وحول سر خلود أدب نجيب محفوظ، أوضح الدكتور حسين حمودة، أستاذ الأدب العربى بكلية الآداب جامعة القاهرة، أن الأجيال الجديدة تقبل ولا تزال على قراءة أعمال نجيب محفوظ لأن هذه الأعمال تنطوى على إمكانات وطاقات متجددة، فقطاع كبير من هذه الأعمال انطلق من الانشغال بقضايا عابرة للأزمنة وتقريبا أبدية، وبجانب ذلك ارتبطت هذه الأعمال برؤية إلى المستقبل الذى هو حاضرنا الآن، ومن جهة أخرى هناك أعمال لمحفوظ اقترنت بصياغات جمالية متجددة بدورها كانت صياغات جميلة فى وقتها ولا تزال جميلة حتى الآن، وربما اتصل جزء من اهتمام الشباب بأعمال محفوظ وإقباله عليها لأنها ارتبطت ببساطة وبعمق، وتضمن معظم عبارات قصيرة ومختزلة تجسد أشكالا من الحكمة التى لا تقتصر على زمن من الأزمنة، بل تعبر الأزمنة جميعا.
سر الخلود
وأضاف أستاذ الأدب العربي، أن نجيب محفوظ انشغل بالمستقبل وبالمصير الإنسانى كله، فأعمال محفوظ انطلقت من زمنها ولكنها أزاحت هذا الزمن فى ارتباطه بأزمنة قديمة وفى انفتاحه على أزمنة مقبلة، ونجيب محفوظ من هذه الناحية كان رؤيويا بمعنى من المعاني، وفى تفاعل محفوظ مع المشكلات المطروحة على أزمنته كان يلتقط من هذه المشكلات ما هو جوهرى وما يمثل خطرا على المستقبل، ولعل جزءا من المشكلات التى اهتم بها لا يزال قائما حتى الآن، مرجعا سر خلود أعمال محفوظ بإبقاء المحلية فى عالمه وبالتعبير عنها بشكل بسيط ولكنه عميق وباهتمامه بالقضايا المتجددة، ويرتبط سر خلود هذه الأعمال أيضا ببقيتها الفنية المتجددة فنجيب محفوظ كتب بما لا حصر له من الأشكال، وانطلق دائما من مغامرات إبداعية متنوعة، وراهن دائما على قيمة التوصيل التى تمنح كتابته إتاحة واسعة للوصول إلى متلقيه، وقد استطاع أن يطرح قضايا فلسفية معقدة ببساطة متناهية.
وأوضح أن سر خلود أعمال محفوظ فى الحقيقة مرتبط بأسباب كثيرة، فقد استطاع صاحب نوبل أن يكتب عن الحارة الصغيرة فى القاهرة ويصل بها إلى العالمية، هذه الحارة الصغيرة التى جسدها فى أعماله حملت دوما دلالات شخصيات ذات أبعاد إنسانية، وثقت الإنسان فى كل زمان ومكان، وكان هذا واضحا حتى فى أعماله المبكرة مثل (أولاد حارتنا) و(الحرافيش)، فتحولت الحارة لنقطة إبهار من الأمثولة إلى مسرح كبير يختصر العالم والإنسانية كلها.
رؤية نقدية
كثير من روايات نجيب محفوظ تحولت إلى أعمال سينمائية، لكن يبقى السؤال: إلى أى مدى نجحت هذه الأفلام فى تجسيد عالمه كما وثقه فى كتاباته؟، فى هذا السياق قال الدكتور خيرى دومة، الناقد وأستاذ الأدب العربى بجامعة القاهرة، إن نجيب محفوظ كان يرى أن السينما شيء والأدب شيء آخر، ولكل فن أدواته الخاصة، فالمخرج هو مؤلف الفيلم إذ يعيد تشكيل العالم الروائى وفق رؤيته وأدواته، ولذلك لم يكن محفوظ ينتظر من الأفلام نقل رواياته حرفيا، ومع ذلك تركت السينما أثرا مهما فى تلقى أعمال محفوظ، إذ تعرف الجمهور إلى شخصيات مثل «سى السيد» و»الست أمينة» من خلال رؤية المخرج حسن الإمام، حتى من لم يقرأوا الروايات الأصلية، غير أن الأفلام نقلت عالم محفوظ أكثر مما نقلت بالضرورة رؤيته العميقة؛ فقد تبدو قصة «اللص والكلاب» فى بعض المعالجات كقصة بوليسية، بينما تحمل أبعادًا فكرية أعمق، كما قد تبدو «الثلاثية» عملًا عن التقاليد فى حين أنها تتناول تاريخ مصر وتحولاتها الاجتماعية.
ونوه دومة إلى أن استمرار انجذاب الأجيال المتعاقبة إلى أدب نجيب محفوظ يرتبط بقدرته على ملامسة جوانب أساسية من التجربة الإنسانية، وهو ما يفسر استمرار حضور كبار الكتاب عبر الزمن، فكما نقرأ المتنبى بعد أكثر من ألف عام ونعود إلى أعمال امرئ القيس وسوفوكليس يظل الأدب خالدًا عندما يتصل بحياة الإنسان رغم تغير الأزمنة، فمحفوظ غطى فى أعماله جوانب واسعة من المجتمع المصرى وصراعاته وتحولاته، ولذلك يجد الشباب فى رواياته هموما وقضايا لا تزال قريبة منهم رغم اختلاف السياق والزمن، وتتجاوز أعمال مثل «الحرافيش» و«اللص والكلاب» و«أولاد حارتنا» زمن كتابتها، وهو ما يمنحها قدرة مستمرة على جذب القراء، فعالم نجيب محفوظ لا يزال حاضرا فى المجتمع، ليس فقط بسبب بساطة أسلوبه وإنما أيضا لطرحه أفكارا إنسانية وفلسفية كبرى مثل الاغتراب وعبثية العالم، كما فى «الشحاذ» و«الطريق» وهذه الأفكار تتجاوز حدود المجتمع المصري، ولذلك يجد الشباب أنفسهم فيها إلى جانب جاذبية أسلوب محفوظ الذى قدّم شخصيات حية ونابضة تبدو قريبة من الواقع.
من جانبها، قالت الكاتبة والروائية عزة بدر، إن قصص نجيب محفوظ ورواياته عبرت عن النفس الإنسانية بعمق ورهافة، وعن الصراع بين عالم الحقيقة وعالم المثال، وبين دنيا الخيال وقسوة الواقع، القارئ يجد فى أدبه ما يجذبه إليه؛ إذ يقدم عالما من المعرفة الجذابة بالنفس الإنسانية وصراعاتها، وتطور سلوكيات الفرد فى قالب سردى فنى مشوق، وبلغة وسطى تتدفق بعذوبة، حاملة فهما عميقا للشخصيات وتنوعا فى النماذج الإنسانية.
أكد الكاتب والروائى والناقد سيد الوكيل، أن نجيب محفوظ رصد فترة الستينيات بذكاء، وهى الفترة التى كانت تعانى همومًا سياسية، واهتمت بشعارات سياسية من قبيل الاشتراكية والماركسية وغيرهما، فمحفوظ لم يمتثل لهذه الشعارات وكانت نظرته إلى الواقع المصرى أهم كثيرًا من نظرته إلى الشعارات السياسية، وهو ما انعكس فى اهتمامه بالواقع الاجتماعى فى رواياته خلال تلك المرحلة، وكانت القصة القصيرة مزدهرة فى ذلك الوقت عبر عدد من أعلامها، إلا أن محفوظ فضل الرواية على القصة القصيرة، ومن ثم جاءت رؤيته لشخصيات رواياته شديدة الأهمية، ولا سيما فى أعماله الأولى التى تناولت الواقع الفرعوني، كما كان أكثر اهتمامًا بالرواية التاريخية التى ما زالت حاضرة فى ذاكرته حتى الآن.