فى زمنٍ تتسع فيه دائرة الخلافات، وتتراجع فيه بعض القيم أمام ضغوط الحياة، يعود المولد النبوى ليطرح سؤالًا يتجاوز مظاهر الاحتفال: كيف نجعل محبة النبى صلى الله عليه وسلم سلوكًا نعيشه كل يوم؟ من الصدق والأمانة وإتقان العمل، إلى الرحمة داخل البيوت، وتيسير الزواج، وحماية الصناعة الوطنية.
وفى حوار يحمل كثيرًا من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، يتحدث علاء أبو العزائم، شيخ الطريقة العزمية ورئيس الاتحاد العالمى للطرق الصوفية، عن رؤيته للاحتفال الحقيقى بمولد الرسول، داعيًا إلى استعادة مكارم الأخلاق، ومواجهة مظاهر الغش والجشع والخلاف، وتحويل محبة النبى من كلمات تقال إلى أفعال تُرى فى تفاصيل الحياة.
يقول الشيخ علاء أبو العزائم إنه زار مرة طبيبًا فى عيادته بحى السيدة زينب، وشرع فى دفع ثمن الكشف، فرفض الطبيب استلامه، ولما سأله عن السبب قال له: إنه يوم الاثنين، واحتفالًا بمولد النبى صلى الله عليه وسلم لا آخذ أجرًا من المرضى محبة فى النبي، وتقربًا إلى الله تعالى، ولما أصر أبو العزائم على الدفع رفض الطبيب، وأخبره أن هذا مبدأ عنده لا يحيد عنه، ويعلق الشيخ علاء على ذلك قائلًا: هذا طبيب مسلم حقيقي، علمنا الاحتفال بالنبى بطريقة عملية، وعلى مدار العام، ولكم أن تتخيلوا كيف يؤثر هذا السلوك الفردى البسيط فى المرضى المترددين على عيادته.
ويتابع: لقد جرب كثيرون الكذب والخيانة والغش والنصب والتدليس، وتفشى الكذب وتفشت الخيانة، وغيرها من الصفات والأخلاق الذميمة، ولم يفلح هؤلاء الذين ظنوا أنهم بذلك سوف ينجحون، فلماذا لا نجرب الصدق والأمانة والإخلاص والعمل الجاد، لا شك سوف نكسب وتتغير حياتنا للأفضل.
ويضرب مثلًا بانتشار (التوك توك) فى شوارع المدن والقرى، ويقول: لقد كان انتشاره سلبيًا على الصناعة والتجارة، فقد هجر حرفيون كثيرون مهنهم واكتفوا بقيادة توك توك، وبذلك أصبح من الصعب العثور على نجار وحداد وكهربائى وسباك شاب، ممكن تعثر على حرفى كبير السن، ولكن لم يعد هناك توارث فى المهن، والصبية الصغار هجروا الحرف اليدوية، واستسهلوا الرزق السريع بقيادة التوك توك، وللأسف أصبح هناك صبية صغار تحت سن العاشرة سنوات يقودون التوك توك، ومطلوب تقنين سيره فى شوارعنا، بحيث تصدر رخصة قيادة له، وألا يقوده إلا شاب بلغ ويحمل بطاقة شخصية، ولا يقل سنه عن 21 سنة، وبذلك نحمى شوارعنا من الفوضى والعشوائية، ونحمى الصغار، والأفضل أن تكون قيادته للعاطلين عن العمل، وتكون المخالفات رادعة لعودة الانضباط والهيبة لشوارعنا وحياتنا، لا يصح أن يقود صبى عمره ثمانى سنوات توك توك، ولا يصح أن يسير فى الشوارع الرئيسية ولا فى المدن الكبرى.
ويشير علاء أبو العزائم إلى ظاهرة أخرى، ألا وهى جشع الاستيراد، لدرجة أننا أصبحنا نستورد سجادة الصلاة والجلابية من الصين، ويقول: فتح الاستيراد على الآخر أدى للقضاء على الصناعة الوطنية، وأغلق بيوتًا كثيرة كانت مفتوحة من المصانع المحلية، ولا يصح أن نستورد الجلابية والسبحة وسجادة الصلاة من الصين، ونحن أصل الصناعة، وفى جوار مسجد سيدنا الحسين أعظم ورش لصناعة السبح، وهناك ظاهرة أخرى مستفزة، ألا وهى هيمنة الشركات العالمية على صناعاتنا المحلية، وأذكر أنى كنت أجلس مع مدير شركة أدوية من سنوات، وسألته عن الحال، فقال بأسى إنه فقد أهم خط إنتاج عنده، وهو صناعة اللبن المجفف، لأن شركة أمريكية تقدمت بعروض مغرية زمان، وخفضت الأسعار حتى احتكرت الصنف، ثم رفعت أسعارها أربعة أضعاف بعد توقف المنتج المحلي!
إنها ألاعيب الشركات المهيمنة، والقوى الكبرى، ولذلك أدعو لحماية صناعتنا الوطنية، كما فعل طلعت حرب باشا، وعبود باشا، وفرغلى باشا، وأبو رجيلة، وغيرهم من رواد الصناعة المصرية قبل قرن من الآن، لو فعلنا ذلك نرضى الله ورسوله، لأن المسلم الذى يقتدى برسول الله يجب أن يكون جادًا ومتفوقًا ومتقنًا لعمله، وهناك حديث شريف فى ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه).
ظاهرة أخرى يذكرها الشيخ علاء أبو العزائم، وهى انتشار الكراهية والشجار والخلافات فى بيوتنا، وانتشار العراك اللفظى والبدنى بين الأزواج، يقول: الحل هو تطبيق سنة وأخلاق النبى فى بيته، فقد كان صلى الله عليه وسلم فى خدمة أهله، وفى مساعدة زوجاته كأى رب بيت، ولم يمنعه الجهاد ولا الصلاة ولا الصوم ولا قيام الليل من بر أهله، والرحمة بهم، ودائمًا ما أقول لأتباعى من أبناء الطرق الصوفية إن الزوجة هى الأم والأخت والابنة، وهى ضعيفة وتتحمل أعباء كثيرة، وعلى الزوج أن يعاملها بلطف، ويعاونها بلا تكبر أو أنانية، وأضرب مثلًا بنفسى وأقول لهم: إننى أصنع ذلك فى بيتي، وأكثر من ذلك أقبل رأس ويد زوجتى (الحاجة كرم)، ليس عيبًا، هذه أخلاق الرسول، ولو فعلنا ذلك لانتشرت المحبة بين الأزواج، ولساد الهدوء والطمأنينة فى بيوتنا، وانتهت المشاكل من جذورها، فخففنا الأعباء عن أقسام الشرطة ومحاكم الأسرة.
ألا تعلم أن المال سيكون سببًا فى دخول الجنة أو النار؟.. هكذا تساءل الشيخ علاء أبو العزائم وأجاب: المال اختبار رباني، فإذا تعامل معه الإنسان بما يرضى الله على أنه مال الله وهو مستخلف عليه، وأنفق منه على المرضى والفقراء والمحتاجين بارك الله تعالى له فيه، وإذا تعامل معه بسفاهة كبعض رجال الأعمال، وأنفقه فى اللهو واللعب والحرام، كان سببًا فى استحقاق لعنة الله ودخوله النار، وإن الله تعالى ليحب الغنى المنفق الكريم، ويكره الفقراء الساخطين، لأن حال المسلم هو الرضا فى الغنى والفقر، وعن نفسى بخلاف ما أنفقه على (الطريق وأتباعه) أخصص جزءًا من زكاة مالى للبحث العلمى فى الجامعات، وشراء أجهزة طبية للمستشفيات، بحيث لا يكون كل الإنفاق على إطعام الطعام رغم أهميته للفقير.
أخيرًا تحدث الشيخ علاء عن ظاهرة المغالاة فى تكاليف الزواج، وطالب بتيسيره على الشباب، وقال: الرجل العاقل اليوم من يكتفى بدبلة ومحبس لخطبة ابنته، والرجل السفيه من يطلب 30 أو 50 جرامًا ذهب، والأب العاقل من يرضى بثلاثة فوط، والأب السفيه من يطلب 100 فوطة، و100 طقم مفرش سرير، وعن نفسى تزوجت (الحاجة كرم) زوجتى سنة 1971م بدون مهر، ودخلنا بدون بوتاجاز ولا ثلاجة ولا غسالة، وظلت زوجتى تطهو على وابور الجاز ثمانى سنوات، وعشنا وأنجبنا أولادنا، هكذا كانت الحياة، لذلك أدعو أبناء الطرق الصوفية، وعموم الناس لتيسير الزواج، وبناء شقق بسعر التكلفة للشباب فى المحافظات، إنها مسؤولية الشعب قبل أن تكون مسؤولية الحكومة، وبذلك نحقق سنة النبى ونتجمل بأخلاقه، ونحتفى بمولده الشريف.