رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

تسونامى «الهجرة العكسية» يهدد دولة الاحتلال


30-8-2026 | 12:57

.

طباعة
تقرير: دعاء رفعت

ثلاث سنوات منذ بدأت، دولة الاحتلال، إسرائيل، تنفيذ مخطط الإبادة الجماعية فى قطاع غزة.. ثلاث سنوات كان لها دور كبير فى إعادة تشكيل مستقبل إسرائيل؛ إذ ربطت دراسة أجرتها مصلحة الضرائب الإسرائيلية ازدياد تشدد الحكومة نحو اليمين واستمرار دائرة الصراع، إلى هروب النخبة المُثقفة فى إسرائيل وزيادة موجة الهجرات العكسية، ورغم أن العديد من الإسرائيليين قد لا يعارضون هذه الحروب من حيث المبدأ، فإن طبيعتها المفتوحة، وعجز الحكومة عن تحقيق الانتصارات التى ادعت تحقيقها، جعل الكثيرين يشعرون بأنهم عالقون فى دوامة صراع مستمر.

 

يعتقد العديد من الإسرائيليين الذين يُعرفون أنفسهم بأنهم ليبراليون أن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد جعلت البلاد أقل علمانية وأضعفت استقلال مؤسساتها، ولا سيما القضاء، وخلصت الدراسة إلى أن «الهجرة لم تكن أعلى فى عامى 2023 و2024 مقارنةً بالسنوات السابقة فحسب، بل إن مَن غادروا كانوا ينتمون إلى شرائح ضريبية أعلى».

وأظهر استطلاع أجرته جامعة تل أبيب فى أغسطس الجارى، أن «حجم الهجرة من إسرائيل آخذ فى الازدياد، وأن غالبية المغادرين هم من ذوى التعليم العالى والوضع الاقتصادى الميسور»، وخلصت الدراسة ذاتها التى استندت إلى بيانات المكتب المركزى للإحصاء، إلى أن «ما يقرب من 270 ألف إسرائيلى غادروا البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية؛ إذ غادر أكثر من 86500 إسرائيلى البلاد عام 2023، تبعهم نحو 91500 عام 2024، وعدد مماثل عام 2025».

وتعليقًا على ذلك، حذر جلعاد كاريف، رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب وشئون الشتات فى البرلمان الإسرائيلى، من أن إسرائيل تواجه «تسونامي» من الهجرة، وأن الحكومة لا تبذل أى جهد لمعالجته.

وشهد ميزان الهجرة فى إسرائيل عجزًا سابقًا، لكن لفترات وجيزة، وغالبًا ما كان ذلك استجابةً لأزمات مالية قصيرة الأجل، كما أوضح عالم الديموغرافيا والإحصاء الإسرائيلى سيرجيو ديلا بيرغولا، الذى أشار إلى أن دولًا أخرى، مثل أيرلندا ونيوزيلندا، قد شهدت فى كثير من الأحيان هجرة خارجية أعلى من الهجرة الداخلية؛ ولكن أن تشهد إسرائيل مثل هذا التدافع الخارجى المرتفع لفترة طويلة أمرٌ مثير للقلق.

وأضاف ديلا بيرغولا: هذه المرة، ليس من الواضح ما هو الدور الذى يلعبه الاقتصاد؛ فقد يغادر البعض بحثًا عن فرص وظيفية فردية، لكن الغالبية العظمى من الناس يغادرون بسبب ما يعتبرونه شعورًا مستمرًا بعدم اليقين بشأن أمنهم، ومخاوفهم بشأن التوجه السياسى للبلاد.

فيما أشار ديلا بيرغولا، أن بروز شخصيات تُعتبر «متطرفة» قد عمق الاستقطاب السياسى فى إسرائيل، مستشهدًا بوزير الأمن القومى إيتمار بن غفير، الذى دعا مؤخرًا إلى قتل ما بين 30 و40 فلسطينيًا فى غزة كل ليلة، كمثال على ذلك، ولكنه جادل بأن هذه الشخصيات فى نهاية المطاف ليست سوى أدوات فى يد نتنياهو، وليست قوى مستقلة.

لطالما وصف المحللون والمراقبون الشعور بالوصمة الاجتماعية الذى يلاحق مَن يغادرون إسرائيل؛ إذ يفترض كثير من الإسرائيليين، وخاصة ذوى الميول اليمينية، بشكل تلقائى أن الهجرة إلى إسرائيل هى غريزة طبيعية لدى اليهود فى جميع أنحاء العالم، وأن الهجرة العكسية هى «عار» لا يُمحى بالنسبة إلى اليهود.

وفى سبعينيات القرن الماضى، وصف رئيس الوزراء آنذاك، إسحاق رابين، الإسرائيليين الذين غادروا البلاد بأنهم «سيل من الجبناء»، وهو مصطلح تبناه آخرون فى مختلف أطياف السياسة الإسرائيلية. وبالطبع، شمل هذا المصطلحات الخاصة بالهجرة حيث تحمل فى طياتها حكمًا قيميًا واضحًا: فكلمة «עלייה -علياه»، وهى المصطلح العبرى للهجرة اليهودية إلى إسرائيل، تعنى «الصعود»، بينما يُعرف المهاجرون تقليديًا باسم «ירידה - يريداه» - أى «النزول». وهى فكرة أقدم بكثير من الفكر الصهيونى، ففى التلمود والأدبيات الحاخامية والتراث اليهودى كان الذهاب إلى أرض إسرائيل يوصف بأنه «صعود» إليها، بينما كان مغادرتها يوصف بـ«النزول».

تمثل الهجرة العكسية من إسرائيل تحديًا ديموغرافيًا؛ إذ تقوم الفكرة الأساسية لدولة إسرائيل على التعداد السكانى لليهود، ولكن تكمن خطورة تلك الهجرة التى أعقبت حرب الإبادة الجماعية فى تركيبة المهاجرين وأعمارهم؛ فقد أشار بنك إسرائيل إلى أن نسبة مرتفعة من المغادرين تقع فى الفئة العمرية 30–44 عامًا، التى تمثل نحو 18 فى المائة من السكان لكنها تشكل قرابة 29 فى المائة من المهاجرين إلى الخارج. وهذه الفئة تحديدًا هى من أكثر الفئات ارتباطًا بتكوين الأسر وشراء المنازل والمشاركة فى سوق العمل.

وبحسب تقرير البنك، فإن سوق العمل الإسرائيلى يعانى من نقص فى العمالة، مع بقاء معدل الشواغر الوظيفية فى قطاع الأعمال عند نحو 4.5 فى المائة فى 2025، وهنا تظهر خطورة «يريداه» على المدى الطويل، إذا استمرت إسرائيل فى فقدان السكان فى سن العمل، ولا سيما أصحاب المهارات، فقد تضطر إلى تعويض النقص بالعمالة الأجنبية، أو مواجهة ارتفاع تكاليف الأجور والإنتاج، أو فقدان جزء من قدرتها على النمو.

أما التأثير العسكرى، فهو أكثر خصوصية فى الحالة الإسرائيلية بسبب اعتماد الدولة على الخدمة العسكرية الإلزامية وقوة الاحتياط، وقد أظهر بنك إسرائيل بالفعل حجم الارتباط بين سوق العمل والجيش؛ ففى 2025 كان نحو 30 ألف عامل فى المتوسط يغيبون عن وظائفهم بسبب خدمة الاحتياط، وهو ما يعادل نحو 0.6 فى المائة من قوة العمل، كما أشار البنك إلى أن انخفاض مشاركة الشباب فى سوق العمل ارتبط جزئيًا بالتعبئة الواسعة لقوات الاحتياط.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة