ستة أشهر مرت على الحرب الأمريكية ضد إيران دون أن ينجح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى تحقيق الأهداف التى أعلنها أو حسم الصراع لصالحه، وبدلاً من الضربة الخاطفة التى كان يتوقع أن تنتهى خلال أسابيع تحول الصراع إلى مستنقع مفتوح تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وسط غياب أهداف واضحة أو استراتيجية محكمة للخروج منه، والأسوأ بالنسبة لواشنطن أن حالة الجمود والضربات المتقطعة قد تمتد إلى فترة إضافية غير محددة، فى ظل غياب أى انفراجة تلوح فى الأفق، لتتحول الحرب إلى اختبار طويل لقدرة كل طرف على الصمود واستنزاف الطرف الآخر.
من جانبه نفى ترامب للصحفيين الخميس الماضى رغبته فى التفاوض مع إيران فى الوقت الراهن، وبحسب تعبيره: «ليس هناك الكثير مما يمكن مناقشته؛ فمضيق هرمز مفتوح، ويستقبل كثيرًا من السفن يوميًا بملايين البراميل من النفط التى تخرج من المضيق يوميًا».
ويحمل كلام ترامب فى طياته ملخص المشهد حاليًا؛ فترامب لم يعد أمامه فى هذه الحرب سوى سلاحين، الأول هو العقوبات والثانى هو مضيق هرمز والحصار البحرى الذى يفرضه عليه بين الحين والآخر، وهو فى حقيقة الأمر له وقع أكبر على الاقتصاد الإيرانى، فما زال الحال فى مضيق هرمز متقلبًا للغاية، ولا يشهد سوى جزء ضئيل من حركة الملاحة البحرية التى كانت عليه قبل الحرب، ما يبقى أسواق النفط فى حالة اضطراب.
السلاح الآخر هو سلاح العقوبات الاقتصادية الذى تكثفه واشنطن على طهران فى الأيام الأخيرة، حيث حذرت واشنطن الدول لقطع العلاقات التجارية مع إيران وإلا ستواجه عقوبات ثانوية، إلا أنها لم تفرض حتى الآن عقوبات اقتصادية على شركاء إيران التجاريين الرئيسيين مثل الصين والهند، لأن ترامب يعلم حجم تداعيات ذلك على الاقتصاد الأمريكى والعالمى، الأمر الذى يبقى سلاح العقوبات ضعيف التأثير إلى حد كبير على الاقتصاد الأمريكي.
لكن على الجانب الإيرانى أيضا، يقرّ القادة الإيرانيون بالخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب مع الولايات المتحدة، حيث حثّ المرشد الأعلى للحكومة على معالجة هذه الصعوبات، بينما صرح الرئيس مسعود بزشكيان بأن التجارة الخارجية قد انخفضت بمقدار الثلث بسبب العقوبات والحصار الأمريكيين، وتُفاقم حملة العقوبات من وطأة الحرب على الاقتصاد الإيرانى، حيث بلغ التضخم السنوى 66 فى المائة الشهر الماضي.
كما صرح بزشكيان لوسائل الإعلام الرسمية بأن الصادرات والواردات الإيرانية تراجعت بنحو 35 فى المائة بسبب العقوبات الأمريكية والحصار البحرى المفروض على الموانئ الإيرانية، مشيرا إلى أن إيران تمكنت من بيع نحو 90 مليون برميل من النفط خلال فترة مذكرة التفاهم القصيرة التى وقّعتها الولايات المتحدة وإيران فى يونيو الماضى، حين سمحت واشنطن ببيع النفط الإيرانى.
مع ذلك، لم تبدِ طهران أى تراجع ، متعهدة بمقاومة الضغوط الأمريكية، ومواصلة العمل الدبلوماسى، والحفاظ على ما وصفته بالسيطرة على مضيق هرمز، الممر المائى الاستراتيجى الذى يمنح إيران نفوذًا من خلال قدرتها على التأثير فى أسواق الطاقة العالمية.
كما دعت وزارة الخارجية الإيرانية، «جميع الدول» إلى عدم تطبيق العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، محذرةً من أن ذلك يُعد «تواطؤًا» فى فرض «إرادة الولايات المتحدة غير الشرعية»، وجاءت هذه التصريحات فى رسالة من صفحتين نُشرت عبر تطبيق «تيليجرام»، حيث حددت إيران شروطها لإعادة فتح مضيق هرمز ذى الأهمية الاستراتيجية، وأشادت بإمكانية العودة إلى المفاوضات الدبلوماسية.
وأكد السفير رخا أحمد أحسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق أن العقوبات دليل واضح على أن الحملة العسكرية الأمريكية لم تنجح فى تحقيق أهدافها، وأهمها أن إيران تخضع للمطالب العسكرية الأمريكية، بل بالعكس تثبت الرجوع لاستراتيجية العقوبات الخطأ الأمريكى فى الإفراط فى استخدام الأسلحة والصواريخ لدرجة أنهم استنفدوا أغلب الكميات المتاحة، وباتوا يستهلكون من المخزون وهذا خطأ استراتيجى فادح.
وأضاف «حسن» أن العقوبات الاقتصادية والحصار يمثلان سلاحى ترامب الحاليين، اللذين يمكن اللجوء إليهما بعيدا عن الخيار العسكرى، خاصة فى ظل تصاعد غضب الرأى العام الأمريكى ورفض قطاع كبير من الساسة هناك استمرار التورط الأمريكى فى الحرب.
وأوضح أن الحصار البحرى يعد الأكثر تأثيرًا مقارنة بالعقوبات الاقتصادية، بعدما انعكس بصورة مباشرة على صادرات إيران النفطية، التى تمثل مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية للبلاد، فضلاً عن تراجع حجم التجارة نتيجة القيود التى فرضها الحصار.
وأشار إلى أن العقوبات الاقتصادية ليست سلاحًا جديدًا بالنسبة إلى إيران التى اعتادت التعامل معها على مدار سنوات، كما أن وجودها فى محيط يضم ست دول كبرى يتيح لها منافذ متعددة للتجارة، إلى جانب امتلاكها وسائل وطرقًا مختلفة للتحايل على العقوبات وتجاوز آثارها، من بينها الاعتماد على شركات غير مسجلة داخل إيران تتولى عمليات التبادل التجارى نيابة عنها.
واختتم «حسن» بتأكيده أن إعلان إيران تطبيق اقتصاد الحرب لمدة عامين يعكس استعداد الدولة لمواجهة ما قد يقدم عليه ترامب خلال الفترة المتبقية من ولايته، ويكشف عن توجه إيرانى لإعادة ترتيب أوراق المواجهة، والانتقال من الاستعداد للحرب العسكرية إلى مواجهة استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد.