أن يخلق فرصا أمام القطاع الخاص والمستثمرين لإنشاء صناعات مغذية ومكملة حول المشروع الرئيسى.
ولفت «سلامة»، إلى أن هذه المنظومة يمكن أن تحقق عدة مكاسب فى وقت واحد، من بينها زيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، وتوفير بعض مدخلات الإنتاج التى يتم استيرادها حالياً، وجذب استثمارات جديدة، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن نقل وتوطين تكنولوجيات متخصصة فى التعدين والمعالجة والصناعات الكيميائية والمعدنية، فمصر أمام فرصة حقيقية لتحويل الرمال السوداء إلى أحد نماذج التصنيع التعدينى الحديث، لكن تحقيق ذلك يتطلب وضع خريطة واضحة للصناعات التى يمكن أن تقوم على كل معدن، وتحديد احتياجات السوق المحلية والعالمية، ثم توجيه الاستثمارات نحو المنتجات الأعلى قيمة والأكثر قدرة على المنافسة.
وأشار إلى أن جذب المستثمرين إلى هذه الصناعات يحتاج إلى توفير حزمة متكاملة من الحوافز، تشمل إتاحة الخامات بصورة مستقرة، وتوفير الأراضى والبنية الأساسية، وتسهيل إجراءات الاستثمار، إلى جانب تشجيع الشراكات مع الشركات العالمية التى تمتلك التكنولوجيا والخبرة فى تصنيع المعادن ومشتقاتها، كما أن ربط الشركات الصناعية بالجامعات ومراكز البحث العلمى يمكن أن يساعد فى تطوير عمليات المعالجة ورفع كفاءة الإنتاج وتقليل التكلفة.