تشهد العلاقات المصرية- الصينية محطة تاريخية بارزة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية التى تجمع بين القاهرة وبكين، حيث تأتى زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى مصر لتتوج مسارًا طويلًا من التعاون المتنامى بين البلدين، حيث شهدت العلاقات بين البلدين على مدار 7 عقود تطورًا متواصلًا حتى انتقلت من إطار الصداقة والتعاون التقليدى إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة، وأسهم التقارب السياسى والاقتصادى بين مصر والصين فى تعزيز العلاقات بين البلدين، وكان من العوامل التى دعمت انضمام القاهرة إلى تجمع «بريكس»، بما يعكس تنامى الحضور المصرى فى دوائر التعاون الاقتصادى الدولي، كما تنظر الصين إلى مصر باعتبارها بوابة إستراتيجية رئيسية إلى إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، «المصور» التقت السفير على الحفنى، سفير مصر السابق لدى بكين ورئيس جمعية الصداقة المصرية الصينية.. فى الحوار التالى:
كيف ترى زيارة الرئيس الصينى لمصر فى هذا التوقيت من أزمات الشرق الأوسط؟
طبعا هى زيارة مهمة فى هذا التوقيت، لكن أولا يجب الإشارة إلى أن هذه الزيارة هى الثانية للرئيس الصينى لمصر وهذه الزيارة تأتى ضمن برنامج تحركاته الخارجية وهى دائما فى أضيق نطاق ممكن، ومن الأهمية بمكان أن نقول إنه يقوم بزيارته الثانية لمصر، خاصة أننا نحتفل بالذكرى الـ70 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين التى بدأت سنة 56، ومصر كانت الدولة العربية والإفريقية الأولى، ومن ثم بدأت الدول تباعاً تحذو حذو مصر وتؤسس لعلاقات دبلوماسية مع الصين، وكانت كثير من هذه الدول تتحول من اعترافها بتايوان إلى اعترافها بجمهورية الصين الشعبية التى أُنشئت سنة 49.
أما الرئيس عبد الفتاح السيسى فزار الصين عدة مرات، وكانت بمناسبات معينة بدعوة نظيره الصيني، وكانت لحضور مؤتمرات مهمة، منها مؤتمر البريكس التى استضافته الصين، ثم قمة مجموعة العشرين التى استضافتها الصين أيضا، وكان أيضاً يمثل القارة الإفريقية عندما كان يرأس الاتحاد الإفريقى فى الفترة من 2019 لـ 2020، وبالتالى تمت الزيارة حوالى 10 مرات، إنما الأهم من مسألة عدد الزيارات هو أن الرئيسين الزعيمين التقيا 14 لقاء على هامش محافل دولية، فى الأمم المتحدة أو خلال تواجدهم لحضور مؤتمرات مدعيين لها، وبالتالى كان من الأهمية بمكان أن الرئيس شى جين بينغ يزور مصر فى الذكرى الـ 70 لتأسيس العلاقات بين الدولتين.
وما المنشود من الزيارة؟
هذه الزيارة فيها تقدير كبير لمصر وتقدير للنهج المصرى فى التعامل مع الأزمات الطاغية فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وشرق إفريقيا والقرن الإفريقي، وتقديراً للدور الذى تسعى مصر للقيام فيما يتعلق بـمشكلة قطاع غزة، والمواقف المصرية فيما يتعلق بالممارسات الإسرائيلية الممنهجة ضد الفلسطينيين.
هل ترى أن الزيارة لها علاقة بالدور المصرى فى الوساطة ما بين أمريكا وإيران وفى أزمة غزة؟
اللقاءات على مستوى القمة أهميتها تنبع من أنها فرصة للتشاور لأنها تقضيان وقتا أطول فى تبادل وجهات النظر والرأى وتبادل التقديرات وتنسيق المواقف بالنسبة لما هو آتٍ للمراحل التالية، ودفع التعاون بين الدولتين سواء فيما يتعلق بالإطار الثنائى أو الأطر الجماعية، ولا ننسى أن مصر عضو فى مبادرة الحزام والطريق وأعضاء مؤسسين لمنتدى التعاون الإفريقى الصيني، ولمنتدى التعاون العربى الصينى، فمسألة التشاور والتنسيق بين الدولتين ودفع علاقات التعاون سواء كان تعاون على المستوى الثنائى أو على المستوى الجماعى فرصة جيدة جدا، خاصة أننا بصدد وضع دولى مضطرب، ونظام دولى يشهد تغييرات غير مرغوب فيها، فنحن نتحدث عن حرب إبادة، وعن تصفية جنس بشرى، وعن تهجير شعب بأكمله فى فلسطين، ومصر والصين كطرفين يرفضان تماماً هذا النهج، ويؤكدان كذلك أنه لا سلام ولا أمن فى الشرق الأوسط إلا من خلال إنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وعلى حدود الرابع من يونيو 1967.
وكيف ترى التنسيق مع الصين فى أزمة غزة؟
هناك محاولات تبذل ما بين الأطراف الفلسطينية سواء على الجانب الصينى أو المصري، ولا ننسى مبادراتهما فى جمع الفصائل الفلسطينية فى بكين ومحاولة رأب الصدع بينها، كما لا ننسى أن مصر بشكل مستمر تفعل ذلك ولها دور كبير فى إنهاء الصراع الإسرائيلى- الفلسطينى.
فى ضوء هذا التنسيق من وجهة نظرك كيف ترى التعاون بين مصر والصين كدولتين كبيرتين؟
الصين تقدر تماماً النهج المصرى على المستوى الداخلى وعلى المستوى الإقليمى وعلى المستوى الدولى، وهناك ثوابت فى السياسة الخارجية الصينية والسياسة الخارجية المصرية من خلال مواقف الدولتين وسياسات الدولتين واستراتيجيات الدولتين، وهى قائمة على عدد من القيم المشتركة التى نتشارك فيها ونؤمن بها، كما أننا دولتان تسعيان للحفاظ على الحد المتسنى من السلم والأمن على المستوى الإقليمى والدولي، فما بالك بالمستوى الداخلي، وأننا دولتان تسعيان لحل الأزمات الإقليمية والدولية من خلال التفاوض، من خلال الحلول السياسية، من خلال الدبلوماسية، وليس بفرض منطق القوة وبالقوة الجبرية، ونؤمن كدولتين تماماً بالعمل الجماعى، وبالتالى مصر دائماً فى كل مرة تطرح الصين فيها مبادرة سواء بالنسبة للتنمية العالمية، أو بالنسبة للأمن الجماعى أو للحضارة العالمية، أو للحوكمة العالمية، تجدها من أوائل الدول التى ترحب بهذه المبادرات وتنضم لها لأن عنوانها هو إعلاء شأن السلم والأمن، لأنهما السبيلان الوحيدان لتحقيق الهدف الأسمى ألا وهو التنمية، التنمية المستدامة، التنمية التى يمكن أن تحقق غاية تنشدها شعوبنا ألا وهى رفع مستوى معيشة المواطن.
تحرص مصر على التنوع ما بين القطب الأمريكى وأوروبا وروسيا، هل ترى أننا نعظم شراكتنا الاستراتيجية مع الصين حتى لا نكون تحت رحمة طرف دولى واحد؟
إطلاقاً.. فالعلاقات بيننا وبين الصين أصدق بكثير مما طرأ من تحول من المعسكر الاشتراكى للمعسكر الغربى فى سبعينيات القرن الماضي، وعندما حدث ذلك كان الأمر مرتبط بأن أرضنا محتلة، ولو تتذكر الرئيس الراحل أنور السادات كان يقول إن أوراق اللعبة فى أيدى الولايات المتحدة الأمريكية، هى عندها الفرصة والإمكانيات التى تجعلها تضغط على الكيان الإسرائيلى وتجبره على الجلاء عن الأراضى المصرية المحتلة وعن شبه جزيرة سيناء بالكامل، وبالتالى فإن علاقاتنا مع الصين أقدم كثيرا، فهى بدأت قبل سنة 56 التى هو تاريخ تأسيس العلاقات الدبلوماسية، لكن مؤخرا فعلنا الشراكة الاستراتيجية مع الصين.
وحجم التبادل التجارى بدأ فى الارتفاع وكذلك حجم التبادل، فهل ترى هناك تغييرا فى بوصلة السياسة الخارجية المصرية؟
ودعنى أقل إننا قبل أن نرتقى بمستوى العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة كان لدينا تعاون استراتيجى شامل، وقبل التعاون الاستراتيجى الشامل كان تعاونا استراتيجيا، وهناك اتفاق ما بين القاهرة وبكين على استمرار الدفع بالعلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى مستويات أكبر وأكبر، ودعنى أقل إن لمصر شراكات عديدة، واتضح ذلك خلال حقبة تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى لسدة الحكم فى مصر، الذى عمل على أن تكون لمصر علاقات استراتيجية مع الصين، وعلاقات مع الولايات المتحدة، ومع الاتحاد الروسى، والاتحاد الأوروبى ودول الاتحاد الأوروبى وعدد منها أيضاً شراكة استراتيجية شاملة، وأيضاً مع أطراف أخرى، فنحن كدولة نعتز بشراكتنا الدولية سواء كمصر أو سواء كمنطقة عربية أو سواء كقارة إفريقية.
وبالتالى المسألة ليست مسألة أننا نفضل شريكا استراتيجيا على الآخر، لأن مصر تسعى لما يحقق مصلحة الشعب المصرى ومصلحة الدولة المصرية، حيثما تكون هناك فائدة ترجع على مصر وعلى شعبها من هذه الشراكات، كما أننا نمضى فى تعزيز هذه العلاقات والارتقاء بها ورفع مستواها مثلما حصل فى حالة الصين، وسياستنا الخارجية مبنية على قيمة مهمة جداً، وهذا ما يفسر صدور تقرير استراتيجى مؤخراً من وزارة الخارجية المصرية بعنوان «الاتزان الاستراتيجى المصرى فى الأعوام الأخيرة»، والذى يؤكد أننا نحافظ على علاقات متوازنة مع كافة شركائنا، والرئيس يذهب إلى حيثما يمكن أن يحصل على أفضل العروض، على أفضل الفرص التى تخدم على أجندة التنمية فى مصر.
فى ضوء العلاقات القوية التى تربطنا ببكين، هل وصل حجم التعاون الاقتصادى بين البلدين للمرحلة المرجوة؟
حجم التعاون ووصوله للمرحلة الحالية بدأ فى سنة 2014 عندما قام الرئيس السيسى وخص الصين بأولى زياراته الخارجية عندما تولى فى منتصف 2014 الرئاسة، وقبل نهاية 2014 قام بزيارة إلى الصين، وهى الزيارة التى تم فيها الاتفاق على رفع مستوى العلاقات إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وكان يمكن أن يبقى كشعار ليس له ترجمة على أرض الواقع، لكن ما حدث أن هناك إرادة سياسية على مستوى الزعيمين وعلى مستوى الحكومتين أن يكون هناك ترجمة سليمة وصحيحة على أرض الواقع، ويكفينى أن أقول إن عدد الشركات الصينية المستثمرة فى مصر اليوم تجاوز 3000 شركة، والصين رويداً رويداً سوف تصبح أهم الدول المستثمرة فى مصر، والاستثمارات قفزت إلى ما يقارب 10 مليارات دولار وفى ارتفاع مستمر، كما تم الاتفاق بين الدولتين على التعامل بالعملات المحلية بعد تعرضنا لهزات وتعرّض اقتصادنا فى الدولتين لهزات بسبب السياسات الأمريكية فيما يتعلق بقيمة الدولار الأمريكى ورفع أسعار الفائدة وسحب الأموال الساخنة من عندنا فى مصر على سبيل المثال.
وبالتالى مسألة التعامل فى جزء مما يتعلق بعلاقاتنا التجارية بالسداد بالعملات المحلية كان موضوعا مرحبا به جداً، وأيضاً هناك شيء قامت به الصين لأول مرة، وهو أن أول دولة فى العالم الصين تتفق معها أن تحول جزءا من ديونها المستحقة إلى استثمارات وهذا تم مع مصر، أيضاً القرار الخاص بإصدار سندات الباندا داخل الصين.
هل ترى أن مصر يمكنها الاستفادة من مسألة الرسوم الأمريكية على المنتجات الصينية وتصبح نافذة أكبر للمنتجات الصينية فى إفريقيا؟
الصين قررت مؤخراً فى مايو الماضى إسقاط أى رسوم وأى جمارك على الواردات الإفريقية ومن ضمنها مصر، والمنتجات التى تستوردها الصين من إفريقيا، وفى عام 2017 أنشأت الصين أول معرض للواردات الإفريقية للصين، وبالمناسبة فى أول معرض أقيم فى شنغهاى كانت مصر ضيف الشرف ورئيس مجلس الوزراء مثّلنا فى هذه المناسبة، وبالتالى السوق الصينية أصبحت منفتحة اليوم على نفاذ الصادرات الإفريقية والصادرات العربية وعلى الصادرات المصرية، كما أننا نصدر أكثر للصين الآن، وتوسعنا فى المنتجات الزراعية التى نصدرها للسوق الصينية، وبالتالى هناك فوائد متعددة وجَمّة يتم جنى ثمارها فى إطار هذه العلاقة الطيبة جداً مع الصين.
وكيف يمكن لمصر الاستفادة من التفوق الصينى على مستوى الصناعة؟
الآن نحن نتعاون مع دولة تفوقت على العالم كله فى الروبوتات والذكاء الاصطناعى والرقائق الإلكترونية وصناعتها المعقدة، كما نتعاون مع الصين فى مجال الرقمنة والمناطق الذكية، وكل ذلك يرتبط بمجال نقل التكنولوجيا إلى مصر وخلق مزيد من فرص العمل للشباب المصرى من خلال إقامة المصانع لمواجهة معدلات البطالة، وخلال السنوات العشر الماضية خلقنا نحو 10 ملايين فرصة عمل، وبالتالى فإن التعاون مع الصين يحقق الكثير من الفوائد لمصر، ونحن والصين أصبحنا أكثر تفهما وتعاونا وهذه أرضية جيدة لتحقيق أهدافنا خاصة فى مجال توطين الصناعة .
برأيك، هل صحيح أنه رغم قوة الصين دوليا هناك شعور عام بعدم وجود دور ملموس لها فى أزمات الشرق الأوسط؟
هذا أمر غير صحيح على الإطلاق، وهذه دعاية إعلامية تحاول أمريكا تسويقها عالميا للتشكيك فى قدرة الصين للعب دورها على المستوى الدولي، ولكن الحقيقة أن الصين تقوم بدورها على أكمل وجه ولها مبادراتها، وتسعى من خلال الجهود التفاوضية والسلمية دون اللجوء لكثرة البيانات واستخدام وسئل التواصل الاجتماعى، ولكن تعمل فى صمت وبهدوء وعلينا أن نتحدث بموضوعية، فالصين تعد نفسها لتصبح أقوى دولة فى العالم اقتصاديا وسياسيا، لكنها تعمل فى هدوء أولا لتنمية اقتصادها، كما أنها لا تدعى أنها أكبر قوة عسكرية ولكنها تقر أن أمريكا وروسيا هما كذلك، ولكنها تعمل لبناء قدراتها بغرض الردع وحماية مصالحا واقتصادها، وبالتالى دورها هو السعى لحل الأزمات بالطرق السلمية.