رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. أحمد الكحلاوى: الإنشاد الدينى رسالة محبة


28-8-2026 | 12:03

د. أحمد الكحلاوى

طباعة
حوار: محمد زيدان

منذ أن عرف المصريون الإنشاد الديني، لم يكن مجرد صوت يعلو فى مناسبة أو كلمات تتردد فى احتفال، وإنما ظل واحدًا من أكثر الفنون التصاقًا بالوجدان، يحمل فى طياته سيرة النبى صلى الله عليه وسلم، ويعيد تقديم قيم الرحمة والحب والتسامح والأخلاق فى صورة قادرة على الوصول إلى القلب قبل الأذن.

وفى بيت كان فيه حب النبى حاضرًا كأنه جزء من تفاصيل الحياة اليومية، نشأ المنشد الدكتور أحمد الكحلاوى على يد والده شيخ المداحين الراحل محمد الكحلاوي، فتعلم منه أن الإنشاد ليس مهنة أو لونًا من ألوان الأداء، وإنما حالة من الصدق والوجد والمحبة، ورسالة تحتاج إلى من يحملها قبل أن يؤديها.

من هنا جاءت تجربته الممتدة مع الإنشاد، والتى لم تتوقف عند حفظ الألحان والقصائد، وإنما امتدت إلى صناعة جيل يعرف أولًا من ينشد له ولماذا يحبه، وفى حواره مع «المصور»، يفتح الدكتور أحمد الكحلاوى قلبه للحديث عن «الحب النبوي»، وأصول الإنشاد الديني، ودور المنشد فى نشر الفضيلة وتصحيح المفاهيم، وكيف يمكن لهذا الفن أن يعيد السيرة النبوية إلى وجدان الشباب.

 

كيف بدأت علاقتك بالإنشاد الديني، ومن كان صاحب التأثير الأكبر فى تكوينك؟

الحقيقة أننى «رضعت» فن الإنشاد الدينى من حبيبى وأستاذى وقدوتي، شيخ المداحين الحاج محمد الكحلاوي، فلم يكن بالنسبة لى مجرد أب، وإنما كنت أعيش معه تفاصيل حياته، وأعرف حركاته وسكناته، وأتأسى به فى كل شيء، ومن خلاله عشقت الفن، وعشقت الإنشاد الديني، ليس فقط من خلال ما كان يقدمه على المسرح، وإنما من خلال حياته وحديثه وسلوكه.

كان حضور سيدنا النبى محمد (ص) هو المفتاح الذى تربينا عليه داخل بيتنا، أنا وإخوتى جميعًا، نشأنا على محبة النبى وسيرته ومدحه، وأصبح كل واحد منا يبحث عن طريقه فى الحياة من هذا المنطلق، كل فى مجاله، حيث كانت هذه المحبة حاضرة فى الأسرة كلها، فالدكتورة عبلة الكحلاوى حملت رسالة الدعوة، والدكتور محمد الكحلاوى اتجه إلى مجال الآثار الإسلامية، والدكتورة عزة الكحلاوى اهتمت بالديكورات الإسلامية والمشاركة فى احتفالات وزارة الأوقاف والأزهر الشريف، وهكذا وجدنا أنفسنا جميعًا عشاقًا لمديح النبى وسيرته، بفضل ما غرسه فينا الوالد والوالدة، رحمهما الله.

وكيف كانت بدايتك العملية مع والدك فى مجال الإنشاد؟

كانت بدايتى الحقيقية من خلال العمل مع والدي، فقد كنت أعمل معه ضمن فريق الكورال لمدة 15 عامًا، ولم يكن دورى مجرد المشاركة فى الكورال، وإنما كنت أعيش معه كل مراحل العمل منذ اللحظة الأولى التى يبدأ فيها إعداد اللحن، كان والدي، بمجرد أن يبدأ فى تلحين عمل دينى جديد، ينعزل فى خلوته بمسجد «الكحلاوي»، ويبتعد عن الدنيا بكل ما فيها، ويبدأ فى تهيئة نفسه روحيًا، فيتناول طعامه البسيط، ويقرأ القرآن الكريم، ويحافظ على الأوراد والأذكار، ويكثر من الصلاة على سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم، وتخيل أن اللحن الدينى يخرج من هذا المناخ الروحي، ومن قلب امتلأ بالذكر والصلاة على النبى والقرآن، طبيعى أن تصل الكلمات والألحان إلى القلب قبل الأذن.

وخلال تلك السنوات الخمس عشرة، كنت أتعلم منه كل شيء، أحفظ الألحان، وأدرب الفرقة والكورال، وأقوم بالتجهيز للبروفات، وأحجز الاستوديو وأتابع البروفة النهائية، وعندما يحضر والدي، كنت أترك مكانى وأقف وسط المرددين والمنشدين، لأكون قريبًا منه وأتعلم منه باستمرار، لم تكن تلك السنوات بالنسبة لى مجرد فترة عمل مع والدي، وإنما كانت مدرسة كاملة تعلمت فيها معنى الإنشاد، وكيف يمكن للصوت والكلمة واللحن أن تتحول إلى رسالة محبة وذكر وسيرة عطرة لسيدنا رسول الله (ص).

فى ظل تراجع معرفة بعض الأجيال الجديدة بسيرة النبى وأمهات المؤمنين وأصحابه وأحفاده.. هل يمكن أن يكون الإنشاد الدينى وسيلة لإعادة تقديم السيرة النبوية بصورة أكثر قربًا وتأثيرًا؟

للأسف، هناك أجيال من الشباب اليوم لا تعرف بالقدر الكافى أمهات المؤمنين، ولا أبناء النبى وأحفاده، ولا أصحابه، ولا تفاصيل سيرته وغزواته ومواقفه، هنا يأتى دور الإنشاد الديني، لأنه يستطيع أن يقدم هذه السيرة فى صورة محببة وقريبة من وجدان الناس، أنا أؤمن أن الإنشاد الدينى يمكن أن يصل إلى المتلقى فى أحيان كثيرة بصورة أسرع وأقرب من الكلام المباشر، سواء من عالم أو واعظ، لأن الكلمة عندما تدخل إلى القلب فى صورة لحن جميل وأداء صادق، تظل عالقة فى الوجدان، وقد تدفع الإنسان إلى البحث والتعلم والتأسى بسيرة سيدنا النبى (ص)، لذلك لا أرى الإنشاد الدينى مجرد صوت جميل أو لحن مؤثر، وإنما أراه أمانة ورسالة، وكل من يقف ليؤدى هذا الفن يجب أن يعرف جيدًا حجم المسؤولية التى يحملها، وأن يسأل نفسه قبل أن يبدأ: ماذا أريد أن أترك فى قلوب الناس بعد أن ينتهى الإنشاد؟

هل لديك تجربة عملية تؤكد أن الإنشاد قادر على جذب الشباب وتعريفهم بالسيرة النبوية؟

نعم، لدى تجربة شخصية أعتز بها جدًا، فقد كنت مسؤولًا عن فرقة تابعة لوزارة الثقافة، وليست فرقة خاصة، وكان عدد أعضائها يصل إلى نحو 160 فردًا، من موسيقيين وأطفال وشباب وفتيات، ورغم اختلاف أعمارهم وخلفياتهم، استطاعوا تقديم أصعب ألوان الإنشاد والقصائد الدينية، ومنها بردة الإمام البوصيري، والقصيدة اللامية والبائية والهمزية، إلى جانب قصائد للإمام البرعى والإمام أبى العزائم ومحيى الدين بن عربي، والسؤال الذى كان يطرح نفسه دائمًا: كيف استطاع هؤلاء الشباب والأطفال أن يتعلموا هذه القصائد الصعبة ويحفظوها ويؤدوها بهذا الشكل؟ الإجابة ببساطة هى «الحب»، أنا لم أكن أتعامل معهم باعتبار أن مهمتى هى أن أحفظهم الكلمات والألحان فقط، وإنما كنت أحاول أولًا أن أحببهم فيما يقدمونه، كنت أحكى لهم وأشرح لهم، وأعرفهم بالشخصيات التى يتحدثون عنها قبل أن أطلب منهم إنشاد قصائد فى مدحها.

فمثلًا، عندما نريد أن ننشد فى السيدة فاطمة الزهراء رضى الله عنها، لا أبدأ معهم بالحفظ مباشرة، وإنما أحدثهم أولًا: من هى السيدة فاطمة؟ من والدها؟ وكيف كانت حياتها؟ وما مكانتها عند رسول الله (ص)؟ وأحكى لهم عنها بأسلوب بسيط ومشوق، وكذلك عندما نتحدث عن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه، كنت أحكى لهم عن شخصيته ومواقفه وما قدمه للإسلام، حتى يشعر الطفل أو الشاب أنه أمام شخصية حقيقية لها تاريخ وحكاية، وليس مجرد اسم يردده فى قصيدة، هذه الطريقة تصنع حالة من التشويق، وعندما يأتى وقت الإنشاد، يكون المنشد قد عرف أولًا من يتحدث عنه ولماذا يحبه، فتخرج الكلمات من القلب وليس من الذاكرة فقط، وهذا هو ما كنت أريد أن أزرعه فيهم، أن الإنشاد ليس مجرد حفظ قصيدة وترديد لحن، وإنما معرفة وحب وسيرة، وعندما تحب الشخصية التى تنشد عنها، يصبح من السهل جدًا أن تصل كلمات المديح إلى قلبك، وأن تصل بدورها إلى قلوب من يستمعون إليك، وأعتقد أن هذه هى الطريقة التى نستطيع من خلالها أن نقرب السيرة النبوية وشخصياتها العظيمة من الأجيال الجديدة، بعيدًا عن التلقين المباشر، من خلال الحكاية والمحبة ثم الإنشاد.

لماذا يحتل مدح النبى صلى الله عليه وسلم مساحة كبيرة فى الإنشاد الديني؟

مدح سيدنا النبى (ص) يحتل هذه المساحة الكبيرة فى الإنشاد الدينى لأنه ببساطة يتناول أعظم من عرفنا بالله سبحانه وتعالى، فنحن لم نر الله عز وجل، وإنما آمنا به، وكان سيدنا رسول الله هو الذى عرفنا الطريق إليه، وأرشدنا إلى كيفية التمسك بحبل الله وعدم الابتعاد عنه. النبى (ص) هو الدليل والمرشد، وهو الذى جاءنا بالرسالة، وعلمنا كيف نعبد الله وكيف نعيش حياتنا على هديه، ولذلك فمن الطبيعى أن يكون له هذا الحضور الكبير فى وجدان المنشد وفى كلمات الإنشاد الديني، وأنا أرى أننا مهما مدحنا سيدنا رسول الله (ص) فلن نوفيه حقه، ومهما قلنا فى فضله ومكانته نظل مقصرين أمام عظمة مقامه ورسالته.

ما سر التأثير الكبير الذى يتركه الإنشاد الدينى فى وجدان المستمع؟

سر التأثير فى المقام الأول هو الإخلاص، فالمداح إذا كان مخلصًا فى مدحه، ويحمل وجدًا محمديًا وحبًا حقيقيًا لسيدنا رسول الله (ص)، ويكون ملمًا بسيرته وقارئًا لها قراءة صحيحة، ودارسًا للغة العربية وأحكام التجويد، فكل هذه الأمور تنعكس على أدائه وتصل إلى المستمع، والأهم من كل ذلك أن تكون حياة المنشد نفسها قريبة من سنة النبى محمد (ص)، لأن المستمع يشعر بالصدق، ويستطيع أن يميز بين من يقول الكلام لأنه يحفظه، ومن يقوله لأنه يعيشه ويؤمن به، أهم شيء أن يصدقك المستمع، فإذا صدقك، دخلت الكلمة إلى قلبه، وأصبح للصوت واللحن والمعنى أثر حقيقى فيه، أما إذا شعر أن المنشد يؤدى كلمات لا يعيش معانيها، فلن تصل الرسالة مهما كان الصوت جميلًا.

وأنا أقول دائمًا إن من يجرؤ ويتجرأ على مدح سيدنا رسول الله (ص)، فهذه ليست مسألة صوت أو موهبة فقط، فالمدح يحتاج إلى إذن وفتح وتوفيق وصرف من الله سبحانه وتعالى، ولذلك لا بد أن يكون المنشد مخلصًا، وأن يعرف عظم المقام الذى يقف أمامه، وأن يدخل إلى هذا الفن بقلب محب، ونية صادقة، وإحساس حقيقى بالمسؤولية، فالإنشاد النبوى فى النهاية ليس مجرد أن تنطق كلمات جميلة، وإنما أن تكون هذه الكلمات خارجة من قلب يعرف من يمدح، ويحبه، ويتمنى أن يصل شيء من هذا الحب إلى قلوب الناس.

هل تعتقد أن الإنشاد قادر على تصحيح بعض المفاهيم الدينية المغلوطة ونشر قيم الوسطية؟

بالتأكيد، أرى أن الإنشاد الدينى قادر على المساهمة فى تصحيح المفاهيم الدينية المغلوطة ونشر قيم الوسطية بشكل كبير، لأنه عندما يقدم عملًا متكاملًا عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتناول سيرته وسلوكه وأخلاقه ودستوره ونصائحه ووصاياه، فإنه فى الحقيقة يقدم للناس صورة صحيحة عن الدين من خلال سيرة النبى الكريم، فعندما يسمع الإنسان هذه المعانى ويتعرف إلى أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته فى التعامل مع الناس، فإنه يتعلم الصحيح ويصبح لديه ميزان يستطيع من خلاله أن يفرق بين ما هو صحيح وما هو مغلوط.

ومن هنا تأتى أهمية الإنشاد، لأنه لا يقدم المعلومة فى صورة جافة، وإنما يقدمها فى قالب محبب وقريب إلى القلب، فيتعلم الإنسان ويستمتع فى الوقت نفسه، وعندما تكون لديك معرفة صحيحة بسيرة النبى (ص) وأخلاقه ومنهجه، يصبح من الصعب أن يأتى أحد من أصحاب الأفكار المغلوطة أو الخطابات المتطرفة ليتلاعب بعقلك ويأخذك إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار، نحن نريد أن نقدم للناس الدين كما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم، دين الرحمة والاعتدال والأخلاق والوسطية، والإنشاد الدينى يستطيع أن يكون أحد أهم الوسائل التى توصل هذه الرسالة، خصوصًا إلى الشباب، لأن الكلمة المغناة أحيانًا تصل إلى الإنسان أسرع مما يصل إليه الكلام المباشر.

ما أبرز الصفات التى يجب أن يتحلى بها المنشد الدينى حتى يكون صاحب رسالة؟

المنشد الدينى الذى يقرأ سيرة النبى (ص) ثم يقف لينشد فى حضرته، لا بد أن يدرك أن الأمر لا يتوقف عند امتلاك صوت جميل، وإنما عليه أن يتحلى بصفات وأخلاق سيدنا النبى نفسه، من الحلم والصبر وحسن الخلق واحترام الكبير والعطف على الصغير والرحمة بالناس، وكل المعانى والمحاسن التى تجلت فى شخصية رسول الله (ص)، فالمنشد لا يستطيع أن يدعو الناس إلى أخلاق النبى وهو بعيد عنها فى حياته وسلوكه، وهذا هو الجانب الشخصي.

هل أثرت وسائل التواصل الاجتماعى والمنصات الرقمية على انتشار الإنشاد الديني؟

للأسف، أرى أن تأثيرها كان سلبيًا فى كثير من الأحيان، رغم أن هذه المنصات كان من الممكن أن تكون وسيلة عظيمة لنشر الإنشاد الدينى والقيم الإيجابية والوصول إلى أعداد كبيرة من الناس، المشكلة أن ما ينتشر على منصات التواصل الاجتماعى ليس كله إيجابيًا، بل أصبحنا نرى أحيانًا محتوى يحمل أفكارًا وسلوكيات تتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية، فى الوقت الذى تراجع فيه المحتوى الذى كان يقدم للناس المعرفة الدينية بصورة بسيطة ومحببة، زمان، الإنسان البسيط كان يستطيع أن يتعرف إلى تاريخ الشخصيات الإسلامية وسيرة الأنبياء والصحابة من خلال التلفزيون، كنا نشاهد أعمالًا مثل «عمر بن عبد العزيز» و»الإمام الشافعي» و»الإمام أبو حنيفة»، إلى جانب الأعمال التى تناولت السيرة النبوية مثل «على هامش السيرة» و»محمد رسول الله»، هذه الأعمال لم تكن مجرد دراما، وإنما كانت تقدم معرفة وتعرف الناس بالشخصيات الإسلامية وسيرتها ومواقفها.

ما رأيكم فى المزج بين الإنشاد الدينى والموسيقى الحديثة؟ وأين تقف من هذه التجارب؟

ولم لا؟ لا أرى غضاضة فى الاستفادة من كل ما يساعد على وصول هذا الفن المحترم إلى الناس، طالما أننا نحافظ على قيمة الإنشاد الدينى ورسالته ومكانته، المهم أن يكون التطوير فى الشكل، وليس على حساب جوهر الفن أو المعنى الذى نحمله، فالإنشاد الدينى ليس فنًا قائمًا على التلقى أو الارتجال، وليس مجرد كلمات تقال على أى لحن، وإنما هو فن له جذور وأصول وأسس، وله مدارسه وقواعده، ولذلك فإن أى تجربة جديدة يجب أن تنطلق من معرفة حقيقية بهذه الأصول، أنا مع التجديد الذى يجذب الشباب ويقربهم من الإنشاد الديني، ومع استخدام الأدوات الموسيقية والتقنيات الحديثة إذا كانت تخدم العمل وتضيف إليه، لكن بشرط ألا نفقد هويتنا أو نحول الإنشاد إلى مجرد شكل موسيقى بلا رسالة.

فى النهاية، التطوير مطلوب، لكن الأصل لا بد أن يظل حاضرًا؛ لأننا إذا فقدنا الجذور، لم يعد ما نقدمه إنشادًا دينيًا بالمعنى الحقيقي، وإنما أصبح شيئًا آخر يحمل مجرد اسم الإنشاد.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة