رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الآثار النبوية ذاكرة العشق التى حفظتها المدن والقلوب


27-8-2026 | 19:36

الباحث أحمد عبدالعاطى الآثارى والصور من رسالة الماجستير الخاصة به

طباعة
كتبت: أمانى عبدالحميد

رحلة طويلة قطعتها الآثار النبوية المباركة فى التنقل بين أرجاء العالم الإسلامى، بدأتها من أرض الحجاز موطن النبوة الشريفة حتى بلغت أقاصى العالم الإسلامى، تنقلت خلالها من مكان إلى آخر، وحفظتها الخزائن والمساجد والمقامات، واحتضنتها المدن الإسلامية من القاهرة إلى إسطنبول وغيرها. وإن بلغت محبتها فى مصر درجات من العشق الصوفى واقترنت بأهل مصر ووَجدهم، تعلقت معه قلوبهم تبحث عن فرصة تجمعهم بآثار "سيدنا النبي" عليه أفضل الصلاة والسلام، التى توارت خلف قاعات الحفظ وباتت جزءًا من ذاكرة القاهرة الدينية والعمرانية.

قطعة من قميص أو شعرة أو سيف أو رسالة أو حتى أثر قدم، مقتنيات قديمة تحولت مع الزمن إلى وسيلة لاستحضار شخصية النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وخلقت رباطًا رمزيًا يجمع بين قلوب المؤمنين المحبين بعدما ارتبطوا بكتب السيرة والحديث الشريف، امتدّت صلتهم إلى كل ما هو منسوب إلى النبى من مقتنيات وآثار، وباتت رحلة البحث عن الآثار النبوية أشبه بالسير على طريق العشق النبوى.

غير أن الحديث عن الآثار النبوية الشريفة يستدعى التفرقة بين الموروث الدينى وبين الإثبات الأثرى؛ فليس كل الأشياء والمقتنيات تعود ملكيتها إلى نبى الله فعلا، لكنها اكتسبت قدسيتها عبر مسار انتقالها، أو جهات حفظها، أو موقع استقرارها، واحتفظت بها الأجيال وأحاطتها بمشاعر التوقير والتقديس لتصبح جزءًا من الذاكرة الدينية والثقافية للمجتمع.

وعلى الرغم من حالات التقديس، فإن بعض المقتنيات ارتبطت بروايات قديمة، وبعضها الآخر اعتمد على تقاليد محلية أو روايات تناقلتها الأجيال، كما أن مرور 14 قرنًا تقريبًا وما شهدته من حروب واضطرابات وسقوط دول، يجعل التحقق من سلسلة ملكية أو انتساب تلك المقتنيات أمرًا بالغ الصعوبة، لكن يظلّ تاريخها والطريقة التى احتفظ بها المسلمون والمكان الذى خصّصوه لها، والعمارة التى أقاموها حولها، والطقوس والممارسات التى ارتبطت بها كلها تمثل جزءًا من التراث الثقافى للمسلمين.

لذا أصبحت "الآثار النبوية" محط اهتمام الباحثين والدارسين فى مختلف البلاد والمجتمعات الإسلامية، بداية من شبه الجزيرة العربية إلى شمال إفريقيا ومصر إلى إسطنبول، ومن بلاد الشام والعراق إلى الهند. وتناقل المسلمون على اختلاف لغاتهم وثقافتهم ومذاهبهم روايات عن شعرات النبى عليه الصلاة والسلام، وقطع من ملابسه الشريفة، وأسلحته، وآثار أقدامه، وغيرها من المقتنيات التى ارتبطت فى وجدانهم بسيرته الشريفة، ومثلت فى الوعى الدينى والشعبى رموزًا تستحضر النبى وروحه المباركة وتشعل فى القلوب محبته.

وظهرت محاولات عديدة لدراسة وتتبع الآثار النبوية كان فى مقدمتهم المؤرخ والباحث أحمد تيمور باشا الذى قدم كتابه "الآثار النبوية" فى عام 1951. وفيه ألقى الضوء على الآثار التى اشتُهرت بأنها تعود لحضرة النبى، بدأها بالبردة الشريفة، ثم القضيب، والمنبر، والسرير، الخاتم، العمامة، والسيف، لكنه توقف عند الشعرات الشريفة وآثار القدم والنعال والركاب والعلم النبوى.

أهم ما يميّز كتاب "تيمور باشا" اتساع الرقعة الجغرافية للآثار النبوية، حيث تتبع أخبارها فى مصر ودمشق والطائف ومكة المكرمة وتركيا، رصد خلالها حركة تنقلها بين الدول والسلطات والمدن، ووصف كل ما أحاطها من مظاهر حفاوة وتبجيل وعناية. وتتبع المصادر والمراجع وناقش الروايات بشكل حيادى، ولم يتعامل معها كأنها حقائق متساوية فى درجات الصحة والثبوت، وبالتالى تجاوز كتابه محاولات تسجيل الموروث ليصبح محاولة فهم تاريخ الأثر والرواية التى ارتبطت به.

حالة العشق النبوى التى اشتُهر بها أهل مصر، جعلت من القاهرة مركزًا مهمًا من مراكز الاحتفاء بالتراث النبوى، واحتفظت بعدد من المقتنيات المنسوبة لحضرة النبى محمد عليه الصلاة والسلام. كما ارتبطت بها الآثار النبوية بالمساجد والعمارة الدينية، يتصدرها مسجد سيدنا الحسين بحى الأزهر، الذى يحتضن داخله قاعة خاصة للآثار النبوية أنشأها الخديو عباس حلمى الثانى عام 1893م، وهى قاعة لا يدخلها سوى كبار الزوار، لها بابان، أحدهما يؤدى إلى المسجد والآخر إلى القبة، وتضم قطعة من قميص النبى محمد صلى الله عليه وسلم، ومكحلة ومرودا، وقطعة من عصاة، وشعرتين من اللحية الشريفة، ومصحفين منسوبين إلى عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما، وهى المقتنيات التى باتت جزءًا من النسيج الروحى والدينى للقاهرة.

وفتحت الدكتورة سعاد ماهر، أستاذة الآثار والترميم، فصلاً جديدًا من دراسات الآثار النبوية من خلال كتابها الذى يحمل عنوان "مخلفات الرسول فى المسجد الحسيني" الذى صدر عام 1989 م، وفيه أفردت دراساتها للمكان وللمقتنيات التى تحتضنها القاعة النبوية، حيث تناولت دراستها المشهد الحسينى من الناحيتين التاريخية والأثرية. وقدمت دراسة تطبيقية وفنية وتحليلية، حيث تتبعت الأماكن التى وردت منها تلك المقتنيات قبل استقرارها الأخير بالمسجد، وقامت بدراسة كل قطعة على حدة، وعرضت أوصافها والأخبار التى أوردها المؤرخون عنها.

كما اهتمت الدكتورة سعاد ماهر بالنقوش الكتابية بالمشهد الحسينى نفسه، ووثقت المنارة التى كانت تعلو الباب الأخضر، المشيدة عام (634 هجرية/ 1236 م). ولم يتبقَّ منها سوى قاعدتها التى تحمل لوحة التأسيس. كما درست كتابات غرفة الآثار النبوية من الداخل، وكتابات القبة والتابوت الخشبى وهى عبارة عن بعض الآيات القرآنية والأبيات الشعرية ونصوص التأسيس، والمكتوبة بخطوط متنوعة ما بين الخط الكوفى والثلث والنسخ.

وامتد الحضور النبوى إلى الأماكن والمبانى التى ارتبطت بآثار الأقدام المنسوبة للنبى، حيث اشتهرت، خلال العصر المملوكى، منطقة "أثر النبي" لاحتضانها أماكن ارتبطت بآثار الأقدام المنسوبة إلى النبى عليه أفضل الصلاة والسلام، خاصة أن آثار القدم الشريفة ظلت على مدار التاريخ من أكثر أنواع الآثار النبوية حضورًا فى العمارة الإسلامية بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة، ومنها أمثلة عديدة وردت فى عدد من الدراسات تحت مسمى "رباط الآثار"، منها منشآت ارتبطت بمجموعة السلطان قايتباى والسلطان الغورى، وهى التقاليد التى انتشرت حول العالم الإسلامى وارتبطت بمواضع القدم فوق الأحجار على اعتبار أنها تحمل أثر القدم النبوية الشريفة.

تظل مصر دومًا هى حلقة الوصل بين دول العالم الإسلامى من مكة والمدينة وبلاد الشام والأناضول وشمال إفريقيا، التى كان لها الدور البارز فى خلق مظاهر التقديس والتبجيل لكل الآثار النبوية، ويكفيها دورها فى صناعة المحمل الشريف الذى ظل يخرج من مصر قرونًا طويلة حاملاً كسوة الكعبة إلى الأراضى المقدسة، وهو الموكب الذى ظلّ يخرج من مصر منذ عهد شجر الدر حتى بداية عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وبالتالى ظلت مصر المحطة الأولى التى تستقبل المقتنيات المقدسة من مصاحف، وكسوات، وآثار وذكريات بين الأقاليم الإسلامية.

ومن المتداول أن الخليفة عمر بن عبدالعزيز هو أول مَن وضع متحفًا للآثار النبوية داخل منزله، وأشهر مقتنياته القدح النبوى الذى ظل يتداول عبر الزمان حتى استقر فى تركيا. ومعروف أن عددًا كبيرًا من المقتنيات النبوية لم يصل إلى تركيا مباشرة خلال القرن الأول الهجرى، لكنها استقرت بعد رحلة تنقل بين عدة مدن، خاصة فى أعقاب حملة السلطان سليم الأول على مصر عام 1517 م وتحول مركز الخلافة إلى إسطنبول. على سبيل المثال الرسائل التى تم نسبها إلى رسول الله كانت موجهة إلى المقوقس، وتم العثور عليها داخل دير قرب مدينة أخميم عام 1852م، اشتراها السلطان عبدالحميد الأول السلطان رقم 31 من سلاطين الدولة العثمانية، وأودعها ضمن الآثار المقدسة فى القرن الـ19.

 وبسبب ذلك، اشتُهر متحف وقصر "طوب قابي" بما يحويه من الآثار النبوية المقدسة، من أبرزها البردة الشريفة التى تحتل مكانة خاصة، تم وضعها داخل صندوق ذهبى، بينما تم وضع شعرات من لحية النبى داخل وعاء زجاجى، علاوة على آثار نبوية أخرى منها أثر قدم، جزء من سنه، رسائل، سيف، قوس، إلى جانب مقتنيات أخرى مرتبطة بالأنبياء والخلفاء والصحابة والتاريخ الإسلامى.

وامتدت العناية بالآثار النبوية إلى الفن الإسلامى، وهو ما يكشف عنه الباحث الأثرى أحمد عبدالعاطى الآثارى فى رسالة الماجستير التى تناول فيها رسوم آثار الرسول عليه الصلاة والسلام المنفذة على نماذج التحف التطبيقية وتصاوير المخطوطات الإسلامية خلال العصر العثمانى، وذلك بسبب العناية المبكرة التى أولاها الصحابة بآثار النبى خلال حياته وامتدت بعد وفاته، حيث حرصوا على الاحتفاظ بكل ما يتصل بالنبى.

ومع مرور الزمن، اتسعت دائرة الاهتمام بالآثار النبوية، ولم تعد تقتصر على حفظ الأشياء المنسوبة إليه، إنما امتدّت إلى تصويرها وتوثيقها، حيث أصبحت حاضرة بقوة فى الفن التشكيلى الإسلامى خلال العصر العثمانى، وترصد الدراسة نماذج متعددة للآثار منها النعل، الرداء، العمامة، والخاتم، المشط، السيف، إلى جانب آثار القدم وخاتم النبوة، علاوة على تصوير المسجد النبوى ومحرابه ومنبره والأماكن التى ارتبطت بحفظ هذه الآثار، والتى انتشرت رسوماتها المستلهمة على المخطوطات والتحف الفنية والكتب والمصاحف ورسائل الحج وغيرها، ومنها نماذج محفوظة داخل المكتبة البريطانية ومتحف "طوب قابي" ومتحف دار الوثائق والكتب المصرية.

وإن رصد فى رسالته أن آثار القدم هى من أكثر الآثار المنسوبة للنبى دخلت الديار المصرية واستقرت فيها، ويربطها الباحث بينها وبين انتشار التصوف فى العصر العثمانى والرغبة فى تقريب معانى الآثار النبوية إلى الناس، والخوف من ضياعها.

ويوضح "الآثاري" فى دراسته أن كثيرًا من الآثار المنسوبة كانت بمثابة التذكير بسيرة النبى محمد عليه الصلاة والسلام. ومع الوقت، اختلط الأمر وتصور كثيرون أنها أصلية. وعلى سبيل المثال كان من المعتقد أن الراية النبوية أصلية وترجع لعصر النبى، لكنها فى حقيقة الأمر هى راية السلطان العثمانى التى كانت مرفوعة فوق المسجد النبوى، وعندما يأتى سلطان جديد تتم إزالة القديمة ووضع راية جديدة. وقتها يطلقون عليها الراية النبوية، كذلك الحضور الواسع للسيف النبوى وتصويره ضمن مجموعات كبيرة من المخطوطات المحفوظة فى متاحف العالم.

لذا يفرق "الآثاري" فى دراسته بين الأثر الثابت تاريخيا وبين الأثر المنسوب إلى النبى، موضحا أن كل ما حفظته الذاكرة الشعبية ليس بالضرورة ثبتت نسبته إلى النبى. لذا استخدم تعبير "الآثار المنسوبة"، ونجده يذهب إلى أن النعل النبوية ليست مجرد نعل بالمعنى الحرفى، وأن الرداء ليس مجرد ثوب، ولا الخاتم هو بالفعل خاتم. لكنها مقتنيات حملت قيمة رمزية تتجاوز مادتها وارتبطت فى وجدان المسلمين بصاحبها، وأصبحت مقتنيات للتذكير به واستحضار سيرته النبوية.

وبالتالى فإن سر بقاء الآثار النبوية فى الذاكرة حتى اليوم هو الحنين الإنسانى إلى صاحب الرسالة السماوية، وأن رحلة الآثار النبوية حول العالم ما هى إلا رحلة محبة حملتها الأجيال وحاولت منحها شكلاً يمكن للعين أن تراه.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة