الدكتور تامر شوقى، أستاذ علم النفس التربوى بجامعة عين شمس، يقول أن تخفيف التقييمات فى الصفوف الأولى أصبح أمرًا ضروريًا، فهو يمثل جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، إلا أن الإفراط فيه خلال الصفوف الثلاثة الأولى يحتاج إلى إعادة نظر، خاصة أن الطفل فى هذه المرحلة العمرية لا يزال فى مرحلة التأسيس، ويحتاج إلى مزيد من الوقت لاكتساب المعارف والمهارات الأساسية فى القراءة والكتابة والحساب، بدلًا من انشغاله المستمر بأداء التقييمات والأعمال المرتبطة بها.
وأضاف أن تقليل التقييمات يمنح المعلم مساحة أكبر للقيام بدوره الأساسى فى تعليم الأطفال، بدلًا من استنزاف جزء كبير من وقته فى أعمال الرصد والمتابعة، كما أن كثرة التقييمات قد تفرض على الطفل ضغوطًا دراسية لا تتناسب مع خصائص مرحلته العمرية، فى ظل مطالب الحضور والتحصيل والمذاكرة وحل الواجبات، إلى جانب الخضوع لتقييمات متعددة فى الوقت نفسه.
من جهته، قال الدكتور جمال العربى، وزير التربية والتعليم الأسبق، إن التقييم فى حد ذاته ليس مجرد امتحان، وإنما أداة للتشخيص والتطوير تساعد على بناء عملية تعليمية ناجحة، فوجود تقييمات يومية أو أسبوعية أو شهرية ليس مشكلة فى حد ذاته، بشرط أن يكون لكل نوع منها هدف واضح ومحدد، وألا يتحول الأمر إلى تقييم مستمر من أجل التقييم فقط.
وبشأن قرار إلغاء التقييمات واستبدالها بالامتحانات، قال «العربى» إن القرار يمكن قراءته من زاويتين، الأولى إيجابية تتمثل فى تفاعل القائمين على العملية التعليمية مع آليات التطبيق، ومحاولة سد الثغرات التى تظهر فى النظام أولًا بأول، والثانية سلبية، حيث إن الانتقال من الإقرار بالتقييمات إلى إلغائها ثم استبدالها بالامتحانات قد يعكس نوعًا من التخبط فى التخطيط، إذا لم تكن هذه التعديلات مبنية على دراسة كافية.
وأوضح أنه يميل إلى اعتبار ما يحدث تفاعلًا يهدف إلى تطوير النظام بناءً على التغذية الراجعة، فمن بين الأهداف المحتملة معالجة عشوائية بعض التقييمات التى قد يجريها المعلم، والتعامل مع ضعف مهارات القراءة والكتابة من خلال تدريب التلميذ على الكتابة، إلى جانب تهيئة الطفل تدريجيًا للتعامل مع أجواء الامتحانات، وتحقيق قدر أكبر من الانضباط، وإشراك ولى الأمر فى متابعة مستوى التحصيل الدراسى.
من جهة أخرى بين «العربى» أن نظام «البكالوريا» يتضمن مجموعًا كليًا للشهادة يبلغ 600 درجة، مع تخصيص 100 درجة لكل مادة أساسية، واشتراط حصول الطالب على 70فى المائة من درجات المادة للنجاح فيها، وتوزيع الدرجات بين اختبارات نهاية الفصل والتقييمات المستمرة وأعمال السنة، بما يعكس توجهًا نحو عدم حصر قياس مستوى الطالب فى اختبار نهائى واحد.
والتحدى فى «البكالوريا» لا يتعلق فقط بطريقة توزيع الدرجات، وإنما أيضًا بجودة المحتوى الذى سيجد الطالب نفسه أمامه، وهنا تتباين الرؤى بصورة واضحة بين خبراء يرون فى النظام الجديد فرصة لإعادة بناء تجربة الثانوية العامة، وآخرين يطالبون بمراجعة المناهج بصورة دقيقة قبل أن تصبح جزءًا من تجربة آلاف الطلاب.
بينما أوضح الدكتور عاصم حجازى، أستاذ علم النفس التربوى بجامعة القاهرة، أنه اطلع بالفعل على منهج علم النفس للصف الثانى بمرحلة البكالوريا، وكان انطباعه صادمًا بسبب ما وصفه بوجود أخطاء علمية وتربوية، إلى جانب معلومات مغلوطة وتزاحم شديد للمعلومات داخل الصفحة الواحدة.
وأكد أن كثافة المعلومات، بالتزامن مع ما وصفه بعدم جودة الصياغة وغياب أدوات الربط الكافية بين الجمل، قد تربك الطالب وتشتت انتباهه، فضلًا عن زيادة العبء المعرفى الواقع عليه، مشيرًا إلى أن بعض الصفحات تحتاج إلى إعادة توزيع محتواها بصورة أكثر وضوحًا.
وحذر من أن وجود معلومات غير دقيقة داخل أى منهج لا يمثل مجرد مشكلة تحريرية، وإنما قد يؤدى إلى تشويش الطالب وتكوين معلومات خاطئة لديه، وهو ما يجعل مراجعة المناهج قبل التطبيق أمرًا ضروريًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بنظام تعليمى جديد يفترض أن يمثل نقلة نوعية فى تاريخ التعليم المصري.
وطالب بإجراء مراجعة دقيقة للمناهج من جانب متخصصين يتم اختيارهم بعناية، بما يضمن رفع مستواها وتحقيق الجودة المطلوبة، خاصة مع الحديث عن الارتقاء بالنظام التعليمى والوصول به إلى معايير الاعتماد الدولي.
وبين «حجازى» قرار يخفف الضغط عن طفل فى الصف الأول أو الثانى الابتدائي، ونظام ثانوى جديد يعيد تشكيل منظومة الدراسة والتقييم، تبدو الرسالة الأساسية التى تواجه منظومة التعليم واحدة: التطوير الحقيقى لا يقاس بعدد القرارات الجديدة، وإنما بمدى قدرة هذه القرارات على تحسين تجربة الطالب داخل الفصل.
فإلغاء اختبار دون إيجاد بديل يضمن اكتشاف التعثر مبكرًا قد يحل مشكلة ويخلق أخرى، كما أن إطلاق منهج جديد دون مراجعة علمية وتربوية دقيقة قد يضع النظام أمام تحديات كان من الممكن تداركها قبل بدء التطبيق.
ولهذا، فإن نجاح المسارين، من سنوات التأسيس وحتى البكالوريا، يتطلب أن يكون الطالب محور القرار، وأن تُبنى التقييمات على أهداف تعليمية واضحة، وأن تُراجع المناهج مراجعة علمية ولغوية وتربوية متأنية، مع توفير التدريب اللازم للمعلمين، وإتاحة أدوات متابعة حقيقية لأولياء الأمور.
فالتعليم فى النهاية لا يحتاج إلى تقييم أكثر أو امتحانات أقل فقط، وإنما يحتاج إلى تقييم صحيح فى الوقت الصحيح، ومنهج واضح ودقيق، ومعلم قادر على تحويل الاثنين إلى تعلم حقيقى.