رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

دولة الإنشاد.. مصر حفظت للابتهالات صوتها وروحها


28-8-2026 | 12:05

.

طباعة
تقرير: مروة سنبل

الإنشاد الدينى والمدح النبوى ليسا مجرد فن صوتى أو تراث موروث، بل مدرسة متكاملة تهذب الفرد وتعزز قيم المجتمع،. ففى الوقت الذى تتراكم فيه على النفس غبار الغفلة والغضب والطمع، تصبح مجالس المدح النبوى وحب النبى صلى الله عليه وسلم وآل البيت متنفسًا يغسل الروح، ويجدد فى النفس معانى السكينة، حين تسمع «يا رب» ممدودة، و«مدد يا رسول الله» صادقة، يعود الإنسان إلى فطرته الهادئة الراضية.

ولمصر فى الإنشاد مقام خاص، فهى من أهم وأعرق مدارس الإنشاد الدينى والابتهالات، حيث نجحت المدرسة المصرية فى تقديم أصوات وأعلام تربعوا على عرش الإنشاد الديني، حاملين لواء الحب النبوي، وأسسوا لقواعد الطرب الروحى والمقامات العذبة. فقدمت مصر مدرسة فريدة ورائدة فى التواشيح والابتهالات والذكر، وأهم المنشدين الكبار الذين جعلوا منه تراثًا خالدًا تتوارثه أجيال من القراء والمبتهلين، صنعوا ذاكرة مصر الصوتية فى رمضان والموالد والمناسبات الدينية المختلفة.

يقول محمود عوض الله، المنشد والمبتهل باتحاد الإذاعة والتلفزيون، إن المدرسة المصرية فى الإنشاد الدينى تتمتع بمكانة رائدة، مستمدة من «روحانيات خاصة» ارتبطت بوجود آل بيت النبى محمد صلى الله عليه وسلم على أرض مصر، إلى جانب إرث طويل من كبار المنشدين والمبتهلين، مثل الشيخ سيد النقشبندي، ونصرالدين طوبار، ومحمد عمران، وعلى محمود.

وعن أجواء الإنشاد الدينى والحب النبوي، أضاف «عوض الله» أن المنشد المصرى يعيش حالة خاصة أثناء تقديم الابتهالات والمدائح، مشيرًا إلى أن وجود محبى آل البيت ومريديهم فى مصر يمنح المنشد حالة روحانية تساعده على تقديم أفضل ما لديه.

جيل المنشدين الأوائل

أشار المنشد «عوض الله» إلى أن الجيل القديم من المنشدين كان يتمتع بظروف ساعدته على تقديم أداء أكثر روحانية وإتقانًا، كما أن المستمع فى ذلك الوقت كان أكثر تفرغًا للإنشاد، لافتًا إلى أن التطور التكنولوجى ووسائل التواصل الاجتماعى سهّلا وصول الإنشاد إلى جمهور واسع، لكن صاحبهما تراجع فى تفرغ الجمهور للاستماع مقارنة بالماضى.

وقال إن من أبرز التحديات التى تواجه الإنشاد الدينى فى الوقت الحالى الحاجة إلى وجود مؤسسات أو مدارس متخصصة لتعليم الإنشاد وصقل المواهب، فالكثير من الشباب يمتلكون أصواتًا جيدة، لكن الظروف المادية تحول دون استمرارهم فى هذا المجال.

ودعا «عوض الله» إلى توفير أماكن مجانية أو منخفضة التكلفة فى مختلف المحافظات لتدريب الشباب على الإنشاد، والاستعانة بمتخصصين فى علوم النغم والموسيقى العربية، معتبرًا أن وجود مثل هذه المؤسسات يمكن أن يساعد الموهوبين على تطوير قدراتهم والاستمرار فى المجال.

ووجّه الشيخ عوض الله رسالة إلى الشباب الراغبين فى دخول مجال الإنشاد الديني، بضرورة الاستماع إلى كبار المنشدين القدامى والموشحات الدينية، والاهتمام باختيار الكلمات ومراجعتها مع متخصصين فى اللغة العربية، إلى جانب الحفاظ على الصوت، ومجالسة الصالحين، والحرص على الظهور أمام الجمهور، وعدم انتظار الفرص حتى تأتى إليهم، مؤكدًا أن بناء اسم المنشد يحتاج إلى جهد وسعى مستمر.

وأوضح أن وسائل التواصل الاجتماعى كان لها دور كبير فى انتشار الإنشاد الديني، مشيرًا إلى أنها أتاحت الوصول إلى الحفلات والأعمال الإنشادية بسهولة، وساعدت فى ظهور أصوات جديدة، لكنه لفت إلى أن بعض المنشدين الموهوبين لا يستطيعون الاستفادة من هذه المنصات بسبب عدم قدرتهم على تسويق أنفسهم أو توفير الإمكانات اللازمة للتصوير والإنتاج.

المدرسة المصرية فى الإنشاد

من جانبه، قال المبتهل والمنشد الدينى بالإذاعة والتلفزيون شعبان عبد الجيد، إن المدرسة المصرية فى الإنشاد الدينى تتمتع بمكانة رائدة، معللًا ذلك بما تتميز به من أصالة، وبالأصوات الدافئة والندية التى حبا الله بها المنشدين والقراء المصريين. والدليل على مكانة المدرسة المصرية أن العديد من الدول تستعين بالقراء المصريين لإحياء ليالى شهر رمضان والحفلات القرآنية.

وأضاف: «منذ بداية القرن العشرين، شهد فن القراءة والابتهال طفرة على أيدى عدد من كبار القراء والمبتهلين فى ذلك العصر، من بينهم الشيخ سيد عطية ندا والشيخ على محمود، فى زمن الفن الجميل بكل ما يحمله من أصالة المدرسة المصرية التى حذا حذوها معظم دول العالم. ثم تدرج فى هذا الفن قامات مثل الشيخ نصرالدين طوبار، والشيخ محمد عمران، والشيخ سيد النقشبندي، والشيخ الفيومي، وهؤلاء يمثلون جيل الوسط، ثم جاء بعدهم المبتهلون الموجودون حاليًا».

وعن تفاعل الجمهور المصرى مع الإنشاد والمديح النبوي، قال «عبدالجيد» إن النزعة الدينية متأصلة فى قلوب ووجدان المصريين، نتيجة ما توارثناه من طقوس وعادات دينية، لا سيما فى المناسبات مثل شهر رمضان، والسحور، ومدفع الإفطار، وشعائر صلاة الفجر، وقرآن المغرب للشيخ محمد رفعت. ولفت إلى أن هذا الإرث يجعل التأثر بالأصوات الدينية أمرًا فطريًا لدى المصريين، مستشهدًا بالأصوات المصرية من كبار القراء، مثل الشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد، والشيخ محمود على البنا، وهم أعمدة التلاوة والإنشاد، ولديهم تمكن وإتقان لا يوجد لهما شبيه خارج مصر.

وفيما يتعلق بدخول الموسيقى الإلكترونية والإيقاعات الحديثة إلى المديح النبوي، قال «عبدالجيد» إن ذلك يمثل لونًا من الألوان التى يحاول أصحابها من خلالها مواكبة العصر، لكنه شدد على أن الإفراط فى استخدام الآلات قد يصرف انتباه المستمع عن الكلمات، قائلًا: «إذا دخلت الموسيقى مع المنشد، انشغل المستمع بالمغنى وذهب المعنى»، موضحًا أن المستمع عندما يركز مع الطبلة والكمان قد ينشغل عن جوهر الكلمات والمعانى التى يقدمها المنشد.

وأوضح أنه يُفضل عدم استخدام الموسيقى والاعتماد على صوته، قائلًا: «أنشد على أنفاس الذاكرين»، وهذا هو جوهر الخشوع والمناجاة.

خصوصية الإنشاد المصري

بينما أكد المنشد والمبتهل بالإذاعة والتلفزيون إيهاب يونس أن المدرسة المصرية فى الإنشاد تتميز بقدرتها على التعامل مع مختلف المناسبات، موضحًا أن المنشد يمكنه تقديم الإنشاد فى الأفراح والمآتم والعقيقة وغيرها، وهو ما يمنح الإنشاد المصرى خصوصيته مقارنة بغيره من ألوان الإنشاد.

وأضاف أن المدرسة القديمة للإنشاد كانت تتمتع بوعى كبير لدى المنشدين، مشيرًا إلى أن بعض المنشدين حاليًا يرددون نصوصًا محفوظة دون مراعاة طبيعة المناسبة أو الجمهور.

وأوضح الشيخ إيهاب يونس أن المنشد لا يحتاج إلى صوت جيد فقط؛ فالصوت موهبة، ولكن لا بد أن يكون قارئًا للقرآن الكريم وملمًا بأحكام التجويد، إلى جانب دراسة اللغة العربية وقراءة الشعر ومعرفة التفعيلات العروضية، حتى يميز بين الرقيق والركيك، فضلًا عن امتلاكه القدرة على فهم طبيعة المستمع وما يحتاج إليه.

وأشار إلى أن من أبرز التحديات التى تواجه الإنشاد الدينى حاليًا عدم تسليط الضوء عليه إعلاميًا بالشكل الكافي، لافتًا إلى أن الاهتمام به غالبًا ما يزداد خلال المناسبات الدينية فقط، رغم كونه جزءًا من التراث المصرى القديم.

المقامات الموسيقية

شدد «يونس» على أهمية معرفة المنشد بالمقامات الموسيقية، ووعيه بالكلمات التى تتوافق مع المقامات، وقدرته على اختيار المقام الذى يتناسب مع مضمون الكلمات والمناسبة. فمثلًا، يُستخدم مقام الصبا والبياتى للتعبير عن المشاعر العميقة والشجن، أما السيكا والراست فهما من المقامات الموسيقية الأكثر تعبيرًا عن الفرح.

وأضاف أن أغلب ما يُقدم فى الإنشاد المصرى يرتبط بالتصوف، نظرًا لتناوله مدح النبى صلى الله عليه وسلم، والحديث عن الذات الإلهية وشعر الحكمة، موضحًا أن المنشد يحتاج إلى أن يشعر بالكلمات التى يؤديها حتى ينتقل إحساسها إلى المستمع. ووجّه «يونس» نصيحة إلى الراغبين فى دخول مجال الإنشاد والابتهال بضرورة البدء بتعلم القرآن الكريم وإتقانه، ودراسة اللغة العربية، مؤكدًا أهمية امتلاك الموهبة والأذن الموسيقية والقدرة على الاستماع الجيد.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة