فى كرة القدم المصرية، هناك مناصب لا يأتى معها الهدوء، بل تضع فوق أكتاف أصحابها سنوات من الأزمات والانتقادات والأسئلة المؤجلة، ويبدو أن شوقى غريب اختار أن يدخل من جديد إلى واحدة من أكثر المناطق سخونة فى المشهد الكروى المصرى، بعدما تولى منصبه الجديد داخل اتحاد الكرة، ليجد أمامه ملفات متشابكة تحتاج إلى قرارات واضحة، ورؤية مختلفة، وقدرة على التعامل مع واقع لا يحتمل المزيد من التأجيل.
«غريب» ليس اسمًا عاديًا فى الكرة المصرية، فهو صاحب تجربة طويلة مع المنتخبات الوطنية، وسبق له قيادة المنتخبين الأول والأولمبي، وحقق مع منتخب الشباب والمنتخب الأولمبى نجاحات تركت بصمتها فى تاريخ الكرة المصرية، لكنه اليوم أمام تحدٍّ مختلف، فالعمل داخل اتحاد الكرة لا يعتمد فقط على الجانب الفنى، وإنما يحتاج إلى القدرة على إدارة الملفات، والتنسيق بين الأجهزة، واكتشاف المواهب، ووضع تصور لمستقبل المنتخبات المصرية، والمساهمة فى علاج مشكلات عانى منها الجميع لسنوات.
فى الحوار التالي، يفتح «غريب» العديد من الملفات، ويتحدث عن منصبه الجديد، وحدود صلاحياته، وما الذى يريد تغييره، وهل جاء إلى اتحاد الكرة لتنفيذ أفكار جديدة أم لإدارة الوضع القائم، كما يتحدث عن أزمة المواهب، ودورى الناشئين، والمدربين، والمنتخبات، ومستقبل الكرة المصرية.
منصب جديد ومسؤولية كبيرة.. كيف تنظر إلى مهمتك الجديدة داخل اتحاد الكرة؟
أعتقد أن أى منصب داخل اتحاد الكرة هو مسؤولية قبل أن يكون شرفًا، وعندما وافقت على المهمة، كنت أعرف جيدًا حجم الملفات الموجودة وحجم التحديات التى تنتظرني، لكننى، فى الوقت نفسه، أمتلك خبرة طويلة فى العمل داخل المنتخبات والكرة المصرية، وبالتالى أعرف جيدًا أين توجد المشكلات وما الملفات التى تحتاج إلى تدخل حقيقي. هدفى الأساسى هو أن أكون إضافة، وأن أساهم فى تطوير المنظومة، وليس مجرد شغل منصب.
هل جئت إلى اتحاد الكرة بأفكار جديدة أم أن المهمة الأساسية هى استكمال ما بدأه الآخرون؟
كل مرحلة لها ظروفها ومتطلباتها، وأحترم كل من عمل قبلى، لكن بالتأكيد لدى رؤيتى الخاصة، وهناك أفكار أرى أنها تحتاج إلى تطوير، وأخرى تحتاج إلى تغيير. والأهم بالنسبة لى ألا نتعامل مع كل مشكلة باعتبارها أزمة منفصلة، لأن معظم مشكلات الكرة المصرية مرتبطة ببعضها. وإذا أردنا إصلاح المنتخبات، فعلينا أن نبدأ من قطاع الناشئين، وإذا أردنا صناعة لاعب جيد، فعلينا أن نعيد النظر فى طريقة اكتشافه وتطويره وتأهيله.
هل لديك صلاحيات حقيقية تمكنك من تنفيذ أفكارك؟
أى مسؤول يحتاج إلى مساحة للعمل حتى يستطيع أن يقدم شيئًا، ومن جانبى أؤمن بالعمل الجماعي، وأى نجاح داخل اتحاد الكرة لن يكون مرتبطًا بشخص واحد. نحن نحتاج إلى تنسيق كامل بين مجلس الإدارة، والأجهزة الفنية والإدارية، واللجان المختلفة، والأهم أن تكون هناك أهداف واضحة، لأن المسؤولية من دون صلاحيات حقيقية تتحول إلى مجرد محاولة، وأريد أن أعمل بشكل فعلى وأحقق نتائج ملموسة.
ما أول ملف تعتبره أولوية بالنسبة لك؟
ملف المنتخبات والناشئين من أهم الملفات، لأنك إذا لم تمتلك قاعدة قوية من اللاعبين، فلن تستطيع أن تصنع منتخبًا قويًا. نحن نحتاج إلى منظومة حقيقية لاكتشاف المواهب فى كل أنحاء مصر، وليس إلى الاعتماد فقط على الأندية الكبرى. هناك لاعبون موهوبون فى أندية وقرى ومراكز شباب بعيدًا عن الأضواء، وهؤلاء يجب أن يصل إليهم المسؤولون عن اكتشاف المواهب.
البعض يرى أن الكرة المصرية تعانى من أزمة فى اكتشاف المواهب.. هل تتفق مع هذا الكلام؟
لدينا مواهب كثيرة جدًا، لكن المشكلة ليست دائمًا فى وجود الموهبة، وإنما فى اكتشافها وتطويرها والمحافظة عليها. اللاعب الموهوب يحتاج إلى مدرب جيد، وبيئة مناسبة، ومنافسات قوية، ورعاية نفسية وبدنية، وإذا أهملنا أى عنصر من هذه العناصر، فمن الممكن أن نخسر اللاعب قبل أن يصل إلى الفريق الأول.
لماذا لا نرى مواهب كثيرة تفرض نفسها على الدورى المصرى كما كان يحدث فى الماضى؟
كرة القدم تغيرت، وطريقة صناعة اللاعب تغيرت، والدورى نفسه أصبح أكثر اعتمادًا على لاعبين أصحاب خبرة، وهناك أندية لديها أهداف ونتائج وضغوط جماهيرية، وبالتالى يخشى المدرب أحيانًا المغامرة بلاعب صغير، لكن هنا يأتى دور المنظومة. يجب أن يكون هناك توازن بين المنافسة والنتيجة، وبين منح الفرصة للاعبين الشباب.
هل تعتقد أن الأندية تتحمل جزءًا من مسؤولية تراجع مستوى المنتخبات؟
الأندية شريك أساسى فى صناعة المنتخبات، ولا يمكن أن نلومها بشكل كامل، لأن كل نادٍ لديه أهدافه ومصالحه، لكن يجب أن يكون هناك تنسيق أكبر بين اتحاد الكرة والأندية، خصوصًا فى المراحل السنية والمنتخبات، لأن الجميع فى النهاية يعمل من أجل الكرة المصرية.
ماذا عن دورى الناشئين، هل يحتاج إلى تغيير جذري؟
بالتأكيد يحتاج إلى تطوير مستمر، لأن اللاعب الصغير لا يجب أن يلعب من أجل النتيجة فقط، وإنما يجب أن يلعب من أجل التطور. نحن نحتاج إلى مسابقات قوية ومنتظمة، وملاعب جيدة، ومدربين مؤهلين، ومتابعة حقيقية للاعبين، والأهم أن يكون هناك تقييم مستمر، وليس مجرد بطولة تنتهى ونبدأ بطولة أخرى.
هل ترى أن الاهتمام بالمنتخبات الأولى يجب أن يأتى على حساب منتخبات الناشئين؟
بالعكس تمامًا، المنتخبات الأولى هى واجهة الكرة المصرية، لكن المنتخبات السنية هى المستقبل، ولذلك يجب أن يكون هناك اهتمام متوازٍ، لأنك إذا اهتممت بالمنتخب الأول فقط، فأنت تعالج الحاضر وتترك المستقبل، وإذا اهتممت بالناشئين فقط دون نتائج للمنتخب الأول، فأنت أيضًا أمام مشكلة. المطلوب هو بناء منظومة متكاملة.
من واقع قراءتك للواقع.. هل الكرة المصرية تعانى من غياب المشروع؟
نحن نحتاج إلى مشروع واضح ومستمر، والأهم أن يكون المشروع قابلًا للتنفيذ. لا يمكن أن نضع خطة لمدة عشر سنوات، ثم تتغير كل عناصرها بعد عام أو عامين. الاستقرار مهم جدًا فى كرة القدم، سواء على مستوى الأجهزة الفنية، أو المسابقات، أو برامج إعداد اللاعبين.
إلى أى مدى يمكن القول إن مجالس إدارات اتحاد الكرة السابقة تتحمل مسؤولية ما وصلت إليه الكرة المصرية؟
لا أحب تحميل المسؤولية لأشخاص بعينهم، لأن كرة القدم منظومة، وكل مرحلة لها ظروفها، لكن بالتأكيد هناك قرارات لم تكن موفقة، وهناك ملفات تأخرت، وهناك أمور كان يمكن التعامل معها بشكل أفضل. والمهم الآن ألا نعيش فى الماضى، بل نتعلم من الأخطاء ونحاول ألا نكررها.
هل ترى أن كثرة تغيير الأجهزة الفنية للمنتخبات والأندية أضرت بالكرة المصرية؟
الاستقرار مهم جدًا، لكن فى الوقت نفسه، النتائج لها الكلمة الأخيرة. أحيانًا يكون التغيير ضروريًا، وأحيانًا يكون الاستمرار هو القرار الصحيح، لذلك لا يمكن أن نضع قاعدة واحدة تنطبق على الجميع، لكن بالتأكيد التغيير المستمر من دون وجود رؤية واضحة يضر بأى مشروع.
أنت من أكثر المدربين خبرة فى التعامل مع المنتخبات.. ما الذى تعلمته من تجاربك السابقة؟
تعلمت أن المنتخب يحتاج إلى وقت، وأن تجميع اللاعبين لفترات قصيرة لا يكفى وحده لصناعة فريق قوى، وتعلمت أيضًا أن اللاعب الدولى يحتاج إلى شخصية قوية، وأن العمل النفسى لا يقل أهمية عن العمل الفنى، كما تعلمت أن الضغط فى المنتخبات مختلف تمامًا عن الأندية، لأنك تمثل بلدًا بالكامل.
هل ترى أن المنتخب المصرى قادر على العودة بقوة إلى المنافسة على البطولات؟
بالتأكيد، مصر لديها كل المقومات التى تجعلها منافسًا دائمًا، لدينا عدد كبير من اللاعبين، وأندية كبيرة، وجماهير عاشقة لكرة القدم، وتاريخ كبير، لكن المطلوب هو استغلال هذه الإمكانيات بالشكل الصحيح. النجاح لا يأتى بالاسم فقط، وإنما بالعمل والتخطيط والاستقرار.
ما أكثر شيء يقلقك على مستقبل الكرة المصرية؟
أكثر ما يقلقنى هو أن نتعامل مع الأزمات بطريقة مؤقتة. كل مشكلة تظهر نبحث لها عن حل سريع، ثم ننتقل إلى المشكلة التالية، بينما كرة القدم تحتاج إلى بناء طويل المدى. إذا أردنا صناعة لاعب أو مدرب أو حكم أو إدارى على مستوى عالمى، فالأمر يحتاج إلى سنوات من العمل.
هل ترى أن الاحتراف الخارجى أصبح ضرورة للاعب المصرى؟
الاحتراف الخارجى مهم جدًا، لأنه يطور اللاعب فنيًا وذهنيًا، ويجعله يتعامل مع مدارس مختلفة فى كرة القدم، لكن ليس كل لاعب ينتقل إلى الخارج يصبح محترفًا ناجحًا. يجب أن يكون الانتقال فى الوقت المناسب إلى البيئة المناسبة، وليس مجرد انتقال من أجل الاحتراف.
ما رأيك فى احتراف اللاعبين المصريين فى الدوريات العربية؟
كل تجربة لها ظروفها، وهناك لاعبون استفادوا كثيرًا من الاحتراف فى الدوريات العربية، لكن يجب أن ننظر دائمًا إلى مصلحة اللاعب وتطوره، وليس فقط إلى قيمة العقد.
هناك أصوات تشير إلى أن اللاعب المصرى يحتاج إلى تطوير ثقافته الاحترافية.. تعقيبك؟
بالتأكيد، الاحتراف ليس تدريبًا ومباراة فقط، الاحتراف أسلوب حياة. النوم والتغذية والانضباط والتعامل مع الإعلام والجمهور وإدارة الضغوط، كلها عناصر مهمة جدًا، وأحيانًا يمتلك اللاعب موهبة كبيرة، لكنه لا ينجح لأنه لا يمتلك العقلية الاحترافية.
بصراحة.. هل الكرة المصرية تعانى أيضًا من أزمة مدربين؟
لدينا مدربون مميزون، لكننا نحتاج إلى تطوير مستمر للمدرب المصرى. العالم يتغير بسرعة، والتكتيك يتطور، والعلوم الرياضية أصبحت جزءًا أساسيًا من كرة القدم، لذلك يجب أن يحصل المدرب على تعليم مستمر، وألا يتوقف عند شهادة حصل عليها منذ سنوات.
هل أنت مع زيادة عدد المدربين المصريين فى الأندية الكبرى؟
أنا مع المدرب الكفء، سواء كان مصريًا أو أجنبيًا، لكن بالتأكيد أتمنى أن يحصل المدرب المصرى على فرص أكبر، لأن لدينا أسماء قادرة على النجاح، بشرط أن يحصلوا على الدعم والوقت والثقة.
ماذا عن أزمة الملاعب والبنية التحتية؟
هذه من الملفات المهمة جدًا، لأن تطوير اللاعب يحتاج إلى بيئة تدريب ومنافسة مناسبة. لا يمكن أن تطلب من اللاعب أن يتطور بينما ظروف التدريب والمباريات ليست على المستوى المطلوب، لذلك يجب أن يكون تطوير البنية التحتية جزءًا من أى مشروع لتطوير الكرة المصرية.
هل تعتقد أن الكرة المصرية تحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة؟
نحتاج إلى تطوير مستمر فى أكثر من ملف، لكن إعادة الهيكلة لا تعنى هدم كل شيء، وإنما تحديد نقاط القوة والضعف، والحفاظ على ما ينجح وتغيير ما يحتاج إلى تغيير. المهم أن يكون القرار مبنيًا على دراسة، وليس على رد فعل.
هناك انتقادات مستمرة لاتحاد الكرة.. كيف تتعامل معها؟
الانتقاد جزء من العمل العام، وإذا كنت فى موقع مسؤولية، فعليك أن تتقبل النقد، لكن هناك فرق بين النقد الموضوعى والهجوم لمجرد الهجوم. وشخصيًا أركز على العمل والنتائج، وفى النهاية الناس ستقيم ما قدمناه.
هل تخشى أن يكون منصبك الجديد سببًا فى زيادة الضغوط عليك؟
اعتدت على الضغوط، ومن يعمل فى كرة القدم المصرية يعرف أن الضغوط موجودة دائمًا، لكننى لا أبحث عن المناصب من أجل الهروب من المسؤولية، بالعكس، إذا قبلت مهمة، فأنا أعرف أنها تحتاج إلى جهد وتحمل وصبر.
ما الرسالة التى تريد توجيهها للجمهور المصرى؟
أقول للجمهور إن الكرة المصرية تمتلك الإمكانيات للعودة إلى مكانتها، لكننا نحتاج إلى الصبر والعمل والاستقرار. لا يمكن أن نصنع منتخبًا قويًا فى شهر أو شهرين، ولا يمكن أن نكتشف المواهب بين ليلة وضحاها. المطلوب أن نعمل جميعًا من أجل هدف واحد، وهو أن تعود مصر إلى المكانة التى تستحقها فى كرة القدم.
فى النهاية.. هل تود إضافة؟
أعدكم بأننى سأعمل بكل ما أستطيع، ولن أتعامل مع المنصب باعتباره مجرد لقب أمامنا ملفات صعبة وتحديات كثيرة، لكننى مؤمن بأن لدينا القدرة على تحقيق نتائج جيدة إذا عملنا بشكل جماعى وبخطة واضحة، وأتمنى أن تكون الفترة المقبلة بداية حقيقية لمرحلة أفضل للكرة المصرية.