رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«التدوير الذكى».. تجربة تستحق «التعميم»


29-8-2026 | 14:30

.

طباعة
تقرير: سناء الطاهر - أمل رزق

منذ أكثر من نصف قرن، بدأت فى النرويج فكرة تبدو بسيطة فى ظاهرها، لكنها أحدثت تحولًا كبيرًا فى طريقة تعامل المواطنين مع العبوات المستعملة؛ ففى عام 1972 طورت شركة TOMRA أول ماكينة آلية بالكامل لاسترداد عبوات المشروبات، لتبدأ معها رحلة ما يُعرف عالميًا باسم «ماكينات الاسترداد العكسى”. وتقوم الفكرة على أن يضع المواطن العبوة الفارغة فى الماكينة، بدلًا من أن ينتهى بها المطاف فى سلة القمامة، لتحصل العبوة على قيمة أو حافز، بينما تدخل فى مسار الجمع وإعادة التدوير. ولم تعد التجربة بعيدة عن المنطقة العربية؛ فقد شهدت عدة دول عربية تطبيق نماذج مختلفة من ماكينات الاسترداد العكسى خلال السنوات الأخيرة. ففى الإمارات، أطلقت هيئة البيئة فى أبوظبى عام 2023 برنامجًا تضمن تركيب أكثر من 70 ماكينة لاسترداد العبوات و26 حاوية ذكية، وفى قطر، تتوافر ماكينات الاسترداد العكسى فى عدد من فروع شركة «الميرة»، فيما شهدت المملكة العربية السعودية أيضًا تطبيق نماذج للماكينات التى تمنح المستخدمين نقاطًا ومكافآت مقابل إعادة العبوات.

 

وفى مصر، بدأت التجربة تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا خلال عام 2026، مع تدشين أول ثلاث ماكينات لاسترداد العبوات البلاستيكية والمعدنية فى العاصمة الجديدة فى يونيو، ضمن جهود تعزيز الاقتصاد الدائرى وتشجيع المواطنين والعاملين على جمع العبوات القابلة لإعادة التدوير بدلًا من التخلص منها باعتبارها مخلفات بلا قيمة. ثم انتقلت الفكرة إلى حى الدقى بمحافظة الجيزة، وبدأ تشغيل ماكينات لاسترداد زجاجات البلاستيك وعلب الكانز مقابل حوافز للمواطنين، فى محاولة لتحويل ثقافة التعامل مع المخلفات من مجرد التخلص منها إلى جمعها والاستفادة منها.

وقال ياسر عبدالله، رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات بوزارة البيئة، إن الفكرة تُعد من الأفكار الرائجة منذ وقت طويل فى كثير من دول العالم، وتم تنفيذ عدة مبادرات منفردة سابقًا فى الجامعات والأسواق التجارية الكبرى، ولكن مؤخرًا تم الترويج للفكرة بشكل أوسع من خلال المبادرة التى أطلقتها الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، فى العاصمة الجديدة. وكانت الجهة المنفذة فى ذلك الوقت إحدى شركات القطاع الخاص وشركة العاصمة الجديدة، تحت رعاية وزارة التنمية المحلية والبيئة.

وأضاف أن انتقال التجربة إلى حى الدقى جاء فى إطار خطة رسمية لتعميمها، حيث تم تنفيذها كمرحلة أولى ضمن خطة الحى لتطوير منظومة النظافة، مستلهمين نجاحها فى العاصمة الجديدة، فيما يتمثل دور وزارة التنمية المحلية والبيئة فى متابعة كافة المبادرات وتشجيعها، والتأكد من أنها تتماشى مع رؤية الوزارة، إلى جانب التوجيه والمتابعة لضمان نجاح المنظومة.

وأوضح أن الماكينات تقبل نوعين من المخلفات، هما الزجاجات البلاستيكية وعلب الكانز المعدنية الفارغة، وتعمل من خلال إدخال العبوة فى المكان المخصص، ثم تسجيل رقم الهاتف المحمول، ويتم احتساب النقاط بحسب حجم العبوات ونوعها، ثم تحويل النقاط إلى رصيد مكالمات أو مبالغ نقدية تُرسل إلى هاتف المستخدم، أو إلى نقاط يمكن استخدامها فى مجالات أخرى، مثل السوبر ماركت والمحال التجارية أو المنتجات.

وأكد «عبدالله» أن استفادة المواطن لا تقتصر على الفائدة المادية المباشرة، وإنما تمتد إلى رفع الوعى البيئى، باعتبارها وسيلة ملائمة لتغيير سلوك المواطن والتأكيد على أهمية الحرص على التخلص من المخلفات فى المكان الملائم من خلال الحوافز المباشرة، وكذلك الحصول على العبوات مفصولة لاستخدامها مرة أخرى فى صناعات إعادة التدوير.

وأضاف أن شركات القطاع الخاص المشاركة فى المبادرة تتحمل تكلفة النقاط كجزء من مسؤوليتها المجتمعية، أما المخلفات التى يتم جمعها، فيُتعاقد مع إحدى شركات الجمع والنقل المرخصة لإدراجها ضمن نقاط الجمع الخاصة بالشركة. وبناءً على تدفقات المخلفات وسعة الماكينة، يتم تحديد عدد مرات الجمع. وهناك عدد محدود من الشركات التى تقوم بالتصنيع المحلى للماكينات واستخدام تطبيق إلكترونى لإدارة المنظومة، يتراوح بين 3 و4 شركات، إلى جانب بعض المبادرات التى تعتمد على ماكينات يتم استيرادها بالكامل من الخارج.

وعن خطط التوسع، أوضح رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات بوزارة البيئة أن هناك مجموعة من المعايير يتم على أساسها اختيار المواقع، مثل أمان الموقع، ومعدلات تدفق العبوات، ووجود مستخدمين، والتعاقد مع إحدى الشركات للجمع والنقل الدوري. وبناءً على ذلك، يتم التوسع مع إمكانية إعطاء أولوية للمحافظات الساحلية والمراكز التجارية.

وقال: لدينا مؤشرات نجاح واضحة للتجربة، كما تؤكد التجربة وجود استجابة من المواطنين، لأن الهدف منها هو تشجيع المواطنين على إعادة التدوير، وتغيير سلوك المواطن، وزيادة معدلات الجمع وإعادة التدوير.

وتؤكد ردود فعل المواطنين فى منطقة الدقى أن التجربة لم تتوقف عند مجرد استخدام الماكينات، وإنما بدأت تخلق تفاعلًا مباشرًا معها، وهو ما ظهر فى مطالبات بتوسيع نطاقها وتعميمها فى مختلف المناطق.

وأوضح الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، أن أهمية التجربة لا تتوقف عند حدود جمع العبوات أو تقديم حافز مباشر للمواطن، وإنما تمتد إلى تأثيرها فى منظومة الإدارة المحلية وإمكانية تحويل المخلفات من عبء إلى مورد اقتصادى.

وأضاف أن التوسع فى إنشاء وتشغيل الماكينات الذكية لتجميع الزجاجات والعبوات البلاستيكية لم يعد رفاهية أو مجرد فكرة تجميلية، وإنما أصبح أحد الحلول الحديثة لإدارة المخلفات وتحويلها من عبء على المحليات إلى مورد اقتصادى.

وقال إن الأهم هو أن الماكينات الذكية لا تقتصر وظيفتها على جمع الزجاجات، وإنما تستطيع التعرف على العبوة وفرزها وضغطها، بما يسهم فى خفض تكلفة النقل ورفع جودة المواد القابلة لإعادة التدوير. كما أن تقديم حافز مالى للمواطن مقابل إعادة العبوة يحوله من مجرد منتج للمخلفات إلى شريك فى منظومة جمعها واسترداد قيمتها.

وأوضح «عرفة» أنه يمكن للمحافظات وأجهزة المدن الجديدة تصميم نماذج استثمارية تتيح مشاركة القطاع الخاص فى إنشاء وتشغيل هذه الماكينات وفق ضوابط واضحة.

وأضاف: من المهم ألا ننظر إلى الزجاجة البلاستيكية باعتبارها مخلفًا فقط، فالزجاجة بعد استخدامها تتحول إلى مادة خام لها قيمة اقتصادية، وبالتالى يمكن للماكينة الذكية أن تصبح نقطة اتصال مباشرة بين المواطن والاقتصاد الدائرى، بحيث يتم استرداد العبوة وفرزها وضغطها ونقلها إلى مصانع إعادة التدوير، بدلًا من وصولها إلى الشوارع أو المصارف أو المقالب.

ودعا المحافظات وأجهزة المدن الجديدة والقطاع الخاص إلى التوسع المدروس فى استخدام الماكينات الذكية لجمع الزجاجات والعبوات، مع وضع خريطة لمواقع انتشارها أمام الجامعات، ومحطات النقل، والمراكز التجارية، والحدائق، والمدن الجديدة، والمنشآت الرياضية، والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

ووفق هذه الرؤية، جاءت آراء المواطنين لتؤكد أن الفكرة بدأت بالفعل فى تغيير طريقة تعاملهم مع العبوات، وأن المطالبة بتعميمها لم تعد مجرد تصور نظرى. حيث أكد «يوسف أحمد»، أحد العاملين فى منطقة الدقى التى وُضعت بها الماكينة، أنه سعيد جدًا بالتجربة، ويريد تعميمها فى كل شوارع مصر لما يمكن أن تسهم به فى تقليل تراكم القمامة، إلى جانب تغيير سلوك المواطنين فى التعامل مع المخلفات.

فيما أوضحت كوثر إبراهيم أنها تتمنى أن تجد ماكينة مماثلة بجوار منزلها فى فيصل كى يستخدمها الجميع، معتبرة أن التجربة تمثل فرصة لتعليم الأجيال الصغيرة كيفية عدم إلقاء المخلفات فى الشوارع.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة