حين يُذكر البريد المصرى، تستحضر الذاكرة مؤسسة عريقة تمتد جذورها لأكثر من 160 عامًا، يعرفها كل مصرى ويلمس حضورها فى حياته اليومية، لكن حين تولت داليا الباز رئاسة مجلس إدارة الهيئة القومية للبريد فى يناير 2025، جاءت بسؤال مختلف: «ليس ما الذى كان عليه البريد؟»، بل «ما الذى يمكن أن يصبح عليه؟».
تخرجت داليا الباز فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1995، حاصلة على بكالوريوس تخصص إدارة الأعمال والاقتصاد، وفى العام نفسه بدأت مسيرتها المصرفية فى بنك باركليز مصر فى مجال ائتمان الشركات، ثم تدرجت فى عدد من المناصب، وصولًا إلى رئاسة مجموعة مخاطر التشغيل، كما ساهمت فى إنشاء قطاع الرقابة الداخلية بالبنك، وشغلت كذلك منصب مسئول الالتزام، وعضوية اللجنة التنفيذية ولجنة المخاطر والرقابة.
كانت تلك إحدى المحطات المبكرة التى كشفت عن قدرة مهنية لا تكتفى بإدارة القائم، بل تمتد إلى بناء وتطوير منظومات العمل.
فى ديسمبر 2008 انضمت إلى البنك الأهلى المصرى لتكتب فصلًا جديدًا فى مسيرتها، بدأت برئاسة مجموعة مخاطر التشغيل، وأسهمت فى تطوير منظومة إدارة المخاطر وتعزيز استمرارية الأعمال، ثم تولت فى ديسمبر 2015 منصب الرئيس التنفيذى للعمليات المصرفية وتكنولوجيا المعلومات، لتشرف على تطوير ومركزية العمليات المصرفية، والإسهام فى تنفيذ استراتيجية متكاملة لتكنولوجيا المعلومات، والإشراف على تطبيق نظام مصرفى جديد بالبنك، وفى عام 2017 تولت منصب نائب رئيس مجلس الإدارة، لتتسع مسئولياتها لتشمل قطاعات المخاطر والعمليات المصرفية وتكنولوجيا المعلومات وتحسين العمليات وإدارة الائتمان.
كانت تلك مرحلة مفصلية فى مسيرتها، جمعت فيها بين إدارة المخاطر، وتطوير العمليات، والتحول التكنولوجى، وبناء منظومات العمل المؤسسى.
لم تمر هذه السنوات دون اعتراف وتقدير، فقد جاءت داليا الباز فى المرتبة الثالثة عشرة ضمن قائمة «فوربس الشرق الأوسط» لأقوى 100 سيدة أعمال فى عامى 2023 و2024، كما جاءت فى المرتبة العشرين ضمن قائمة النساء الأكثر تأثيرًا لعام 2018.
نحو اثنين وثلاثين عامًا من العمل فى قلب المنظومة المصرفية المصرية، جمعت خلالها بين دقة إدارة المخاطر، وجرأة التحول الرقمى، وحكمة بناء الأنظمة المؤسسية، هو ما جعلها اختيارًا منطقيًا لقيادة مؤسسة بحجم وثقل البريد المصرى.
جاءت داليا الباز إلى البريد المصرى وفى جعبتها سؤال واضح: كيف تتحول مكاتب البريد المنتشرة فى ربوع مصر من نقاط تقليدية إلى منصات حديثة للخدمات المالية؟ ومن هذا المنطلق، اتجهت إلى تطوير الخدمات المالية وتعزيز الشمول المالى، والاستفادة من الانتشار الجغرافى الواسع لمكاتب البريد فى الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع، لتعزيز دور البريد فى تقديم الخدمات للمواطنين، رؤية تتجاوز مفهوم الربحية وحده، لتضع الاستدامة وتعظيم الأثر المجتمعى فى صميم مسيرة التطوير.
لا تنظر «الباز» إلى الإدارة باعتبارها أرقامًا وأرباحًا فقط، بل تولى العاملين اهتمامًا خاصًا، انطلاقًا من إيمانها بأنهم الثروة الحقيقية للهيئة، وتضع تحسين بيئة العمل والتدريب ورفع الكفاءة ضمن أولوياتها، كما يحظى ملف الرعاية الصحية للعاملين باهتمام خاص، فى إطار توجه يستهدف تطوير الخدمات المقدمة لهم والارتقاء بمستوى الرعاية المقدمة لأسرهم.
ما يجعل تجربة داليا الباز مختلفة حقًا هو أنها لا تنظر إلى البريد المصرى باعتباره مؤسسة تحتاج إلى التطوير فحسب، بل باعتباره أصلًا استراتيجيًا يمتلك مقومات كبيرة للنمو والتوسع، فشبكة مكاتبه المنتشرة فى جميع أنحاء الجمهورية تمثل ميزة استراتيجية تتيح الوصول إلى مختلف المحافظات والمدن والقرى والمناطق الأكثر احتياجًا، وتمنح البريد قدرة واسعة على دعم الشمول المالى وتقديم الخدمات المالية والحكومية لمختلف شرائح المجتمع، امرأة تقرأ الخريطة الجغرافية بعين اقتصادية، وترى فى الانتشار الواسع لمكاتب البريد فرصة لتعظيم دوره، لا مجرد إرث تاريخى تحافظ عليه.
ومن بنك باركليز إلى رئاسة مؤسسة عريقة تخدم المصريين فى كل أنحاء الجمهورية، لم تبنِ داليا الباز مسيرتها بالصدفة، بل عبر سنوات طويلة من العمل والخبرة، وبإصرار على أن تترك كل مكان تولت فيه مسئولية أفضل مما وجدته.