رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الناقد شوقى بدر يوسف: وقعت فى أسر «محفوظ» منذ ستينيات القرن الماضى


30-8-2026 | 13:02

الناقد شوقى بدر يوسف

طباعة
حوار: صلاح البيلى

شوقى بدر يوسف، ناقد أدبى سكندري، وقع فى غرام الروائى العالمى الراحل، نجيب محفوظ منذ ستينيات القرن العشرين، وعكف على قراءته، ثم تحول للكتابة عنه، حتى وضع عنه وعن أعماله أهم ببلوجرافيا عصرية ضمت بشكل علمى قاعدة بيانات كبيرة هى الأكبر والأشمل عن محفوظ، علاوة على دراساته النقدية السردية الأخرى، ومن هنا كان الحوار، وبدأ بالموسوعة الضخمة التى وضعها وصدرت فى أجزاء، فإلى نص الحوار. 

بداية، كيف ومتى بدأت إعداد موسوعتك الببلوجرافية عن «إبداع محفوظ»، وكيف شرعت فى العمل فيه، وأى أسلوب اتخذته فى البحث والتحليل، وهل أفدت من المراجع السابقة فى هذا الاتجاه؟

بدأ هذا الضبط الببلوجرافى بالأعمال الفرعية عند «محفوظ» كما فى السينما والمسرح وفن المقالة، وبعض التخوم الأخرى المرتبطة بهذا العالم، وذلك بسبب ثقل حجم الأعمال الأخرى المرتبطة بالرواية والقصة القصيرة والحوارات والدراسات، النقدية، والتى احتلت كلها كتابا مستقلا فى هذا الضبط، وقد روعى فى إعداد هذا الضبط استخدام العديد من التقييمات الببلوجرافية المعروفة، مثل الببلوجرافيا التحليلية القائمة على الطرح النقدى لأعمال الكاتب، والببلوجرافيا النصية المعتمدة على طرح نصوص الكاتب، والببلوجرافيا السيرية، التى تعتمد انعكاس سيرة الكاتب على أعماله الإبداعية، وهو ما تمت مراعاته عند إعداد ورصد إبداعات كاتبنا الكبير «محفوظ» فى مجال الرواية والقصة القصيرة، بحيث شملت كل ما يخص هذا الجانب من كتابات تضمنت العديد من الرؤى والأفكار الخاصة طالت فيها هذه الكتابات عناصر اللغة والبناء الفنى والمكان والزمان والاتجاهات الروائية الحديثة، والتيارات الحداثية فى النقد، والشخصيات الرئيسية والثانوية، ودلالات الواقع فى مضامين الرواية، والتيارات التى تندرج تحت هذه المضامين.

كما تمت مراعاة نسق الببلوجرافيا النقدية، حيث تم تقييم إبداعاته فى مجالى الرواية والقصة القصيرة، من خلال الدراسات النقدية التى أعدت عنها سواء فى فصول من الكتب أو على صفحات الدوريات المتخصصة والثقافية والجامعة، كذلك تمت مراعاة أسس الببلوجرافيا النسقية أو المنهجية خاصة عند إعداد الحوارات التى تمت معه، فقد تم تقسيم هذه الحوارات إلى حوارات تمت قبل حصوله على جائزة نوبل، كان فيها «محفوظ» لا يزال فى دائرة المحلية، ثم الحوارات التى تمت معه بعد حصوله على الجائزة، وهى المرحلة التى انتقل فيها إلى آفاق عالمية، لذلك مثلت حواراته قبل وبعد نوبل مرحلة فارقة بين عالمين أدبيين، وإن كانت المرحلتان لا تنفصلان فنيا، إلا أنهما تعبران عن التمايز بين عالمين، وتبرز الوجه الحقيقى لـ«محفوظ»، والأدب العربى الحديث بأكمله، مع الاعتبار للأسئلة والإجابات التى تمت عليها، حيث أصبح أدب «نجيب» وكلماته محط أنظار العالم كله، كذلك تم إفراد جزء كبير للكتب النقدية التى صدرت عن محفوظ وعالمه، بدأت بكتاب (المنتمي) لغالى شكري، والصادر سنة 1964م عن مكتبة الزناري، ثم تتابعت الكتب النقدية عن محفوظ، حتى أصبح عندنا عدد كبير من الكتب التى تتناول روايات وقصص محفوظ نقديا من كل الوجوه.

لقد تم الإعداد لهذه الببلوجرافيا بطريقة روعى فيها أن تكون ناطقة بما تحويه من إبداعات ورؤى لأصحابها، ونقاده، ومريديه، وأصدقائه، وقرائه، وموقف الإعلام من عوالمه، كما روعى أن تكون ببلوجرافيا صادقة لهذا العالم الملحمى الكبير بكل ما تحويه هذه الكلمات من معانٍ من خلال اختيار نماذج من مقاطع رواياته أو بعض القصص القصيرة المعبرة عن المجموعة المرصودة، تكون تعبيرا صادقا وتحليلا عما ورد بالنص الروائى أو المجموعة القصصية، وهو أمر يختلف عما سبق رصده من ببلوجرافيات عن محفوظ، خاصة ما أصدرته دار الكتب بعنوان «نجيب محفوظ فى المرآة»، ببلوجرافيا عن صاحب نوبل، كما اختلفت عن جهود الدكتور صبرى حافظ فى رصده للرواية المصرية فى مائة عام، والجهد الذى قام به الدكتور طه وادى عن الرواية الفنية فى مصر، والجهد الذى قام به الدكتور حمدى السكوت فى ببلوجرافيا الرواية العربية، وإن كنت أفدت كثيرا من جهودهم كلهم، كانت تجربتى مع محفوظ تجربة لم تنته، لحجم محفوظ، ومكانته، وقيمته، وحجم ما أصدر، وأرجو أن أكون قد قدمت شيئا لعالم «محفوظ» السخي.

لو عدنا للبدايات المبكرة، منذ متى تعرفت على محفوظ وبدأت تقرأ له؟

لا شك أن تجربتى مع إبداع نجيب محفوظ كانت تجربة ثرية للغاية، شأنها شأن كل من قرأ وتفاعل مع إبداعات هذا الكاتب الظاهرة، وقد ارتبطت به من مطلع الستينيات من القرن العشرين، عندما بدأت أقرأ أعماله وأعمال مجايليه من كتاب الرواية والقصة القصيرة، وكانت معظم هذه الأعمال تصدر عن (لجنة النشر للجامعيين) التى أسسها سعيد جودة السحار، شقيق الكاتب الكبير عبد الحميد السحار، وكذلك عن سلسلة «الكتاب الذهبي» عن (روزاليوسف)، فى هذه الفترة قرأت له ثلاثيته الفرعونية، «عبث الأقدار، رادوبيس، وكفاح طيبة»، وأذكر أن «كفاح طيبة» كانت مقررة علينا فى المرحلة الثانوية، ثم توالت القراءات له على التوالى عندما صدرت «خان الخليلي» ثم «القاهرة الجديدة» ثم «السراب»، ثم «بداية ونهاية»، وقد تركت تلك الأعمال أثرها فى عقولنا فى ذلك الوقت، وعندما صدرت «الثلاثية» فى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، تزامن صدورها مع صدور «الروايات النهرية» الممتدة الأحداث مثل «رباعية الاسكندرية»، للورانس دارليل، و(ثلاثية الجزائر) للجزائرى محمد ديب، ولكن شدنى فى ثلاثية محفوظ هذه الواقعية المعبرة عن المجتمع المصري، ومنذ ذلك الوقت وقعت فى أسر نجيب محفوظ، ولم أستطع فكاكا منه لوقتنا هذا .

كيف ومتى بدأت تكتب نقدًا عن نجيب محفوظ وإبداعه؟

عندما روادتنى الكتابة النقدية كانت أعمال «محفوظ» لها الأولوية فى الكتابة، على الرغم من التهيب الذى انتابنى آنذاك، وكانت أول دراسة لى عنه: «البطل الشعبى وملامحه فى روايات نجيب محفوظ»، وقد نشرت هذه الدراسة فى البداية فى إحدى مجلات «الماستر» السكندرية التى شاعت فى سبعينيات القرن العشرين، ثم نشرت لاحقا فى مجلة «شئون أدبية» فى الشارقة .

كيف رصدت اهتمام «محفوظ» بمدينتك الإسكندرية فى أعماله؟

نعم، لفت نظرى فى أعمال «محفوظ» أنه خص الإسكندرية مدينتى بعدد من الأعمال وكان يعشق المدينة، ومواظبته على زيارتها صيفا، منذ كان طالبًا فى المرحلة الثانوية، وحصوله على مكافأة النجاح التى منحها له والده وكانت عشرة جنيهات كاملة، وكانت ثروة لا يستهان بها، استثمرها فى زيارته لمصيف الإسكندرية، ومن هنا وقع فى غرام الإسكندرية فكتب «السمان والخريف»، و«الطريق»، و«ميرامار»، و«اللص والكلاب» والتى استوحى أحداثها من حادث شهير وقع فى الإسكندرية للص محمود سليمان فى ستينيات القرن الماضي، والمتابع لأدب «محفوظ» وحياته يجد أنه كان يعشق الإسكندرية عشقا خاصا، فعندما كتب «ميرامار» بدأها بمقطع شعرى شديد الرهافة على لسان «عامر وجدي» الوفدى القديم وإحدى شخصيات الرواية، يقول فيه: «الإسكندرية أخيرا، الإسكندرية قطر الندى، ونفثة السحابة البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع».

وعندما كتب «السمان والخريف» جعل «عيسى الدباغ» الشخصية الأساسية فى الرواية يترك القاهرة فى عنفوان أزمته الطاحنة ويسرع إلى الإسكندرية، وكأنها ملاذ كل من تضيق به الحال والحياة .

وفى رواية «الطريق» جعل «صابر سيد الرحيمي» يهرع إلى الإسكندرية كما نصحته أمه للبحث عن هويته الحقيقية فى شخص أبيه «سيد الرحيمي».

وعندما وقت حادثة «محمود سليمان» الشهيرة فى الإسكندرية استغلها نجيب محفوظ ليفتتح بها مرحلته الفلسفية فى كتابة الرواية، وجاءت قصته «اللص والكلاب»، كتبها إشكالية فلسفية وطرح من خلالها ما يرمز إليه من البطل الفرد، ووجد مصر فى شخصية «زهرة» فى «ميرامار» والتى حاول الجميع استغلالها عدا «عامر وجدي»، ومن هنا برز عشق محفوظ للإسكندرية المدينة العالمية الساحرة .

ما الذى جذبك لاحقا فى أعمال محفوظ فوضعت عنه دراسات نقدية مطولة؟

بعد ذلك توالت كتاباتى النقدية عن عالم «محفوظ» من خلال محورين مهمين: الأول، تناول أعماله بدراسات نقدية، وهذا المحور شدنى إلى الجانب التوثيقى لعالم محفوظ، فكان المحور الثاني، فمن شدة إعجابى بعالم محفوظ القصصى بدأت فى عمل قاعدة بيانات كبيرة عن أعماله، صدر عنها فى مئوية ميلاده سنة 2011م عن المجلس الأعلى للثقافة، طبعة تجريبية ببلوجرافية تحت عنوان «ببلوجرافيا نجيب محفوظ»، وقد وضعتها مكتبة الإسكندرية آنذاك فى موقع «ذاكرة مصر المعاصرة»، كما صدر لى كتاب نقدى كملحق مرافق لمجلة «الرافد» الإماراتية عدد يوليو سنة 2017م ضم كل الدراسات التى تناولت العديد من أعماله، والتى سبق نشرها فى الدوريات المصرية والعربية، أذكر منها على سبيل المثال: «العنوان فى أعمال نجيب محفوظ»، وكان الفرنسى جيرار جينيت قد تحدث عنه فى كتابيه «أطراس» و«عتبات» ضمن دراسته لمستويات السرد فى الأعمال الروائية، كما تناولت شخصية «أحمد عبد الجواد» أو «سى السيد»، هذه الشخصية الإشكالية الحاضرة فى الكثير من الأسر المصرية آنذاك، خاصة مع التناقض الظاهر بين أفعالها فى البيت وخارجه، وقد نشرتها فى مجلة «أفكار» الأردنية، وعن رواية «زقاق المدق» كتبت دراسة عن «جماليات القبح والواقعية القذرة» فى هذه الرواية، وهو مصطلح ظهر فى مجلة «جرانتا» الأمريكية، وصاغه بيل بافورد، رئيس تحرير المجلة للتعريف بحركة أدبية ظهرت فى أمريكا آنذاك، وقد حاولت أن أسقطه على شخصيات وأحداث هذه الرواية من خلال البيئة الحاضنة فى الحارة الشعبية الواقعية فى «الجمالية» مسقط رأس «محفوظ».

كما نشرت دراسة عن رواية «أفراح القبة»، سبق نشرها فى صحيفة «القاهرة» فى 15 سبتمبر سنة 1990م، وهى رواية جسدت شخصيات تعمل فى المسرح لها همومها الخاصة النابعة من تواجدها فى هذا المناخ الفني، والذى صوره الكاتب وهو أشبه بماخور عبر شخصيات متدنية ومهمشة من قاع المجتمع، وشخصيات أخرى برجوازية قفزت اجتماعيا لتستأثر بالسلطة وتتحكم جسديا ونفسيا بكل من يوجد من حولها، وقد تحولت هذه الرواية إلى مسلسل تليفزيونى إخراج محمد ياسين، وتدور أحداثها خلال حقبة السبعينيات حيث يكتشف الممثلون أن أحداث المسرحية تدور حول شخصياتهم الأساسية فى كواليس المسرح، وأن مؤلف المسرحية يعرض أمامهم أسرارهم المشينة التى وقعت، ومن ثم يسعى الممثلون لإيقاف هذه المسرحية الفاضحة لهم لكن المنتج يصر على استكمال العمل كى يتطهر الجميع من آثام الماضي، ويجد الممثلون أنفسهم فى مأزق مما يجعلهم مجبرين على الاستمرار فى تنفيذ العمل بأدوارهم الحقيقية!

هل سبق وقدمت دراسة مقارنة بين أعمال «محفوظ» وغيره من الكتاب؟

أذكر أنى شاركت فى ندوة أقامها المجلس الأعلى للثقافة، مع كل من د. حمدى السكوت، وفاروق شوشة، وكان يديرها محمد جبريل، وأعددت دراسة مقارنة عن شخصية «إخناتون» عند نجيب محفوظ، فى روايته «الباحث عن الحقيقة» الصادرة سنة 1985م، و«ملك من شعاع» لمجايله عادل كامل، والصادرة سنة 1945م، والروايتان تعالجان الحقيقة التاريخية فى المادة التاريخية الخاصة بشخصية إخناتون، أمجنون هو أم مارق أم نبى أم حكيم عجز قومه عن فهمه؟.. ويبدو أن شخصية (إخناتون) شغلت الناس فى مطلع القرن العشرين، فكتب عنها عبد الحميد جودة السحار، وعلى أحمد باكثير، والكاتبة الانجليزية آجاثا كريستي، وغيرهم، وقد نشرت هذه الدراسة فى مجلة «أدب ونقد» عدد أكتوبر سنة 2006م .

ألم تتعرض لروايته الأشهر «ثرثرة فوق النيل» التى كثر الجدل حولها فنيًا وموضوعيًا وسياسيًا؟

«ثرثرة فوق النيل» رواية حوارية تغوى أى ناقد لتناولها، وقد تناولتها بالدراسة، تقوم فكرتها حول الجدلية فى مواجهة العبث عبر الحوار وتداعى خواطر الشخصية الأساسية فى النص، وهو أنيس زكي، وكان العبث فى هذا الرواية كمصطلح فلسفى يشير إلى انهيار القيم والسير فى الحياة بلا ضابط ولا رابط، وبدافع الضرورة أيا كان شكلها المادى أو الحسي، وبدون أمل حقيقي، فالشخصيات لا أمل لهم فى الحياة، لذا كانت المواجهة بين الواقع والعبث محور وأساس الفكرة فى الرواية، وكادت بعد صدورها تسبب مشكلات كبيرة لنجيب محفوظ، مع السلطة فى ذلك الوقت، وأيا كان فإن «محفوظ» دفع بأبطال الرواية كى يعيشوا «الوعى الشقي» الذى تولد عن ظروف سياسية كان من نتائجها وقوع شروخ وخلل فى المجتمع بعد أن فقد أبناء المجتمع إيمانهم بالواقع الجديد، ولذلك تجرد أبطال العمل من الواقع التاريخى الذى كان مجرد تهويمات وأحلام، كما أشار أنيس زكى فى مناجاته للجمع المتحلق حول «الجوزة وراكية النار»، فى شرح واف لمآثر العوامة وما تقدمه من خدمات، فقد أصبحت هى الحب والحياة والموت، يقول: « ليس كعوامتنا شيء، الحب لعبة قديمة بالية، ولكنه رياضة فى عوامتنا، الفسق رذيلة فى المجالس، ولكنه حرية فى عوامتنا، والنساء تقاليد ووثائق فى البيوت، ولكنهن مراهقة وفتنة فى عوامتنا، والقمر كوكب سيار خامد، ولكنه شعر فى عوامتنا، والجنون مرض فى أى مكان، ولكنه فلسفة فى عوامتنا، والشيء شيء حيثما كان، ولكنه لا شيء فى عوامتنا».

كذلك كان الرمز واضحًا فى حارس العوامة الذى قال مقولته الرامزة إلى أهم الشخصيات الحاضرة الغائبة فى العوامة: «أنا العوامة، لأنى أنا الحبال والفناطيس، وإذا سهوت عما يجب لحظة، غرقت وجرفها التيار»، جاءت هذه العبارة على لسان «عم عبده»، الحارس، وكان شخصية مهمة رمزية .

بخلاف الروايات السكندرية، هل استهوتك روايات أخرى لمحفوظ تحديدا فعكفت على دراستها؟

بلا شك استهوتنى روايات أعتبرها خارج السرب فى أعمال محفوظ، وهى أعمال عصية على التصنيف، فلا هى قصة، ولا رواية، ولا سيرة ذاتية، وهى كل تلك المصطلحات مجتمعة، مثل: «حكايات حارتنا» وهى حكايات وقائعية، و«أمام العرش» وهى رؤية محفوظ التبوؤية، ورواية «المرايا» الصادرة سنة 1972م، وتتضمن علاقة محفوظ بخمس وخمسين شخصية عرفها فى الحياة، واخترت منها أربع عشرة شخصية نسائية، وحللتها وفحصتها.

وفى رواية «حكايات حارتنا»، وهى مجازا رواية، اختزل فيها «محفوظ» فى الحكاية الأولى مكانا ملتبسا عند طفل، يحكى فترة تفتح مداركه فى مكانه، وما وقع له من أحداث، يقول الراوي: «يروق لى اللعب فى الساحة بين القبو والتكية، أوراقها الخضر هى ينابيع الخضرة الوحيدة فى حارتنا، وثمارها السود مثار الأشواق، فى قلوبنا الغضة، وها هى التكية مثل قلعة صغيرة تحدق بها الحديقة، بوابتها مغلقة عابسة، دائما مغلقة، والنوافذ مغلقة، فالمبنى كله غارق فى البعد والانطواء والعزلة، تمتد أيدينا سوره كما تمتد إلى القمر»، بهذا الاستهلال يجسد محفوظ البعد الأولى للمكان، والبعد النفسى عميق الأثر لأول مدارك الحياة، ونموذج حى من أول نظرة لمدارك هذا الطفل، الذى كان هو نجيب محفوظ نفسه، والقارئ لهذه الحكايات يجد نفسه أمام طاقة فنية نابعة من وقائع اجتماعية شبه أسطورية ونماذج نصية تحكى جوانب من اعترافات الكاتب السيرية فى مرحلة صباه، خاصة تلك النظرة الأولية للمرأة، حين كانت سنين التفتح والمراهقة والرؤية تتفاعل مع الصبايا فى عمر الكاتب، ومع الناضجات من النساء من معارف الأسرة وجيرانها، نجد ذلك فيما كان يراه من نافذة المنور فى الحكاية رقم 2، وعلى سبيل المثال كتب: (أرى تحت المنور مباشرة ست أم زكى عارية تماما، تجلس على كنبة تتشمس، تمشط شعرها، عارية تماما، منظر غريب وباهر، وهى فى ضخامة بقرة)، وذكر واقعة طهوره فى الحكاية رقم 3، وغيرها من الحكايات.

وفى نص «أمام العرش» حاكم «محفوظ» فراعنة مصر، وبعض الشخصيات من أفراد الشعب، وزعماء وقادة، ورؤساء مصر السابقين، حتى نهاية عصر السادات، وهو نص يستعصى على التصنيف والتوصيف، فلا هو رواية، ولا مسرحية، ولا مقالات، وقد خرج بعد اغتيال السادات، وهذا النص كان جملة اعتراضية فى أعمال «محفوظ»، أراد به أن يقول شيئا بعد حادث المنصة واغتيال السادات، فلم تكن محاكمات الرؤساء والفراعنة فى نصه اعتباطا، أو عفويا، بل هى بتوجيه متعمد وحاكم لدفع دفة السفينة المصرية المترنحة، أو دفع دفة الحكم تجاه المسار الذى من أجله قامت ثورات الشعب المصرى على مر العصور.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة