تُعدّ الضغوط الاقتصادية الأمريكية على إيران إحدى أبرز أدوات سياسة واشنطن تجاه طهران، وقد تطورت عبر عقود من العقوبات المالية والنفطية إلى استهداف المصارف وشركات الشحن وناقلات النفط وشبكات التجارة غير الرسمية، وتهدف هذه الإجراءات إلى تقليص قدرة إيران للحصول على العملات الأجنبية وعائدات النفط، والحد من قدرتها على تمويل برامجها العسكرية وشبكاتها الإقليمية، وقد ركزت السياسة الأمريكية الحديثة بصورة خاصة على ما يُعرف بـ«الضغط الأقصى»، مع توسيع نطاق العقوبات ليشمل السفن والوسطاء وشبكات نقل النفط.
ولكن فى هذا العام، اكتسب الضغط الاقتصادى بُعدًا بحريًا أكثر وضوحًا، مع ارتباط العقوبات الأمريكية بتقييد حركة التجارة والنفط عبر الممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز، الذى يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية، وقد أدى تراجع حركة الناقلات عبر المضيق إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الإيرانى ورفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة عالميًا.
وتشير التقارير الحالية إلى أن هذا التطور جعل العقوبات الاقتصادية والحصار البحرى جزءًا من استراتيجية ضغط متكاملة، تجمع بين خنق مصادر الإيرادات الإيرانية والتأثير فى قدرتها على الوصول إلى الأسواق الدولية، لذلك، صرّحت إيران بأن ردّها على أى تهديدات أمريكية جديدة سيكون «كارثيًا»، حيث قال رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، اللواء على عبداللهى، إن «ردّ الجمهورية الإسلامية سيكون واسع النطاق وحاسمًا».
ورفض المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائى، العقوبات، معتبرًا أنها محاولة لفرض السيادة الأمريكية خارج حدودها، وذلك بعد أن تعهّدت واشنطن بفرض أشدّ العقوبات المالية فى التاريخ بهدف إسقاط القيادة الإيرانية، بعد أن حذّر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من عواقب اقتصادية على أى دولة تُقدّم «أى نوع من الدعم لإيران» ووعد بشن «حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق» على إيران.
وفى نفس الوقت طالبت الولايات المتحدة حلفاءها والصين الانضمام إلى حملة واسعة للضغط الاقتصادى على إيران، تهدف إلى «إسقاط النظام» فى طهران من دون استئناف العمليات العسكرية، وردّت وزارة الخارجية الإيرانية باتهام واشنطن بممارسة «الإرهاب الاقتصادى».
وتبادل القادة الإيرانيون وترامب، على حد سواء، بياناتٍ تحمل فى طياتها النصر والتهديد، فى حين لم يحقق أى من الطرفين نصرًا حاسمًا فى الحرب التى أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل قبل نحو ستة أشهر، والتى أودت بحياة الآلاف، وجرّت معها دولًا خليجية، ورفعت أسعار الوقود العالمية.
وفى خطوة تعكس الضغوط التى فرضها النزاع المستمر منذ قرابة ستة أشهر على موارد القوة العسكرية الأولى فى العالم، أعلن الجيش الأمريكى وصول حاملة طائرات جديدة إلى الشرق الأوسط لتحل محل الحاملة «أبراهام لينكولن»، التى أثار تمديد فترة انتشارها فى عرض البحر مخاوف بشأن الظروف المعيشية لطاقمها، مع نشر حاملة الطائرات «جورج واشنطن» فى المنطقة، لن تبقى أى حاملة طائرات أمريكية فى المحيط الهادئ، ولو بشكل مؤقت.
يُعدّ النزاع للسيطرة على مضيق هرمز نقطة خلاف رئيسية بين الولايات المتحدة وإيران فى المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب، إذ يدّعى كلا الجانبين سيطرته على المضيق، بينما تواصل إيران مهاجمة السفن فى هذا الممر المائى النفطى الحيوى، وتواصل الولايات المتحدة منع السفن من الدخول والخروج من إيران. وتفرض واشنطن، فى المقابل، حصارًا فعليًا على السفن الإيرانية فى الموانئ. ورغم الأضرار التى لحقت بالقوات البحرية والجوية الإيرانية، لا تزال طهران تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة قادرة على تهديد الناقلات ومهاجمة خصومها فى المنطقة. وتتمسك طهران بمضيق هرمز باعتباره أبرز أوراقها الاقتصادية والتفاوضية، ملوّحة باستهداف أى ناقلة تحاول العبور دون إذن، بينما تمنح تصاريح استثنائية لسفن تختارها وفق اعتبارات سياسية وتجارية.
فى هذا السياق أوضح الدكتور إسلام المنسى، الخبير فى الشأن الإيرانى، أن «ترامب انتقل من الحرب العسكرية إلى الحرب الاقتصادية كخيار أكثر تأثيرًا على إيران، وهذا لا يعنى أنه استبعد الخيار العسكرى تمامًا، بل ما زال موجودًا كخيار احتياطى فى حال اضطر للجوء إليه، وأيضًا، هذا لا يعنى تراجعًا، ولكنه تصعيد اقتصادى بدلًا من التصعيد العسكرى، وأثبتت الضربات العسكرية لإيران أنها لا تستطيع وحدها أن تُسقط النظام، ولا أن تُحدث التغيير المنشود فى إيران، ولذلك تم التعويل على الأدوات الاقتصادية بكونها أكثر إيلامًا؛ لأن الضربات العسكرية توحّد الداخل، ولو بصورة مؤقتة، لكن الضربات الاقتصادية تفرّق الداخل وتضع النظام الإيرانى تحت ضغط كبير، وهذا الضغط الاقتصادى قد يكون كفيلًا بإسقاطه وحده، كما رأينا أن كل الاحتجاجات الشعبية التى اندلعت فى السنوات الأخيرة كانت تبدأ بأسباب اقتصادية، وليست فى الغالب سياسية».
وتابع: طهران متمرسة فى الالتفاف على العقوبات من خلال السوق السوداء الدولية، لذلك كانت العقوبات التى عاش النظام الإيرانى فى ظلها لعقود طويلة غير ناجحة فى تغيير سلوك النظام الإيرانى بشكل جذرى، ولكنها نجحت فى التأثير عليه بشكل سلبى، بمعنى أن خلال خمسة عقود مضت تقريبًا كان النظام الإيرانى يتعايش مع العقوبات، ويطوّر أساليب للالتفاف عليها، بتصدير النفط وشراء بعض المنتجات عبر أطراف ثالثة، ولكن هذا ما يجرى الآن التحضير لتلافيه. إننا فى مشهد لحزمة من العقوبات تضمن تضييق خيارات النظام الإيرانى ومنعه من الالتفاف عليها، لا سيما أن هذه العقوبات تأتى بالتزامن مع العقوبات السابقة التى فُرضت وفق سياسة الضغوط القصوى، وأيضًا فى ظل حصار بحرى مشدد على الموانئ الإيرانية، مما يزيد من تأثير هذه العقوبات ويجعلها عقوبات استثنائية بصورة غير مسبوقة.
واختتم «المنسى» حديثه بقوله إن «إيران تمتلك أوراقًا ضعيفة للرد على العقوبات الأمريكية بمهاجمة دول الجوار، ومهاجمة الملاحة البحرية، والهجوم على المصالح الأمريكية فى المنطقة، مثل إقليم كردستان وغيره، لكن هذه الخيارات ضعيفة، وما فعلته إيران خلال الفترة السابقة أثبت أنها تعوّل على عدم حسم الأمور، ومحاولة تغيير الاستراتيجية عبر مهاجمة القواعد الأمريكية وتشكيل ضغط كبير على دول الخليج باستهدافهم، ولكن أوراق إيران الحالية أقواها مضيق هرمز، إلا أنه يجرى الآن التخفيف من أهميته، سواء عبر الطرق البديلة لتصدير النفط، مثل الأنابيب التى تستخدمها السعودية والإمارات عبر البحر الأحمر وخليج عمان، أو عبر إضعاف السيطرة الإيرانية على المضيق من خلال عمليات دعم حرية الملاحة التى تدعمها واشنطن، وأيضًا الحصار البحرى على طهران، وهى من أشد المتضررين من تقييد حرية الملاحة فى هذا الممر المائى».