فى كل مناسبة وطنية، يوجه الرئيس عبدالفتاح السيسى رسائل واضحة للحكومة تحمل فى طياتها توجيهات تنموية تُلامس حياة المواطن اليومية، وكانت احتفالية المولد النبوى الشريف الأخيرة واحدة من تلك المحطات التى شهدت تكليفات رئاسية جديدة، تهدف إلى تخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين، وتحسين الخدمات، وتعزيز الشفافية، وضبط الأسواق.
«المصور» التقت بمواطنين وخبراء فى التقرير التالى:
يقول محمد عبدالرحمن، 52 عامًا، صاحب محل بقالة، إن المواطنين يتابعون توجيهات الرئيس السيسى بشأن ضبط الأسواق، مطالبًا بأن تنعكس هذه التوجيهات بصورة ملموسة على أرض الواقع، وليس فى صورة قرارات أو تصريحات فقط، مؤكدا أنه يتابع توجيهات الرئيس بشكل جيد، وما زال يتذكر تكليفاته خلال المولد النبوي، قائلا: لكننا نريد أن نرى نتائج ملموسة على أرض الواقع. الأسعار فى الأسواق ترتفع بصورة متسارعة، والفئات البسيطة أصبحت تعانى من أعباء متزايدة، مع تغير الأسعار بصورة شبه يومية وارتفاع هوامش الربح دون مبررات واضحة. نحتاج إلى رقابة حقيقية، إلى جانب توفير أسواق ومنافذ بديلة تسهم فى تخفيف الأعباء عن المواطنين.
وتضيف سامية إبراهيم، 38 عامًا، موظفة حكومية، أن توجيهات الرئيس بشأن تطوير الخدمات وتحسين مستوى الأداء الحكومى تمثل مطلبًا مهمًا للمواطنين، إلا أن التعامل اليومى مع بعض المصالح الحكومية لا يزال يتسم بالصعوبة، موضحة: نقضى ساعات فى الطوابير، لذلك نتمنى أن يتحول الحديث عن التحول الرقمى إلى واقع ملموس، بما يسهّل حصول المواطنين على الخدمات ويوفر وقتهم وجهدهم.
ويؤكد حسين علي، 45 عامًا، ويعمل فى مجال المقاولات العقارية، أن أزمة المتعاملين مع شركات التطوير العقارى تحتاج إلى حلول جذرية وآليات واضحة لحماية حقوق المشترين، قائلا: اشتريت شخصيًا شقة من إحدى الشركات المعروفة، ومنذ أربع سنوات لم أتسلمها، بينما تستمر الشركة فى المماطلة، لذلك فإن الحديث عن وضع قائمة سوداء للشركات غير الملتزمة، إلى جانب توفير آليات سريعة لتعويض المتضررين، يمثل خطوة مهمة، لكن الأهم هو التطبيق الفعلي، لأن هذه الأزمة لم تعد مجرد مشكلة فردية، وإنما تحولت إلى أزمة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية.
وطالبت نادية فوزي، 29 عامًا، وتعمل مدرسة، بضرورة تبسيط لغة التواصل الحكومى مع المواطنين، بحيث تصل نتائج المشروعات والإنجازات إلى المواطن بصورة واضحة ومباشرة، قائلة: نريد أن تترجم الحكومة إنجازاتها بلغة يفهمها المواطن البسيط، بعيدًا عن التقارير المعقدة. نسمع كثيرًا عن مشروعات عملاقة، لكننا لا نعرف دائمًا كيف ستنعكس نتائجها على حياتنا اليومية. لذلك يجب أن يكون التقرير الوطنى الذى طالب به الرئيس مبسطًا وواضحًا، ويجيب عن أسئلة المواطنين: ماذا تم إنجازه؟ وما الذى لا يزال قيد التنفيذ؟ وكيف تم توجيه موارد الدولة؟.
على الجانب الآخر، قال الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، إن مواجهة ارتفاع الأسعار تتطلب سياسات ذكية وليست تسعيرة جبرية، مشيراً إلى أن توجيه الرئيس للحكومة بضبط الأسواق لا يمكن تنفيذه عبر فرض هامش ربح محدد، بل عبر زيادة المعروض من السلع، فالنظام القائم على تحديد هامش ربح أو التسعيرة الجبرية غير مناسب للسوق المصرية، والحل الأمثل يتمثل فى زيادة المعروض عبر إنشاء أسواق اليوم الواحد وأسواق الجملة فى المحافظات، ما يزيد التنافسية ويخفض الأسعار، ومن المهم استمرار هذه الأسواق وعدم جعلها تجربة مؤقتة، وتكليفات الرئيس فى هذا الملف تتطلب إعادة هيكلة جذرية للجهاز الإداري، مع وضع جدول زمنى واضح لتنفيذ التحسينات، خصوصاً فى المحافظات، ونحن أمام تحدٍ كبير يتمثل فى ترسخ البيروقراطية والتباطؤ الإداري، فما زال المواطن يقضى ساعات طويلة فى المصالح الحكومية لإنجاز معاملة بسيطة، والحل الوحيد هو التحول الرقمى الشامل لكل الخدمات، بحيث تصبح إلكترونية بالكامل، بما يقلل التعامل المباشر مع الموظفين ويحد من حالات الفساد والتعنت، فالمشكلة ليست فى الأفراد فقط بل فى منظومة متجذرة، لذلك نحتاج إلى قرارات جريئة ورقابة فعالة، ومحاسبة المقصرين، مع توفير منصات رقمية سهلة الاستخدام للمواطنين.
وفيما يتعلق بتكليفات الرئيس بمتابعة عقود الإسكان واتخاذ إجراءات ضد المطورين المتعثرين، وصف «بدرة» الموقف بـ«الخطير»، معتبراً أن أزمة المطورين العقاريين تحولت إلى صراعات قضائية مستمرة، يعانى فيها المواطن العادي، فالمواطن لم يعد يستثمر أمواله فى وحدة سكنية، بل تحول إلى طرف فى نزاع قضائى قد يستمر لسنوات، والشركة المطورة دائماً هى الأقوى، والمواطن يجد نفسه عاجزاً عن استرداد حقه، وفاقداً لمدخراته التى قد تصل إلى ملايين الجنيهات، وهذا الملف له تداعياته الخطيرة على سمعة الدولة، خصوصاً فى ظل وجود مستثمرين عرب وأجانب اشتروا وحدات ولم يستلموها، كما أنه يحرم الحكومة من موارد مالية كانت ستتحصل عليها من هذا النشاط العقاري، بينما يستمر المطورون فى التمتع بأموال الناس دون تقديم المقابل، كما يجب إنشاء قائمة سوداء للمطورين المتعثرين، وآليات تعويض سريعة للمتضررين، مع تشديد الرقابة على عقود البيع، وضمان حقوق المشترين قبل تنفيذ المشروعات.
فيما يرى الدكتور حازم مطر، أستاذ التخطيط الاجتماعى بجامعة حلوان، أن هناك فجوة واضحة بين الإدارة العليا فى الدولة والإدارة الوسطى المسئولة عن التنفيذ والمتابعة وقياس الأثر، وأكبر دليل على وجود هذه الفجوة أننا نجد رئيس الجمهورية نفسه يوجه بتخفيض الأسعار ومواجهة التضخم، رغم أن هذه الملفات هى فى الأساس مسئولية أجهزة أخرى، لذا لابد أن تبدأ الجهات التنفيذية من الوزارات حتى أصغر وحدة محلية فى تنفيذ توجيهات الرئيس، والاهتمام بالقضايا ذات الأولوية التى يتناولها فى كل خطاباته، مثل حياة كريمة، وضبط الأسعار، وتحسين الرواتب والمكافآت، ومعالجة الفجوة بين الطبقات، ومكافحة البطالة، وتطوير التعليم بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل».
وشدد «مطر» على أهمية توزيع المسئوليات بين مختلف أجهزة الدولة، بحيث تتحمل كل جهة دورها وتحاسب عليه، مع تفعيل دور الجهات الرقابية، وأن يتحمل كل مسئول دوره كاملاً، وإذا كانت خطابات الرئيس تتناول باستمرار قضايا الفقر والفقراء والأسر الأكثر احتياجا ، بينما نسب الفقر فى ارتفاع والفجوة بين الطبقات فى ازدياد، فهذا دليل على وجود مشكلة فى التنفيذ.
وحول آليات تطوير منظومة الشكاوى وسرعة الاستجابة، أشاد «مطر» بمنظومة الشكاوى الحكومية الموحدة، مشيراً إلى أنها حققت نجاحات ملحوظة، لكنه دعا إلى تعزيز دورها وضمان استجابة جميع الجهات، فالكثيرون جربوا منظومة الشكاوى الموحدة وأشادوا بها، فهى تتابع الشكوى بدءاً من تلقيها حتى حلها، وتتواصل مع الشاكى للاطمئنان على نتيجة شكواه، وهذا أمر إيجابى للغاية، ولكن بعض الجهات تحتاج إلى مزيد من الاهتمام والتفاعل، لأن المواطن يحتاج أن يجد استجابة سريعة وفعالة لمشكلاته، مشيرا إلى أن الشفافية فى تلقى الشكاوى أصبحت أكبر من أى وقت مضى، حيث فى السابق لم يكن أحد يتجرأ على تقديم شكوى ضد وزير مثلاً، أما اليوم فبيانات الشاكى سرية ويتم التعامل مع الشكاوى بأدلة وبراهين، مع تحقيق مبدأ المساءلة القانونية للجميع، فلا أحد فوق القانون، وسرعة الاستجابة للحوادث والجرائم أصبحت ملحوظة، حيث لا تمر ساعات قليلة على انتشار فيديو لحادثة حتى نجد الأجهزة الأمنية تتدخل وتضبط المتهمين، ما أسهم فى خفض نسب الجريمة بشكل كبير.
بشأن دور المحليات، وصف «مطر» الملف بأنه «خطير للغاية» ويحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية، لأن المحليات هى الحلقة الأولى التى تتعامل مع المواطن بشكل مباشر، فالمواطن إذا واجه موظفاً فاسداً أو مرتشياً، قد يعتقد أن الدولة كلها بهذا المستوى، لذلك لابد من الضبط تحت توجيه الرقابة الإدارية، ومحاسبة المقصرين، حتى لا تضيع جهود الدولة بسبب موظف واحد لا يؤدى خدمته، أما بخصوص توجيه الرئيس بإعداد تقرير وطنى شامل عن الإنجازات قبل أكتوبر المقبل، فيجب أن يكون التقرير واضحاً ومفهوماً للمواطن البسيط، وليس مجرد أرقام وجداول معقدة، فالحكومة لا تجيد التسويق لإنجازاتها، ويجب أن يكون هناك متخصصون فى الترويج والتواصل، مع عقد مؤتمر وطنى كبير يستمر لأيام، بمشاركة المثقفين والأكاديميين والسياسيين والإعلاميين، لعرض ما تم إنجازه ومناقشته بشفافية».
وتساءل: «كيف نحاسب المواطن على فواتير كهرباء بأثر رجعى لشهور وسنوات؟ ولماذا لا يتم الحديث عن الهدر فى الكهرباء والسرقات بوضوح؟ وكيف ندعم التحول للطاقة النظيفة مع تجاهل تركيب عدادات كودية للحد من الفاقد؟ كل هذه التساؤلات يجب أن تجد إجاباتها فى التقرير الوطني، لأن الشفافية هى السبيل الوحيد لكسب ثقة المواطن، وأن يشمل التقرير شرحاً تفصيلياً من كل وزارة، مثل وزارة الكهرباء عن أسباب ارتفاع الفواتير وخطط خفض الفاقد، ووزارة الصحة عن مصير الأدوية المدعمة وأسباب نقصها، ووزارة النقل عن أسباب تردى بعض الخدمات، مؤكداً أن المواطن بات واعياً ومتابعاً، ولن يقبل بالتعتيم.
وقال «د. مطر» إن التحدى الأكبر أمام الحكومة هو تقديم بيانات شفافة بلغة بسيطة يفهمها المواطن العادي، فالتحدث بلغة أرقام وأرض الواقع التى يعيشها الناس هو السبيل الوحيد لإقناعهم.