رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«التشغيل الأخضر» يواجه بطالة 2030


6-9-2026 | 15:12

.

طباعة
تقرير : منار عصام

لم يعد الحديث عن وظائف المستقبل ترفًا أو رفاهية مؤجلة إلى حين، فبينما تتسارع وتيرة التحول الرقمى، وتتسع رقعة الاقتصاد الأخضر، وتتغير طبيعة المهن التى يحتاج إليها العالم، يقف سوق العمل المصرى أمام اختبار لا يحتمل كثيرًا من التأجيل، كيف يستوعب مئات الآلاف من الشباب الذين سيدخلون سوق العمل خلال السنوات المقبلة، فى وقت تتغير فيه الوظائف نفسها بوتيرة أسرع من قدرة منظومات التعليم والتدريب على مواكبتها.

 

ومع اقتراب عام 2030، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا، إذ تشير تقديرات معهد التخطيط القومى إلى ارتفاع أعداد الشباب المقبلين على سوق العمل من نحو 575 ألف شاب سنويًا فى الوقت الراهن إلى قرابة 800 ألف بحلول 2030، بزيادة تقترب من 40 فى المائة، بما يضع الاقتصاد أمام تحدٍ مزدوج ممثل فى توفير وظائف جديدة ومستدامة من ناحية، وإعداد قوة عمل تمتلك المهارات التى تتطلبها هذه الوظائف من ناحية أخرى.

وفى المقابل، يفتح التحول نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والنقل النظيف وإدارة المخلفات والزراعة المستدامة بابًا واسعًا أمام وظائف جديدة، قد تتحول إلى إحدى أهم أدوات استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، بشرط أن تسبقها منظومة تدريب قادرة على إعداد الشباب لهذه المهن، لا أن تنتظر ظهورها ثم تحاول اللحاق بها.

من هنا، لا يبحث هذا التحقيق عن رقم جديد للبطالة بقدر ما يحاول الإجابة عن سؤال أكثر إلحاحًا كيف يمكن تحويل تحدى بطالة 2030 إلى فرصة لإعادة تشكيل سوق العمل المصرى؟ وما الذى تحتاجه مصر اليوم فى التعليم والتدريب والشراكة مع القطاع الخاص حتى لا يجد الشباب أنفسهم أمام وظائف موجودة على الورق، بينما تفصلهم عن الوصول إليها فجوة فى المهارات؟

بداية كشف خالد أبو بكر، رئيس الإدارة المركزية للرعاية والتفتيش السابق بوزارة العمل، عن واقع مرير تعيشه مراكز التدريب التابعة للوزارة، واصفًا إياها بأنها «أسيرة الماضى» وغير قادرة على مواكبة العصر، وقال: «سوق العمل اليوم يتحدث عن الهيدروجين الأخضر، والطاقة المتجددة، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعى» لكننا فى مراكزنا لا نزال ندرب على الخياطة، والتطريز، وصناعة السجاد، وكبس الملابس، هذه مهن كانت مطلوبة منذ عقود، لكنها اليوم لا تشكل سوى هامش ضئيل من احتياجات السوق الحقيقى، وأضاف أن المشكلة ليست فى الإرادة فقط، بل فى التكلفة الباهظة لتحديث هذه المراكز، مشيرًا إلى أن إنشاء ورشة تدريبية جديدة لمهنة عصرية يتطلب ميزانيات ضخمة لا تستطيع الوزارة توفيرها بسهولة، خاصة فى ظل محدودية الموارد المالية، وأوضح أن محاولة سابقة للاستعانة بمراكز تدريب خاصة، قبل ثلاث أو أربع سنوات، لم تستمر بسبب غياب الدعم المستدام وآليات المتابعة الفعالة.

وحول آليات الربط بين مخرجات التعليم وسوق العمل، قال أبو بكر: «نظريًا، هناك تصنيف مهنى ودليل للمهن، وهناك خطط نظرية لتوجيه التعليم الفنى نحو التخصصات المطلوبة، لكن عمليًا، لا يحدث ذلك، التربية والتعليم لديها مهن ثابتة لم تتغير منذ سنوات، ونحن فى وزارة العمل نحاول سد العجز عبر دورات تدريبية قصيرة، لكن هذه الدورات لا تكفى ولا تؤهل بشكل حقيقى للوظائف الجديدة» وأكد أن الحل الوحيد لمواجهة ضعف التمويل ومحدودية التنفيذ يكمن فى تفعيل دور مراكز التدريب الخاصة التى تنشئها الشركات الكبرى لتدريب العمالة على مهن محددة، قائلاً: القطاع الخاص حين ينشئ شركة فى مجال معين، غالبًا ما يخصص مركزًا تدريبيًا داخليًا لتأهيل العمالة على هذه المهنة، هذه المراكز هى الأقدر على فهم احتياجات السوق الفعلية، وهى الأسرع فى التكيف مع المتغيرات، لكن نحتاج إلى تحفيز حقيقى لهذا القطاع، سواء عبر حوافز ضريبية أو دعم لوجيستى، حتى تتوسع هذه التجربة وتعم، وذكر أبو بكر أن أبرز مجالات وتخصصات الوظائف الخضراء تشمل الطاقة المتجددة، مثل خبراء ومهندسى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب النقل النظيف، الذى يشمل تصميم وتطوير السيارات الكهربائية وتقليل استهلاك الوقود، مضيفا أن من بين هذه المجالات أيضاً الإنشاء المستدام، من خلال الهندسة المعمارية المستدامة وتصميم مبانٍ موفرة للطاقة، فضلاً عن إدارة المخلفات وإعادة التدوير والحفاظ على الموارد المائية والغابات، وكذلك الزراعة المستدامة، بما فى ذلك الزراعة الذكية مناخياً وتقنيات الحراجة الزراعية، كما وجه نداء واضحا: «الروشتة ليست فى شهادات أو تصنيفات شكلية، الروشتة فى ربط حقيقى بين التدريب واحتياجات السوق، وفى استثمار جاد فى الشراكات مع القطاع الخاص، وإلا فإننا سنواجه موجة بطالة كبيرة مع دخول مشروعات الطاقة الجديدة حيز التشغيل، واستبدال الوظائف التقليدية بأخرى أكثر تطوراً».

فى سياق متصل، أكد مجدى بدوى، نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، أن التحول نحو «التشغيل الأخضر» لم يعد خيارًا تنمويًا إضافيًا، بل أصبح فريضة حتمية يفرضها واقع الاقتصاد العالمى الذى يتجه بسرعة نحو الاستدامة والوظائف الخضراء، مشيرًا إلى أن التغيرات المناخية والالتزامات الدولية التى تتبناها مصر تضع على عاتق الدولة والقطاع الخاص مسئولية كبيرة فى تهيئة بيئة العمل لاستيعاب هذا التحول.

وقال بدوى: العالم كله الآن يمضى فى اتجاه الاقتصاد الأخضر، والوظائف المرتبطة به ستشكل محورًا رئيسيًا فى سوق العمل خلال المرحلة المقبلة، ومصر لديها فرصة ذهبية لتكون رائدة فى هذا المجال إقليميًا ودوليًا، إذا ما استعدت بالشكل المناسب، لكن التحذير الحقيقى هو أن هذه الفرصة قد تمر دون أن نستغلها، إذا ظللنا نعمل بمناهج تدريبية بالية لم تتغير منذ عقود.

وأشار بدوى إلى أن زيادة فرص العمل بنحو 40 فى المائة كما هو مطلوب تحتاج إلى تسارع غير مسبوق فى عمليات التدريب والتأهيل، محذرًا من استمرار الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، خاصة مع ظهور أنماط وظيفية جديدة لا تتوافق مع المناهج الحالية، مما يستدعى إعادة النظر فى المنظومة التعليمية والتدريبية بأكملها، وشدد على ضرورة ربط التعليم بسوق العمل، وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص لتطوير برامج تدريبية تستهدف وظائف المستقبل، وليس فقط الوظائف الحالية، مع التركيز على المهارات الرقمية والخضراء التى ستشكل العمود الفقرى لاقتصادات المستقبل، وكشف «بدوى» عن أهمية تفعيل مواد قانون العمل المتعلقة بتنمية الموارد البشرية والتشغيل، خاصة اللجان المعنية بتحديد الوظائف الحالية والمستقبلية، مقترحًا ربط عمل هذه اللجان ببرامج التدريب، مع وضع خطط زمنية محددة وبرامج تنفيذية قابلة للقياس، بحيث لا تبقى الأهداف حبرًا على ورق، وفى ملف الهيدروجين الأخضر، أوضح نائب رئيس اتحاد العمال أن التقارير تشير إلى إمكانية توفير 300 ألف فرصة عمل، منها 50 ألفًا مباشرة و250 ألفًا غير مباشرة، داعيًا إلى استغلال هذه الفرصة عبر تدريب الشباب وتجهيزهم ليكونوا جاهزين لاقتحام هذا المجال الواعد الذى سيشهد طفرة كبيرة فى السنوات القادمة مع توجه العالم نحو الطاقة النظيفة، وأضاف أن التوسع فى الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية سيخلق صناعات جديدة، وبالتالى فرصًا وظيفية متعددة، لاسيما فى مجالات البرمجيات، تكنولوجيا المعلومات، والسلامة والصحة المهنية، مؤكدًا أن هذه القطاعات قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب خلال السنوات القادمة، إذا ما تم توفير التدريب المناسب لهم.

وفيما يتعلق بإنشاء صندوق وطنى لتمويل المهارات الخضراء، رحب «بدوى» بالفكرة، لكنه اشترط ألا يقتصر على وزارة العمل، بل أن يكون شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، لتطوير منظومة تدريبية متكاملة تواكب متطلبات الوظائف الخضراء وتشكل جيلًا جديدًا مؤمنًا بهذا التوجه، مع وضع آليات واضحة للحوكمة والشفافية فى إدارة الصندوق، وحدد «بدوى» أبرز التحديات والتى منها ضرورة إعداد جيل جديد من الشباب القادر على العمل فى الوظائف الخضراء، مشيدًا بجهود الدولة فى إنشاء الجامعات التكنولوجية والمدارس الصناعية، لكنه دعا إلى إدراج محتوى تدريبى خاص بالوظائف الخضراء ضمن مناهجها، لتخريج كوادر مؤهلة لسوق العمل المستقبلى، مع تحديث المناهج بشكل دورى لمواكبة التطورات، وحذر «بدوى» من تقادم مراكز التدريب الحالية، واصفًا أنماطها التدريبية بأنها «بالية» ولم تتطور منذ عقود، مطالبًا بتطويرها بسرعة عبر الشراكات مع القطاع الخاص، وإن كانت تلك الخطوة تتطلب استثمارات ليست بالضخمة، لكنها ممكنة مع الإرادة والتعاون، مشيرًا إلى أهمية الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة فى عمليات التدريب، مثل المحاكاة الافتراضية والمنصات الرقمية، نائب رئيس اتحاد عمال مصر شدد على ضرورة ربط حوافز الدولة للقطاع الخاص بالدور الذى يقدمه فى توفير الوظائف الخضراء، قائلاً: لابد أن تكون الامتيازات والدعم مشروطة بمساهمة رجال الأعمال فى خلق فرص عمل خضراء، وأن تدفع الدولة بقوة نحو إشراكهم فى هذه المسيرة الوطنية، لأن نجاح هذه الرؤية يتوقف على تضافر جهود جميع الأطراف الحكومة، والقطاع الخاص، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدنى.

    كلمات البحث
  • التشغيل
  • الاخضر
  • بطالة
  • 2030
  • المهن

أخبار الساعة

الاكثر قراءة