رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

السيسى وشى جين بينج.. صـداقــة وشــراكة

2-9-2026 | 20:12
طباعة

الاحترام المتبادل، والتفاهم المشترك، والتوافق فى الرؤى، ثلاثية تجمع بين الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس الصينى شى جين بينج منذ 2014 وحتى الآن، وهذا ما جسدته القمم المتتابعة بين الزعيمين، وأكدته اللقاءات المتلاحقة بين الرئيسين، وبرهنت عليه المواقف المتتابعة بين القائدين، فعلى مدى أكثر من 12 قمة ومنتدى خلال هذه السنوات وثقت الكاميرات التقدير الواضح بينهما، وأثبتت الوقائع التقارب فى وجهات النظر حول مختلف القضايا، وأظهرت التوجهات التزام كل منهما بتوقير الثوابت الوطنية فى البلدين، وحرصًا كاملًا على تقوية الروابط بين الشعبين المصرى والصينى فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، مما فتح المجال واسعًا لتحويل الصداقة الوطيدة بين الرئيسين إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الدولتين.

ومن القواسم الشخصية المشتركة بين الزعيمين السيسى وشى جين بينج، الكاريزما القوية، والحضور الواسع، والهيبة الرزينة، مع كيمياء واضحة فى التعامل، والارتياح التام فى العلاقات الثنائية، وتقارب الأفكار والمبادئ، مما يزيد من نقاط الاتفاق، ويقلل من مواضع الاختلاف، فلا تكلف فى العبارات ولا تصنع فى التصرفات، ولا مزايدة فى القرارات، وهذا ما يفسر تعدد المحافل الدولية التى يحرص الرئيسان على التواجد فيها معًا، وعقد الاجتماعات المشتركة، وإجراء المشاورات المختلفة حول العلاقات الثنائية، وسبل زيادة التعاون فى كل المجالات بما يخدم مصالح البلدين، إلى جانب المحادثات الممتدة بشأن القضايا الإقليمية والدولية الطارئة، بحثًا عن الحلول السياسية التى تخدم السلام والاستقرار بالمنطقة والعالم، والأمثلة هنا عصية على الحصر وصعبة على العدد، سواء خلال اللقاءات المباشرة فى الزيارات الرسمية والقمم الثنائية وعلى هامش المحافل الدولية، وصولًا إلى قائمة طويلة من الاتصالات الهاتفية المستمرة، خصوصًا فى هذه المرحلة الصعبة من عمر الشرق الأوسط والعالم أجمع.

وعلى مستوى إدارة شئون الدولة وملفاتها الداخلية والخارجية، هناك تشابه كبير بين القائدين السيسى وشى جين بينج، وبقراءة سهلة وتحليل ميسور ندرك أن الرئيسين يجمع بينهما الإرادة الصلبة فى التنمية بكل القطاعات داخليًا لصالح المواطنين، ومن أجل تحسين مستوى المعيشة، وزيادة الإنتاج المحلى ورفع معدلات التصدير، مما ينعكس بالإيجاب على الاقتصاد الوطنى، وفى نفس الوقت، الرئيسان لديهما قناعة راسخة بأن التنمية حق للجميع، وعلى القاهرة وبكين تقديم تجربتيهما التنمويتين لكل من يطلبهما، وخاصة من دول القارة السمراء التى تمتلك موارد ضخمة وإمكانيات هائلة، لكنها لم تستغل بالشكل المناسب حتى الآن، وليس خافيًا على أحد أنه فى الوقت الذى تنشغل فيه العديد من القوى الإقليمية والدولية بمشاركة بعض العواصم شرقًا وغربًا لصناعة المؤامرات الخبيثة، وتدبير المخططات الشريرة لإشعال الصراعات المدمرة، ونشر النزاعات المهلكة سواء بين طوائف البلد الواحد أو بين الدول وبعضها البعض، بحثًا عن مكاسب ضيقة ومآرب خاصة، نجد قيادتى مصر والصين على خط مستقيم فى التنمية الشاملة محليًا، ويصدران خبراتهما عن طيب خاطر لمختلف البلدان.

كما أن الزعيمين السيسى وشى جين بينج، يربط بينهما الإصرار المتين على امتلاك الدولتين للقدرة الشاملة على كافة المستويات، فهما يسيران بمنهج واضح لتطوير القدرات التنموية بالتوازى مع الجوانب الدبلوماسية والشئون العسكرية، فلا تجاهل لملف على حساب الآخر، ولا تأجيل لقضية حيوية لصالح أخرى، فالأمن القومى يتطلب بالدرجة الأولى قوات مسلحة مؤهلة وفى أعلى درجات الجاهزية لحمايتها على جميع الجبهات وكل الاتجاهات، ومستعدة لتنفيذ أية مهام فى الداخل والخارج للدفاع عن مقدرات الشعب مهما كانت المهددات أو التحديات، وهذا يحتاج إلى تطوير مستمر وتحديث متواصل وتدريب مستدام، وهو ما يحدث على أرض الواقع فى البلدين، وموثق بالأرقام الكاشفة والوقائع المؤكدة، كما تظهر التدريبات المشتركة، والمناورات المتتابعة، والاصطفافات المتتالية لجيشى الدولتين، لكن هناك إدراكًا عميقًا لدى القيادتين بأن الأمن القومى يبدأ من ضمان توفير الغذاء والدواء وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين، وبالتالى لابد من الاهتمام بكل المجالات معًا، من الصحة إلى التعليم، ومن الزراعة إلى الصناعة، ومن الطرق إلى الإسكان، ومن تكنولوجيا المعلومات إلى التنمية المحلية، فالتقدم عملية متداخلة المراحل، متعددة الخطوات.

الاتزان الاستراتيجى، دبلوماسية ناجحة تتقنها القاهرة وبكين تحت قيادة السيسى وشى جين بينج، فالعاصمتان قطعتا شوطًا معتبرًا فى بناء سياسة حكيمة يحتذى بها فى العلاقات الدولية سواء فيما بينهما أو مع الدول والقوى الأخرى، عنوانها العريض هو التوازن، مما أتاح لهما إقامة شبكة علاقات واسعة مع مختلف التحالفات السياسية والاقتصادية، ومنحهما أوراق قوة، وقدرة على مقاومة أية محاولات للهيمنة أو فرض الإرادة من أى قوى إقليمية أو دولية، فالاتزان الاستراتيجى يضمن المرونة فى العلاقات، ويسمح بالاقتراب من الشركاء بلا تبعية، والابتعاد وقت اللزوم بلا قطيعة، والتفاوض وقت الضرورة بلا تنازلات، وهذا المبدأ القويم وثقته وزارة الخارجية فى الكتاب الذى رصد ملامح سياستنا الخارجية فى الجمهورية الجديدة خلال عشر سنوات بعنوان “الاتزان الاستراتيجى”، تأكيدًا على رفض الاستقطاب، وتنوع الشراكات مع شتى القوى الكبرى، ومنها جمهورية الصين الشعبية، مع ضمان استقلال القرار الوطنى من أية ضغوط، والتصدى لفرض أية التزامات تتنافى مع هذا المبدأ الثابت عند التباحث حول الملفات المختلفة، من العلاقات الدبلوماسية إلى التنمية الاقتصادية.

ويحسب للرئيسين السيسى وشى جين بينج، تبنى البلدين لنهج دائم فى سبيل إحلال السلام وعودة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط أو غيرها من المناطق الموبوءة بالصراعات، والمشتعلة بالحروب، فلا تتوقف تحركات البلدين لتهدئة الخلافات، ولا تمل العاصمتان من جهود خفض التوترات، والقيام بدور الوسيط النزيه لإسكات البنادق والجلوس على مائدة المفاوضات للوصول إلى حلول سياسية ترضى جميع الأطراف، لأن لغة القوة تزيد وتيرة الحروب، وتغلق أبواب السلام، وتضرب الاستقرار إقليميًا وعالميًا، وليس حرب غزة أو إيران وما بينهما من تداعيات كارثية ببعيد، وحتى الآن ما زالت كل السيناريوهات متوقعة، وجميع الاحتمالات مفتوحة فى ظل غياب الرجل الرشيد داخل الإدارة الأمريكية، ليضع حدًا لهذه المهاترات العسكرية البائسة، وتلك القرارات المتهورة التى تزيد أمد الصراع، خصوصًا أن مجرم الحرب نتنياهو رئيس حكومة دولة الاحتلال يواصل بث سمومه فى عقول القادة الأمريكان لمواصلة القتال إلى مدى غير معلوم، ولهدف غير معروف، بينما الآثار السلبية للحرب طالت مختلف الدول؛ نظرًا لتوقف مضيق هرمز عن ضخ الطاقة فى شرايين الاقتصاد العالمى، بما فيها الاقتصاد الأمريكى نفسه، ويكفى مشاهد أكل المواطنين فى الولايات المتحدة من صناديق الزبالة، وما خفى كان أعظم، لكنها الحماقة التى أعيت من يداويها.

كما أن سياسة الخطوط الحمراء حاضرة بقوة فى أدبيات السياسة الخارجية المصرية والصينية فى هذه المرحلة الصعبة من عمر الشرق الأوسط والعالم أجمع، فقد فرضت القاهرة على الجميع احترام حدودها وأمنها القومى على كل الاتجاهات الاستراتيجية رغم اشتعال الإقليم بالأزمات، واحتراق الدول المجاورة بنيران التوترات، وقد تنوعت هذه الخطوط الحمراء لدى الرئيس السيسى، بداية من تأكيده مرارًا وتكرارًا أن حصة مصر من مياه النيل خط أحمر لا يمكن المساس به، مرورًا بخط سرت ـ الجفرة فى 2020 داخل الأراضى الليبية لضمان الأمن القومى المصرى، وهو ما وأد التمدد العسكرى والعمليات القتالية من بعض الميليشيات التابعة لبعض القوى الإقليمية والدولية، وأيضًا وضعت القاهرة خطًا أحمر فى الأزمة السودانية يضمن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه مع الحفاظ على المؤسسات الوطنية، وبالطبع القاصى والدانى يعلم أن الدولة المصرية شعبًا وقيادة وحكومة أفسدت مخطط تصفية القضية الفلسطينية عندما رفضت تهجير أهالى غزة لأنهم أصحاب الأرض، وتحملت القاهرة ضغوطًا تنوء عن حملها الجبال، لكنه قدر كبير للعرب فى كل العصور، وأيضًا أمن الخليج العربى خط أحمر لا تهاون فيه من المصريين، أما الصين، فلديها عدة خطوط حمراء منها، مبدأ “صين واحدة”، وبالتالى لا مجال لانفصال تايوان مهما كانت المكائد الأمريكية، وكذلك ترفض بكين أى محاولات خارجية للتدخل فى نظامها الاشتراكى، مع التصدى لاستخدام الغرب لورقة حقوق الإنسان كذريعة للتدخل فى الشئون الداخلية، إلى جانب الاعتراض على فرض أى حصار اقتصادى أو تكنولوجى على منتجاتها وشركاتها من المنافسين الأمريكيين والأوروبيين.

صحيح أن العلاقات المصرية الصينية عمرها 70 عامًا، وهناك جولات من التعاون والتنسيق بين البلدين، لكن التقدير المتبادل بين الزعيمين السيسى وشى جين بينج، والتقارب فى الأفكار، والتوافق فى الرؤى، أدى إلى نقلة نوعية فى مسار هذه الروابط على المستويات كافة بين القاهرة وبكين، والدليل على ذلك أن البلدين بادرا بتوقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، بعد زيارة الرئيس السيسى التاريخية للصين، ومن يومها العلاقات فى ارتقاء، والشراكات فى تزايد، والزيارات واللقاءات فى تصاعد، وبلغة الأرقام هناك أكثر من 10 قمم ثنائية جمعت بين قيادتى الدولتين، منها قمة القاهرة ـ بكين فى 2016، علمًا أنها كانت أول زيارة لرئيس صينى للقاهرة منذ 12 سنة، كما أنها كانت فى الذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين العاصمتين، فى دلالة واضحة على مكانة القاهرة كدولة محورية فى الشرق الأوسط وبوابة رئيسية لبلدان القارة الإفريقية، ومن ثمار هذه القمة التوقيع على البرنامج التنفيذى لتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة خلال خمس سنوات، وإطلاق إشارة البدء فى مشروع حى المال والأعمال بالعاصمة الجديدة، ثم تتابعت اللقاءات الرسمية على هامش قمة بريكس، ومجموعة العشرين، والقمة العربية الصينية والقمة الإفريقية الصينية، وصولًا إلى القمة الحالية، والزيارة التاريخية للرئيس الصينى إلى القاهرة فى إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، ومتابعة تنفيذ اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، فضلًا عن التشاور حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وتكتسب القمم المصرية الصينية أهمية خاصة لأن القائدين السيسى وشى جين بينج، لا يجتمعان من أجل التباحث حول الاتفاقيات المشتركة بين البلدين أو مجرد الدعوة لزيادة التعاون التجارى والاقتصادى بين العاصمتين، لكن وجودهما معًا يعنى أن فرق العمل فى الجانبين قد انتهوا من كل التفاصيل، وحددوا كل الالتزامات من الطرفين تحت متابعة وإشراف مستمر من الرئيسين، وبالتالى الدخول مباشرة فى توقيع عقود التنفيذ على أرض الواقع فى مشروعات مجالات عدة، وقطاعات شتى، وهو ما يعود بالفائدة على الشعبين فى البلدين.

حمى الله مصر وشعبها وقيادتها

ومؤسساتها الوطنية من كل سوء

أخبار الساعة

الاكثر قراءة