رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر.. «الشريك الموثوق»


2-9-2026 | 20:13

الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نظيره الصيني شي جين بينج

طباعة
تقرير: أحمد جمعة

فى توقيت مضطرب تبدو فيه المنطقة مثقلة بالأزمات، والعالم منشغلًا بإعادة ترتيب موازين القوة والنفوذ، تأتى زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى مصر والقمة التى تجمعه مع الرئيس عبدالفتاح السيسى كرسالة مختلفة؛ رسالة لا تُكتب بلغة الصخب والمواجهة، وإنما بلغة المصالح المتبادلة، والشراكات الممتدة، والدبلوماسية التى تترك للهدوء مساحة أكبر من الضجيج.

وتستقبل القاهرة الرئيس الصينى بعد نحو عقد من آخر زيارة له، وفى توقيت تكتسب فيه العلاقات المصرية الصينية دلالات تتجاوز حدود اللقاءات الرسمية، لتلامس ملفات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة، وتمتد إلى قضايا الإقليم والتحولات المتسارعة فى النظام الدولي، وتأتى الزيارة أيضًا متزامنة مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لتمنح لحظة اللقاء بعدًا تاريخيًا واستراتيجيًا فى آن واحد.

وبين القاهرة التى تبحث عن توسيع دوائر شراكاتها، وبكين التى تنظر إلى مصر باعتبارها بوابة مهمة إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التعاون، عنوانها المصالح لا الاصطفافات، والانفتاح لا المحاور، ومحاولة تحويل الموقع الجغرافى والثقل السياسى إلى فرص اقتصادية واستراتيجية أكثر اتساعًا، وتؤكد فى الوقت ذاته على مفهوم «الاتزان الاستراتيجى» الذى رسخته الدولة المصرية فى سنواتها الأخيرة كمبدأ حاكم لعلاقاتها الدولية والإقليمية.

اللافت أن الزيارة الراهنة تحمل كذلك رمزية تاريخية، إذ كانت مصر فى 30 مايو 1956 أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، قبل أن تتطور العلاقات على مدار سبعة عقود وصولًا إلى إعلان إقامة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين البلدين عام 2014، خلال لقاء الرئيس السيسى ونظيره الصينى شى جين بينغ، فيما زار الرئيس الصينى القاهرة للمرة الأولى بعد ذلك بعامين، فى يناير 2016.

السفير محمد حجازى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، يؤكد أن زيارة الرئيس الصينى تأتى فى لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، وتتجاوز فى دلالاتها حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، لتتصل بالدور الذى تؤديه مصر فى نظام دولى يشهد تحولات متسارعة وتصاعدًا فى التنافس بين القوى الكبرى، مضيفا أن الزيارة ستتناول سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«حجازى» يرى أن مفهوم «الاتزان الاستراتيجى» يمثل المدخل الأوضح لفهم الزيارة، موضحًا أن هذا المفهوم يعد أحد المرتكزات الأساسية فى السياسة الخارجية المصرية، التى تقوم على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، «من دون النظر إلى الشراكة مع الصين باعتبارها بديلًا عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها»، كما أن القاهرة تتعامل مع تنويع الشراكات بوصفه وسيلة لتعزيز المصالح الوطنية وتوسيع هامش الحركة، لا أداة للانضمام إلى محور فى مواجهة محور آخر.

وبهذا المعنى، لا يرى «حجازى» أن الحفاوة المصرية باستقبال الرئيس الصينى يمكن تفسيرها باعتبارها انحيازًا إلى بكين فى مواجهة واشنطن، فالعلاقات المصرية الصينية تطورت على مدى سبعة عقود حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتوازى مع حرص القاهرة على الحفاظ على علاقاتها وشراكاتها مع الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية، لكن هذه المعادلة، بحسب «حجازى»، تخضع لاختبار فعلى مع استمرار التنافس بين الصين والولايات المتحدة، الذى لم يعد محصورًا فى المجال السياسى، بل امتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن الدولى.

ويطرح مساعد وزير الخارجية الأسبق السؤال الأساسى بقوله «هل تستطيع مصر تعميق شراكتها مع الصين والاستفادة من إمكاناتها الاقتصادية والتكنولوجية والاستثمارية، من دون أن تُفسَّر هذه الخطوة باعتبارها اصطفافًا مصريًا ضد الولايات المتحدة؟»، يجيب أن «مصر لا تنتمى إلى المحاور، بل تنحاز إلى مصالحها الوطنية».

«حجازى» يشدد على أن «القوة فى النظام الدولى لا تُقاس بمجرد اختيار حليف على حساب آخر، وإنما بقدرة الدولة على بناء شبكة متنوعة من الشراكات، والحفاظ على استقلالية قرارها، وتحويل علاقاتها مع القوى الكبرى إلى أدوات تخدم أهدافها الوطنية، ومن هذا المنظور، لا تسعى القاهرة إلى المفاضلة بين شركائها، بل إلى إدارة علاقاتها معهم وفقًا لأولوياتها ومصالحها».

وفى المقابل، يتعين على واشنطن أن تقرأ الزيارة ضمن هذا الإطار، كما يؤكد وزير الخارجية الأسبق، فتعزيز الشراكة المصرية الصينية لا يعنى تلقائيًا تراجع الشراكة المصرية الأمريكية. بل إن مصر، بحكم موقعها الجغرافى وثقلها الإقليمي، قد تصبح أكثر قدرة على أداء دور الوسيط والقوة المتوازنة كلما امتلكت قنوات اتصال وعلاقات مؤثرة مع مختلف الأطراف الدولية، غير أن الحفاظ على الاتزان السياسى لا يكفى وحده؛ إذ يتمثل التحدى الحقيقى أمام مصر فى تحويل هذا الاتزان إلى مكاسب اقتصادية واستراتيجية ملموسة، ويتطلب ذلك أن تتجاوز الشراكة مع الصين حدود التجارة والاستثمارات، لتشمل التصنيع ونقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري، وهو توجه يحظى باهتمام متزايد فى مسار التعاون بين البلدين.

ويمضى قائلا: «لذلك، تمثل زيارة الرئيس الصينى اختبارًا للسياسة الخارجية المصرية، لكنها تؤكد فى الوقت نفسه أهمية مصر ومكانتها، فاستقبال القاهرة إحدى أبرز القوى الدولية، مع استمرار علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن وشركاء آخرين، يعكس قدرتها على التحرك داخل مساحة التنافس الدولى من دون أن تتحول إلى طرف تابع أو جزء من استقطاب حاد».

وفى المحصلة، يرى «حجازى» أن «نجاح مصر فى إدارة هذه المعادلة سيُقاس بقدرتها على الجمع بين ثلاثة أهداف مترابطة: شراكة قوية وفاعلة مع الصين، وعلاقة مستقرة ومتوازنة مع الولايات المتحدة، واستقلالية القرار المصرى بما يضمن خدمة المصالح الوطنية، وهنا تحديدًا تكمن القيمة الاستراتيجية للزيارة بمدى نجاح مصر فى تحويل التنافس بين القوى الكبرى إلى فرصة لتعزيز مكانتها ومصالحها، بدلًا من السماح له بالتحول إلى مصدر ضغط عليها، وأظن أن مصر قادرة لإقناع الجميع أنها تسير باستقلالية ووعى لتحقيق مصالحها وهى لذلك شريك موثوق لكل الأطراف، وهى كذلك شريك للجميع وبما يحقق مصالحها».

بدوره، يرى اللواء حمدى بخيت، المحلل العسكرى والاستراتيجى، أن قراءة الزيارة والعلاقات المصرية- الصينية يجب أن تنطلق من حقيقة أساسية مفادها أن العالم بات قائمًا على «شبكة من المصالح المتبادلة»، فالصين لديها مصالحها فى مصر، كما أن القاهرة لديها مصالح واضحة فى بناء علاقة استراتيجية مع قوة دولية بحجم الصين، موضحا أن الموقع الجغرافى لمصر يمثل أحد أبرز عناصر الجذب للصين، باعتبارها بوابة مهمة إلى إفريقيا والشرق الأوسط، فضلًا عن كونها دولة تتمتع بدرجة كبيرة من الاستقرار، بما يتيح إقامة صناعات ومناطق إنتاجية واسعة.

«بخيت» أشار إلى أن التصنيع فى مصر يمكن أن يمنح الصين ميزة اقتصادية مهمة، من خلال إنتاج السلع بالقرب من الأسواق المستهدفة، ثم تصديرها عبر الممرات المائية القريبة، بدلًا من تصنيعها فى الصين وتحمل تكاليف شحنها إلى مختلف أنحاء العالم، كما أن حالة الاستقرار والأمن التى تتمتع بها مصر، مقارنة بحالة التقلب التى تشهدها بعض دول المنطقة، تجعل القاهرة شريكًا أكثر جاذبية للصين، ومصر تمثل قوة استراتيجية مستقرة فى المنطقة، وبالتالى فإن التعاون معها يوفر لبكين قدرًا أكبر من الاستقرار فى حماية مصالحها الاقتصادية والاستثمارية.

وأكد «بخيت» أن العلاقات المصرية الصينية تستند إلى تجارب سابقة ناجحة ومتنامية، وهذه التجارب تمثل قاعدة قوية يمكن البناء عليها لتطوير الشراكة بين البلدين خلال المرحلة المقبلة، وتوسيع مجالات التعاون بما يتناسب مع مصالح الطرفين، كما أن القاهرة لديها مصالح واضحة فى تعزيز علاقاتها مع القوى الكبرى، ومن بينها الصين، خاصة فى ظل المرحلة التى تمر بها مصر، والتى تتطلب دعم وتعزيز عناصر القوة الشاملة للدولة، مشددا على أن عناصر القوة الشاملة تشمل القدرات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية، والصين تستطيع أن توفر مجالات واسعة للتعاون فى هذه القطاعات، بما يدعم قدرات مصر ويعزز من قدرتها على التعامل مع التحديات والتهديدات المحيطة بها.

«وجود علاقة استراتيجية مع دولة قوية بحجم الصين يمكن أن يمثل عنصرًا إضافيًا فى تعزيز قدرة مصر على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية» كما أكد اللواء «بخيت»، إضافة لتوفير مساحات أوسع للمناورة والحركة فى ظل بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، مشددا على أن مصر لا تدخل علاقتها مع الصين من موقع الطرف الذى ينتظر المساعدة فقط، وإنما تمتلك العديد من المقومات التى تجعلها شريكًا جاذبًا للاستثمار والتعاون، وفى مقدمتها البنية التحتية، وتوافر العمالة، والمواد الخام، إلى جانب تنافسية الأسعار والقدرة على الوصول إلى أسواق إقليمية واسعة.

واعتبر أن هذه المقومات تمنح الشراكة المصرية الصينية طبيعة متبادلة المصالح، بحيث تستفيد الصين من المزايا التى توفرها السوق المصرية وموقعها الاستراتيجي، بينما تستفيد مصر من الخبرات والاستثمارات والتكنولوجيا الصينية، بما يعزز فرص تحقيق مصالح مشتركة خلال المرحلة المقبلة.

كما شدد د. حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية على أن الزيارة تمثل محطة مهمة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة وبكين، فأهدافها لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، وإنما تمتد إلى ملفات السياسة والتكنولوجيا والطاقة والدفاع، فضلًا عن التنسيق بشأن التطورات الإقليمية والدولية، موضحا أن مصر يمكن أن تحقق مكاسب سياسية من الزيارة، من خلال تعزيز مستوى التنسيق مع الصين، خاصة فى ظل كون البلدين من القوى المؤثرة ضمن إطار «الجنوب العالمي»، إلى جانب بحث عدد من القضايا المرتبطة باستقرار الشرق الأوسط، وأمن طرق التجارة والممرات البحرية.

وأشار إلى أن البعد الاقتصادى سيكون حاضرًا بقوة خلال الزيارة، فى ظل التوسع الملحوظ فى الاستثمارات الصينية داخل مصر، خاصة أن الحكومة أعلنت خلال أغسطس الماضى تجاوز حجم الاستثمارات الصينية فى البلاد حاجز الـ10 مليارات دولار، مع تنامى المشروعات المشتركة والتعاون فى قطاعات الصناعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا والاتصالات والتعدين والزراعة، وأتت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى أهم ساحات التعاون المصرى الصيني، ولا سيما المنطقة الصناعية والتجارية الصينية «تيدا» فى العين السخنة، التى تمثل منصة مهمة لتوطين الصناعات الصينية فى مصر، وربط الإنتاج بالأسواق الإقليمية والدولية.

وبحسب «فارس» فإن الزيارة تحمل فرصًا لتعميق الحضور الاقتصادى الصينى فى مصر، ليس فقط عبر زيادة حجم الاستثمارات القائمة، وإنما من خلال الانتقال إلى مجالات إنتاجية أكثر تنوعًا، بما يعزز التصنيع المحلى ويدعم نقل الخبرات والتكنولوجيا، ويجعل من مصر مركزًا للشركات الصينية الراغبة فى النفاذ إلى أسواق عربية وإفريقية وأوروبية.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة