رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

السنة النبوية.. القيم تغادر الكتب إلى البيوت والشوارع


28-8-2026 | 12:03

.

طباعة
تقرير: نور عبد القادر

مع حلول ذكرى المولد النبوى الشريف، تتجدد مظاهر الاحتفال بميلاد النبى محمد «ص»، وتكثر الصلاة عليه، وتُستعاد سيرته ومواقفه التى أرست قيم الرحمة والصدق والأمانة ومكارم الأخلاق. لكن بعيدًا عن مظاهر الاحتفال، يظل السؤال الأهم: هل تكفى المحبة والاحتفال، أم أن المحبة الحقيقية للنبى «ص» يجب أن تنعكس على سلوكنا وتعاملاتنا اليومية؟ وهل يمكن أن تتحول ذكرى المولد من مناسبة نحتفل بها كل عام إلى فرصة لمراجعة النفس وإعادة ضبط سلوكنا داخل الأسرة والمجتمع؟

 

ولماذا يحتاج الإنسان نفسيًا واجتماعيًا إلى مناسبات دينية تمنحه فرصة للتأمل واستعادة القيم والتخلص من بعض الضغوط والعادات السلبية؟ وإلى أى مدى يمكن للمناسبات الدينية أن تؤثر فى السلوك الفردى والجماعي؟ وهل يستطيع استحضار سيرة النبى «ص» وأخلاقه أن ينتقل من مجرد المعرفة والاحتفال إلى ممارسة حقيقية فى حياتنا اليومية؟

أسئلة تطرحها «المصور» على متخصصين فى علم النفس والاجتماع، بحثًا عن كيفية تحويل المناسبة من احتفال موسمى إلى فرصة حقيقية لمراجعة الذات واستعادة القيم الإنسانية والأخلاقية.

والبداية مع الدكتور وليد هندي، استشارى علم النفس، الذى أكد أن النفس البشرية تتعرض لضغوط ومشكلات متعددة باختلاف المراحل العمرية، والتقلبات الهرمونية، والاختلالات الجينية، فضلًا عن خبرات الحياة وصعوباتها، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، وتجارب الطلاق والعنوسة، والعنف الزوجي، والتنمر، ومشكلات وسائل التواصل الاجتماعي، واضطرابات الساعة البيولوجية، والاختلالات العصبية، والأمراض النفسية، إلى جانب الغضب والحقد والتدخين والمخدرات، ما يستدعى الاهتمام بالصحة النفسية جنبًا إلى جنب مع صحة الجسد.

وأشار إلى أن المناسبات الدينية تمثل فرصة مهمة لإعادة ضبط السلوك النفسى والاجتماعى للإنسان، موضحًا أن التأمل فى سيرة النبى محمد صلى الله عليه وسلم والاقتداء بأخلاقه يمكن أن يسهم فى تحويل الغضب إلى حلم، والعنف إلى رحمة، والقسوة إلى لين ومودة، مؤكدًا أن هذا يتوافق مع ما توصلت إليه دراسات حديثة حول دور الممارسات والاحتفالات الدينية فى تنظيم المشاعر وتعزيز الصحة النفسية والترابط الاجتماعي.

الاحتفال بالمولد النبوي

أوضح «هندى» أن الطقوس الجماعية المرتبطة بالعبادة والذكر والمديح يمكن أن تسهم فى تخفيف التوتر وكسر روتين الحياة وإشباع الجانب الروحي، كما أن التأسى بالسيرة النبوية يقدم نموذجًا عمليًا لتعديل السلوك والارتقاء بالأخلاق، بما يساعد على تقليص الفجوة بين المعرفة والسلوك والحد من مظاهر العنف والتنمر والتحرش والابتزاز الإلكترونى والتعدى على حقوق الآخرين.

وأضاف أن الاحتفال بالمولد النبوى لا ينبغى أن يقتصر على المظاهر الشكلية، وإنما يمكن تحويله إلى مناسبة للتأمل فى السيرة النبوية واكتساب القيم والأخلاقيات الإنسانية، وترجمة هذه القيم إلى سلوكيات وممارسات يومية تسهم فى بناء إنسان أكثر اتزانًا وتماسكًا مع مجتمعه، مؤكدًا أهمية تحويل القيم النبوية إلى سلوكيات عملية لدى الأبناء، مثل الأمانة والصدقة، من خلال أنشطة مدرسية متنوعة طوال أسبوع المولد. ودعا الإعلام إلى تقديم أعمال فنية حديثة ومؤثرة تجسد القيم المضيئة فى السيرة النبوية، بدلًا من الاكتفاء بالأعمال التقليدية القديمة.

وأوضح «هندى» أن ذكرى المولد النبوى ينبغى ألا تقتصر على الاحتفال، وإنما تكون مناسبة لاستلهام معانٍ وقيم إنسانية قابلة للتطبيق فى حياتنا المعاصرة، مثل التفاؤل والبهجة ورفع الروح المعنوية، مؤكدًا أن الهدف ليس العودة إلى العيش فى عصر الرسول «ص»، وإنما الاستفادة من هديه وقيمه فى التعامل مع تحديات ومشكلات العصر الحالي.

وأشار إلى أهمية التمسك بالثوابت والقيم مع القدرة على التعامل مع متغيرات العصر، موضحًا أن بعض المعانى تظل راسخة رغم تغير الأزمنة والظروف، كما استشهد بقصة أبى لهب وما ورد فى بعض كتب السيرة من أنه خُفف عنه العذاب يوم الإثنين بسبب فرحه بميلاد النبى «ص» وإعتاقه جاريته التى بشّرته بمولده، معتبرًا أن القصة تحمل، من وجهة نظره، معنى الاعتراف بالجميل والإحسان حتى مع وجود الخلاف.

وبيّن د. هندى أن استلهام هذه القيم وترجمتها إلى سلوك يومى يمكن أن يسهم فى تحسين العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، ويغير طريقة تعامل الناس مع الخلافات بين الأزواج والزملاء والجيران، فضلًا عن الحد من التشهير والإشاعات والإساءة التى أصبحت تنتشر سريعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول ذكرى المولد النبوى من مناسبة للاحتفال فقط إلى فرصة لإعادة بناء السلوك والعلاقات على أسس إنسانية وأخلاقية.

وأوضح أن حياة النبى محمد «ص» حملت العديد من تجارب الألم والفقد؛ فقد نشأ يتيمًا، وفقد ابنه إبراهيم وزوجته وعمه، كما تعرض للإخراج من مكة وفقدان الوطن، ورغم هذه التجارب ظل نموذجًا فى الثبات ورباطة الجأش، لافتًا إلى أن التجارب القاسية لا تعنى بالضرورة إضعاف الإنسان، بل قد تتحول إلى خبرات تصقل قدرته على مواجهة الأزمات، مشددًا على أن التأمل فى السيرة النبوية ينبغى أن يقود إلى الاقتداء بالسلوك، لا مجرد الحديث عنه فى المناسبات.

الاقتداء بالنبى فى الحياة اليومية

أكد د. هندى أن الاقتداء بالنبى «ص» لا ينبغى أن يقتصر على العبادات والمظاهر، وإنما يجب أن يظهر فى تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من التعامل مع الزوجة والأبناء والوالدين والإخوة والجيران، وصولًا إلى زملاء العمل وأصحاب المهن المختلفة.

واستشهد بقول النبى «ص»: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، مؤكدًا أن محبة الرسول لا تكون بالكلام وحده، وإنما بالمعاملة الحسنة وبر الوالدين وصلة الرحم واحترام الآخرين وأداء الحقوق.

وأشار إلى أن بعض الممارسات المجتمعية تتعارض مع هذه القيم، مثل عقوق الوالدين، وقطع صلة الأبناء بأهلهم بعد الزواج، والعنف ضد الزوجات، وإيذاء الجيران، واستغلال المرضى أو أصحاب المهن البسيطة، مؤكدًا أن الأخلاق الحقيقية تظهر فى طريقة تعامل الإنسان مع الجميع، دون استعلاء أو تمييز.

وأوضح د. هندى أن البيت يمثل الاختبار الحقيقى للأخلاق، لافتًا إلى أن النبى «ص» كان نموذجًا فى الرفق بزوجاته وحسن معاشرتهن والبشاشة والرحمة، وأن إصلاح الأسرة ينعكس بصورة مباشرة على المجتمع. كما شدد على أهمية احترام المرأة، سواء كانت زوجة أو ابنة أو أرملة أو مطلقة، ورفض النظرة المجتمعية القاسية التى تنتقص من حقوقها أو مكانتها.

وأضاف أن الاحتفال بالمولد النبوى لا ينبغى أن يقتصر على توزيع الحلوى والمظاهر الاحتفالية، وإنما يجب أن يتحول إلى فرصة لاستعادة روح السيرة وأخلاق النبى «ص» فى التعامل مع الآخرين، مؤكدًا أن الفوضى والعشوائية وإيذاء الناس والتعدى على خصوصياتهم، سواء فى الشارع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تتناقض مع هذه الأخلاق.

واستشهد بالحديث الشريف: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده»، داعيًا إلى احترام خصوصية الآخرين والاستئذان ومراعاة أوقات التواصل.

وفيما يتعلق بالتربية، أكد د. هندى أن الانتماء يبدأ من البيت، وأن الطفل يتعلم المسؤولية من خلال الممارسة اليومية، مثل ترتيب أغراضه والحفاظ على الممتلكات وترشيد الاستهلاك. وشدد على أن القدوة أهم من الأوامر، فلا يمكن مطالبة الأبناء بالهدوء والاحترام بينما يشاهدون الوالدين يمارسان العنف أو يستخدمان الألفاظ المسيئة، مؤكدًا ضرورة أن يبدأ الآباء بإصلاح سلوكهم أولًا.

وأشار إلى أهمية أن يتعلم الأبناء تحمل الإحباط والفشل والرفض بما يتناسب مع أعمارهم، وألا يُفرط الآباء فى تدليلهم، مع التأكيد على رفض العنف والضرب كوسائل للتربية.

واختتم بالتأكيد على أن الاقتداء بالنبى «ص» لا يكون بالشعارات، وإنما بتحويل مكارم الأخلاق إلى سلوك يومى داخل الأسرة وخارجها، بما يسهم فى بناء إنسان أكثر احترامًا وتراحمًا، وأسرة أكثر تماسكًا، ومجتمع أكثر استقرارًا.

إعادة التذكير بالقيم

ترى الدكتورة مها عبدالكريم، مدرس علم الاجتماع بجامعة سوهاج، أن إحياء ذكرى المولد النبوى يمكن أن يتجاوز مظاهر الاحتفال إلى القيام بدور اجتماعى مهم، من خلال إعادة التذكير بالقيم التى تحكم علاقة الإنسان بأسرته ومجتمعه، موضحة أن المجتمع فى حاجة مستمرة إلى استعادة قيم الرحمة والتسامح وصلة الرحم والتكافل واحترام الآخر.

وتقول إن محبة النبى صلى الله عليه وسلم لا ينبغى أن تظل مجرد شعور أو مناسبة موسمية، وإنما يجب أن تنعكس على طبيعة العلاقات بين الناس، موضحة أن الاقتداء بأخلاق الرسول يبدأ من داخل الأسرة؛ من طريقة تعامل الآباء مع الأبناء، واحترام الأبناء لوالديهم، والحفاظ على صلة الرحم، ثم ينتقل إلى علاقة الإنسان بجيرانه وزملائه ومجتمعه.

وتشير د. مها إلى أن الأسرة هى المؤسسة الاجتماعية الأولى التى يتعلم فيها الإنسان معنى الأخلاق، ولذلك فإن الحديث عن السيرة النبوية داخل المنزل لا ينبغى أن يكون مجرد سرد للأحداث، وإنما فرصة لربط هذه السيرة بالمواقف اليومية التى يعيشها الأبناء، مثل الصدق، والأمانة، واحترام الكبير، والرحمة بالصغير، ومساعدة الآخرين.

وتضيف أن المجتمع لا يحتاج فقط إلى معرفة القيم، وإنما إلى تحويلها إلى سلوك جماعي؛ فحين تتحول الرحمة إلى طريقة فى التعامل، والتسامح إلى وسيلة لحل الخلافات، والتكافل إلى ممارسة تجاه المحتاجين، فإن أثر القيم يصبح أوسع من حدود الفرد ويمتد إلى المجتمع بأكمله.

وتلفت مدرس علم الاجتماع إلى أن بعض المشكلات الاجتماعية، مثل قطيعة الرحم، والعنف داخل الأسرة، والتنمر، وانتشار الخلافات والخصومات بين أفراد المجتمع، تحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيم الحوار والرحمة والتسامح، مؤكدة أن القيم النبوية يمكن أن تمثل مرجعية اجتماعية مهمة فى التعامل مع هذه الظواهر.

وترى أن المولد النبوى يمكن أن يكون مناسبة لإعادة وصل ما انقطع بين أفراد الأسرة، من خلال زيارة الأقارب، وصلة الرحم، وإدخال الفرحة على الأطفال، ومساعدة الأسر الأكثر احتياجًا، لأن الاحتفال الحقيقى لا ينبغى أن ينفصل عن المسؤولية الاجتماعية.

وتشدد د. مها على أن التكافل واحترام حقوق الآخرين وإتقان العمل والحفاظ على المال العام ومساعدة المحتاج كلها صور عملية لمحبة النبي، لأن المجتمع لا يتغير بالشعارات، وإنما عندما تتحول القيم التى نتحدث عنها إلى ممارسات يومية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة