ونجيب محفوظ لم تعرف حياته طوال تلك السنوات هزات من النوع العنيف أو ممارسات من النوع العابث؛ فهو لم يغير عادات الاستيقاظ فى الخامسة صباحا، رياضة المشي، فنجان القهوة مع صحف الصباح فى «ريش» ثم فى «على بابا» فى الشهور الأخيرة لقاء «الحرافيش»، مساء الخميس الجلوس إلى محبيه فى «قصر النيل» مساء الجمعة الذهاب إلى مكتبه فى «الأهرام»، صباح الخميس السفر إلى الإسكندرية طوال سبتمبر بدء الكتابة فى أول أكتوبر والانتهاء منها فى آخر أبريل.
ومع وصوله إلى هذه السن يفاجئ نجيب محفوظ قراءه ونقاده بقدرته على لفت الأنظار وعلى البقاء فوق القمة بشيئين: رفضه للدكتوراه الفخرية التى منحتها له جامعة المنوفية والشروع فى كتابة عمل روائى جديد معه وعن هذه المناسبة الاحتفالية كان هذا اللقاء.
ويبدأ كاتبنا الكبير الكلام بقوله: تربيت فى حضن ثورة 19 فى عصر بطولاتها وتضحياتها الأولى، وكان لهذا أثر كبير فى تكوينى ونظرتى للحياة.
وكان تصريح 28 فبراير 1922 يعتبر إنجازا على الرغم من تحفظاته الأربعة الخاصة بمصالح الإنجليز والأجانب والأقليات والسودان، وتم انتخاب الوزارة الأولى وبعدها تحول الصراع من معركة بين مصر والاحتلال إلى معركة بين الوفد والسراى والإنجليز والأحزاب، وانتهت المعارك بمعاهدة 36 التى اعترفت باستقلال مصر الكامل دون قيد أو شرط ونصت على انتهاء الاحتلال سنة 1956م وخرجت إنجلترا من الصراع رسميا على الأقل، واعتقدت أن الأمور استقرت، وأن الوقت قد حان لنبدأ فى التفكير فى مستقبل مصر، ولكن قام صراع جديد بين الوفد من جهة والملك والأحزاب من جهة أخرى، وجلس الإنجليز فى مقاعد المتفرجين، وفى الصراع الجديد لم يبذل الشعب من القوة ما بذله فى معركة الاستقلال الذى كان أهم عنده من الصراع على الحكم وعاد الوفد إلى الحكم، وحاول استرضاء الشعب وألغى معاهدة 36، ولكننا كنا قد وصلنا إلى حالة من التفسخ والفوضى الشاملة ليس لها نظير، ومصر لم تعد دولة بل أصبحت حالة من العبث، وما تصورناه عن بالون ثورة 19 الذى حملنا إلى سماء الأمان الوردية وجدناه «غواصة» هبطت بنا فى قاع الأرض، فى هذه اللحظة قامت ثورة 23 يوليو، وصاحبها تأييد شامل من كل الجموع وقدمت الثورة للشعب أشياء مقنعة؛ طرد الملك كان أشبه بالسحر وكذلك القضاء على الإقطاع عن طريق الإصلاح الزراعى وإلغاء الألقاب، ورأيت مصر فى صعود هائل وشعرت أننا بالفعل بلد عظيم يحسب له ألف حساب، وعدنا مرة أخرى إلى بالون محلق ولكن 5 يونيو أعادتنا إلى الغواصة، وفى زمن السادات- ولا زلت مصرا على تشبيه البالون والغواصة – وضعنا السادات فى البالون بالنصر وبالسلام وأعادنا للغواصة بالانفتاح، والآن نحن فى فترة أرى فيها الرئيس مبارك يحاول جاهدا انتشال الغواصة.
وطوال عمرى وحتى الآن وعلى قدر ما أنا عجوز ظللت متمسكا بالأمل رافضا لليأس.
ولقد عبرت عن الصعود والهبوط الذى حدثتك عنه فى أدبى سواء قبل الثورة أو بعدها، ولكننى بدأت الكتابة فى حالة الهبوط الذى سبق ثورة يوليو فى الأربعينيات وسجلته فى أعمالي.
وعندما جاء عبدالناصر توقفت عن الكتابة خمس سنوات، أما النقد الذى كتبته أيام عبدالناصر فقد كان نقدا بناء ينقد الفساد ولا ينقد الثورة وإنجازاتها وإيجابياتها.
مسألة انتمائك السياسى طوال الـ50 سنة التى خرجت فيها للحياة العامة تحتاج إلى مزيد من الإيضاح فقد بدا فى وقت من الأوقات خاصة قبل ثورة يوليو أنك تميل إلى الأفكار التقدمية وعلى ذلك حُسبت على اليسار ثم حدث أن أخذت وجهة أخرى بعد ذلك؟
الحرية والعدالة
- أنا شراب خليط من الحرية والعدالة الاجتماعية فاليسار جزء لا يتجزأ منى وهو الجزء الخاص بالعدالة الاجتماعية؛ فإذا وقف أمامى أغنياء وفقراء فأنا مع الفقراء وإذا كنت فى مجتمع طبقات فأنا مع تذويبها؛ وإذا كان لى رأيى فى نوعين من التعليم مجانى وبمصروفات فأنا مع مجانية التعليم، كذلك أنا مع تحديد الملكية، وكل هذه أفكار يسارية وتقدمية، ولكننى لا أحب الملصقات واللافتات والمسألة نسبية، بمعنى أن انحيازى للأشياء التى ذكرتها لك قد يعتبرها أحد الشيوعيين رجعية، ألم يكن الشيخ الذهبى من شيوخ الإسلام وقتلته فرقة إسلامية بتهمة الكفر، أخاف من الأسماء لأنها نسبية، ومرة أخرى أؤكد لك أننى مع الحرية والعدالة الاجتماعية سواء كان ذلك يمينا أو يسارا، وأنا ضد ديكتاتورية البروليتاريا وضد التحكم فى الفكر، ولكننى لست ضد نظرية بعينها ولو اخترت حزبا- وإن كنت لا أحب الانخراط فى الأحزاب- أختار الحزب الاشتراكى الديمقراطى فهو أنسب حزب لي.
مراجعتان فى حياتي
هل قمت بعمل مراجعات هامة فى حياتك خلال هذه السنوات مراجعة لفكرة أو لكتاب؟
يصح هذا فى العلم والفكر ولكنه لا يجوز فى الإبداع الفنى والأدبى، ولكن حدث لى نوعان من المراجعة؛ الأول بحكم السن فقد كنت متحمسا ومتعصبا ولكن بتقدم السن بدأت أنظر لخصومى نظرة أخرى موضوعية أكثر منها عدائية.
والثانى أن نظرتى لمفهوم الحضارة تغيرت، فعندما كنت شابا كنت أعتقد أن آخر حضارة تجب ما قبلها، ولما كانت الحضارة الغربية هى الأخيرة فى زماننا فلا يصح أن نتكلم عن غيرها، وأنه ينبغى الأخذ بالكلمة الأخيرة فى تاريخ الحضارة فقط، ولكننى اكتشفت أننا لن نتطور إلا إذا بدأنا بالتراث، ولم أصل إلى هذا مبكرًا بل بعدما قرأت فى تاريخ الحضارات، وعلى ذلك كنت معجبا بتركيا الكمالية، ولكننى سحبت إعجابى هذا، فتركيا التى كان ينبغى أن تكون زعيمة للعالمين العربى والإسلامى أصبحت فى ذيل العالم الغربى وتغييرها اللغة قطع ما بينها وبين تراثها.
وأصبحت رافضا للحضارة الغربية؟
أنا لا أرفض الحضارة الغربية، ولكننى أريد أن أصل إليها بمجهودى عن طريق تغيير الحاضر المتردى، وليس عن طريق استيراد أشياء ومفاهيم جاهزة؛ فالذى فعله مصطفى كمال أتاتورك أنه وضع على رأس الدرويش قبعة، فلا هو استمر درويشا ولا هو أصبح خواجة.
أنا ضد الحضارة الجاهزة أو المعلبة؛ إننا مع تصنيعها ومع أن تكون لنا شخصية متميزة مع الاشتراك فى الأسس الحضارية العامة.
الطريقة التركية
وبالنسبة لمراجعاتك فى كتاباتك الأدبية؟
إذا كان أدبى قد تغير فقد تغير بطريقة تلقائية، وكل كلمة كتبتها أملاها علىّ الموضوع ولم أكتب أبدا على الطريقة التركية، بدليل أننى عندما بدأت أكتب بالواقعية الصريحة كنت أقرأ أيامها أن الحركة الأدبية فى أوروبا كلها ضد هذه الواقعية، ولكننى كنت أقرأ جيمس جويس وفرجنينا وولف وأقرأ كذلك الهجوم على هذه الواقعية ورفضها، لكننى وجدت هذه الواقعية هى المناسبة لموضوعى، ولو كنت أتبع الموضة لما كتبت الواقعية، كان معى زملاء يجلسون معنا على نفس الترابيزة يقلدون كافكا (يوسف الشارونى وبدر الديب مثلا).
خلال سنوات اشتغالك بالأدب كيف كانت علاقتك بالرقابة على الأدب طوال الـ75سنة الماضية بعد إلغاء الرقابة رسميا على الكتب- على الأقل هل وصلت الرقابة إلى نوع من الرقابة الشعبية؟
لم نعرف الرقابة على الأدب طوال هذا القرن إلا وقت إعلان الأحكام العرفية مع وجود رقابة على الفنون الجماهيرية معترف بها ومقبولة فى أحيان كثيرة، أصبح الآن لدينا ما هو أقوى من الرقابة وهو الرأى العام. وألاحظ وأنا أقرأ لمفكرين كبار- للأسف حسابا دقيقا فى كتاباتهم للرقابة الشعبية وكذلك فى كتابات بعض الأدباء.
وماذا فعلت الرقابة بأدبك؟ ألم يتعرض للمصادرة؟
لا تعرضت رواية أولاد حارتنا للمصادرة وحتى الآن؟!
عندما أكتب «يركبني» عفريت الكتابة ولا أستطيع منع نفسى أبدا من المضى فيما أرغب فى كتابته.
- وروايتك المصادرة «أولاد حارتنا» كيف تراها الآن بعد أكثر من عشر سنوات من كتابتها وهو عملك الوحيد المصادر؟
- لقد صودرت الرواية بسبب سوء فهم لا أكثر ولا أقل وهى لا تستحق المصادرة.
- من وجهة نظر الرقابة الدينية هى تستحق؟
- أبدا الغريب فى «أولاد حارتنا» هو الأسلوب الروائى والذى يقرأ لم يتعرف على الرواية جيدًا، لم تحدث بين الذى صادرها وبينها ألفة، الذى صادرها قيل له إن هناك رموزا معينة لا يمكن تناولها فى عمل روائى بهذا الشكل وهو يريد من الأديب إذا عمل رمزًا أن يحترمه.
- وأتذكر أن لى روايات رفضتها «الأهرام» ونشرتها فى كتب مثل «الحب تحت المطر» و«الكرنك» و«المرايا» والأخيرة نشرتها فى «الإذاعة والتليفزيون».
- ما إحساسك بوقع الزمن عبر تلك السنوات؟
- لى أصدقاء إذا جلست معهم يملأونك مرارة لأن الواحد منهم كان شابا وأصبح شيخا مع أن هذا طبيعى، أو كان فى يوم من الأيام ملء السمع والبصر ولن أذكر أسماء.
- أنا لا أنظر لحياتى نظرة جزئية أبدا، فأنا الآن شيخ وهذا أمر لا شك فيه ولكننى لا أحصر نفسى فى الشيخوخة وأشكو من الضغط والسكر والقلب، لقد أخذت حظى من الدنيا وزيادة ولن أظل الكاتب الأول أبد الدهر، النظرة الكلية للأشياء أعطتنى السلام والطمأنينة والرضا بالواقع بعيدًا عن الحصار الطفولي.
ولى زملاء لم يأخذوا حقهم فى الوقت الذى كانوا فيه يستحقونه وشعروا بالمرارة ولى زملاء فى سنى لا يمكن أن تجلس معهم يريدون الشباب الدائم.
فإذا أردت أن تبقى لامعا على الدوام فينبغى أن ينطفئ الآخرون أليس كذلك؟ وهل هذا مطلب عاقل؟
نسبية الشهرة.
ماذا عن علاقاتك بالشهرة طوال هذه السنوات؟
الشهرة نسبية؛ فإذا اشتهر عالم نووى بين ألف من الناس يكون قد بلغ قمة شهرته، وإذا اشتهر مونولوجست بين 20 مليونا فهو لا يزال فى بداية الطريق، لكل عمل شهرته وشهرتنا كأدباء محدودة بالمثقفين المتعلمين وهذه حققتها، وجاءت السينما والتليفزيون فزادت بها شهرتى وأضافا لى مساحة أخرى من الناس الذين لا يعرفون القراءة.
والعاقل لا يهتم إلا بالشهرة التى تساوى تقييم عمله، فلو جاءنى عشرة أشخاص؛ تسعة منهم شاهدونى فى التليفزيون والعاشر قرأ لى كتابًا فسوف أعتز بالأخير حتما، أما بالنسبة للتسعة فالمسألة أقرب إلى التشهير منها إلى الشهرة.
إلى أى شيء تدين بشهرتك؟
أول عمل لفت الأنظار لى «زقاق المدق» ثم «الثلاثية» ثم السينما والمسرح والتليفزيون، وكانت الشهرة لذيذة وأنا شاب ولكن عندما كبرت أضجرتني.
اتهمك النقاد أنك تسببت فى ظلم العديد من أبناء جيلك.
إذا استعرضت لك أسماء جيلى تجدهم عبدالحميد جودة السحار وعلى أحمد باكثير وحسين عفيفى ويمكن ضم إحسان عبدالقدوس ويوسف السباعى إلينا، صحيح هما أصغر منا قليلا، ولكن يمكن وضعهم لأسباب كثيرة ضمن جيلنا، وعندما تنظر لى ولغيرى وتزن حظ كل واحد من النقد ستجد أن النقد المكتوب عنى أكثر من النقد الذى كتب عنهم مجتمعين، ولكن لاحظ أنه إذا كان هناك نقد لصالحى فإن هناك أيضا ما هو ضدى تماما، لا تنسَ هذا ولا يوجد واحد من جيلى تعرض للهجوم مثلى، فهناك كتب ألفت للهجوم علىّ أخذت النقد من طرفيه وأنت تقول لى إن هذا ظلم لجيلى. نعم هو يبدو ظلما ولكن الحقيقة أن كثيرين هاجمونى وكأنى أنا الظالم، وأدهشت لأننى لست مسئولا عن أقلام النقاد، ومثل قناطير الثناء تحملت قناطير الذم.
منذ عدة سنوات قرأنا لك ما يدل على وجود أزمة فى الرواية العربية؟
أبدًا الرواية العربية فى ازدهار شرقا وغربا والأجيال التى جاءت بعدنا تموج بالمواهب الجيدة لا أزمة إطلاقا فى الإنتاج إنما الأزمة فى المناخ العام والاستهلاك، وما يزيدنى إعجابا بالأجيال الشابة أنها رغم هذا المناخ وهذه الظروف لا تزال تنتج وتبدع على أحسن مستوى.
بعد وصولك إلى مشارف الرؤية الشاملة.. ما الذى يدفعك إلى كتابة عمل جديد بداته هذا الأسبوع؟
لن أتوقف عن الكتابة، الكتابة كالحب أو القدرة عليه لا تصدق أن الفنان يتوقف عن الكتابة إلا فى حالتين أن يموت دافع الكتابة عنده أو أن ينصرف عنه قراؤه.
ما موضوع روايتك الجديدة؟
لم تتبلور بعد وهى عن عصرنا هذا بصفة عامة.
هل تعرف شيئا عن أرقام مبيعاتك؟
كان لى طبعة قبل المقاطعة العربية لأعمالى وطبعة بعدها قبل المقاطعة، كانت طبعتى الأولى 20 ألفا وبعدها أصبحت 10آلاف ولكن هناك إعادة طبع أعمالى وأنا كاتب قديم ومعى قرائى المخضرمون الذين تعلموا فى المدارس ولم يتأثروا بالتليفزيون، وفى الحدود القائمة ليس عندى أزمة فى التوزيع ولكن الأمر ككل مؤسف كان ينبغى أن يوزع كبار الكتاب مليونا أو أكثر من كتبهم.
لم تكتب حرفا طوال العام الماضى؟
نعم..
لماذا؟
لا أعرف..
ماذا فعلت خلال هذه الفترة؟
كنت أقرأ وكل أديب يحتاج إلى فترة توقف لا أدرى عنها شيئا، والتوقف الكبير فى حياتى بين 1952-1957 شعرت خلالها أننى لن أكتب ثانية وبدأت أتجه وجهة أخرى، وعملت بكتابة السيناريو وقيدت اسمى فى نقابة السينمائيين وأخذت طريقا آخر.