رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أحباب النبى.. صفات أهل المحبة وطريق الاقتداء


27-8-2026 | 14:53

.

طباعة
تقرير: أميرة صلاح

محبة النبى صلى الله عليه وسلم من أعظم معانى الإيمان وأسمى المشاعر التى تستقر فى قلب المسلم، فهى محبة تتجاوز حدود الكلمات والمشاعر العابرة لتنعكس على حياة الإنسان وسلوكه. فمن أحب رسول الله بصدق، كان حريصًا على معرفة سيرته، والاقتداء بأخلاقه، وجعل سنته حاضرًا فى عبادته ومعاملاته وعلاقاته بالآخرين.

 

وأحباب النبى ليسوا فقط من عاصروه وصحبوه، وإنما كل من آمن به وصدقه وأخلص فى محبته واتبع سنته، فالمحبة النبوية ممتدة عبر الأجيال، يجمع أصحابها الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم والحرص على الاقتداء به فى مختلف شؤون الحياة.

وتظهر حقيقة هذه المحبة فى الأخلاق والتعاملات اليومية؛ فى الصدق والأمانة، والرحمة وحسن العشرة، وصلة الرحم، والإحسان إلى الناس، والابتعاد عن الكذب والغيبة والنميمة والحقد والمشاحنات. كما تظهر فى المحافظة على العبادات والحرص على الطاعات والبعد عن كل ما نهى عنه النبي.

وفى هذا السياق، قال الدكتور أيمن الحجار، من علماء الأزهر الشريف، إن محبة النبى صلى الله عليه وسلم ليست مقصورة على الصحابة الكرام رضى الله عنهم، وإنما تشمل كل من آمن برسول الله وصدّقه واتبع هديه وسار على منهجه، موضحًا أن النبى معنى جميلًا فى هذا الأمر، فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى قال لهم: «وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِى الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ».

وأضاف أن المحبة الحقيقية للنبى صلى الله عليه وسلم تظهر فى الاقتداء به فى الأقوال والأفعال والتعاملات، مشيرًا إلى أن من أحب رسول الله بصدق، انعكست هذه المحبة على أخلاقه وسلوكه، فكان حسن الخلق، طيب العشرة، صادقًا أمينًا، محبًا للخير، بعيدًا عن الكذب والحسد والحقد والخصومة والفجور.

محبة الرسول وتعظيمه

أوضح الدكتور الحجار أن أصحابه الكرام رضى الله عنهم ضربوا أعظم المثل فى محبته وتعظيمه عليه الصلاة والسلام، فعن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال: «وما كان أحدٌ أحب إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلَّ فى عينيَّ منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقتُ، لأنى لم أكن أملأ عينيَّ منه»، ويقول سيدنا أنس رضى الله عنه: «لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، ولما انتقل إلى الرفيق الأعلى أظلم منها كل شيء»، هذا يدل على أنهم كانوا يرون الحياة بمحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

واستحقاق محبة النبى صلى الله عليه وسلم، وفقًا للدكتور الحجار، يبدأ من تعظيمه فى القلوب، والشوق إلى رؤيته، والفرح عند ذكره وسماع سنته وهديه، ثم ترجمة هذا الحب إلى عمل وسلوك، مؤكدًا أن الاتباع هو البرهان العملى على صدق المحبة.

وأشار إلى أن المسلم الذى يريد أن يقتدى بالنبى صلى الله عليه وسلم أن يتعلم من هديه فى كل جوانب الحياة؛ فى تعامله مع والديه وأهله وأقاربه وجيرانه، وفى البيع والشراء، وفى تربية الأبناء، وفى التعامل مع الناس، بل وفى الرفق بالحيوان، لأن الرحمة وحسن الخلق من أبرز معالم هديه عليه الصلاة والسلام.

وأكد الحجار أن محبة النبى صلى الله عليه وسلم ينبغى أن تظهر كذلك فى المحافظة على الصلاة، والبعد عن المحرمات والمنكرات، واجتناب الغيبة والنميمة والكذب والسب والشتم والمشاحنات وإثارة الفتن، لأن المسلم لا يمكن أن يجمع بين محبة النبى وبين الإصرار على الأخلاق التى نهى عنها وحذر منها.

استحضار أخلاق النبي

ودعا إلى الاهتمام بقراءة السيرة النبوية والتأمل فى مواقف النبى صلى الله عليه وسلم وأخلاقه ومعاملاته، مؤكدًا أن التعرف على سيرته العطرة يساعد المسلم على فهم هديه وتطبيقه فى حياته، ومن الكتب النافعة فى هذا المجال كتب السيرة والأحاديث التى تجمع أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وآدابه.

وشدد على أن الأمة فى حاجة إلى استحضار أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم فى واقعها المعاصر، خاصة فى ظل ما يواجهه المجتمع من مشاحنات وخلافات، وأن إحياء المحبة النبوية الحقيقية يكون بنشر الرحمة والتسامح وحسن الخلق وصلة الرحم والإحسان إلى الناس، حتى يصبح المسلم صورة عملية لما تعلمه من هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من جانبه، أكد الدكتور محمد عبدالنبى داود، أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر، أن من أعظم وأجمل ما يمكن أن يناله الإنسان أن يفوز بمحبة الله سبحانه وتعالى ومحبة رسوله، لافتًا إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يُظهر محبته لعدد من أصحابه صراحة، سواء بذكر أسمائهم أو بالإشادة بصفاتهم ومواقفهم.

أحباب الحبيب

أوضح د. داود أن من أبرز من صرح النبى بمحبته لهم أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وأبوها أبو بكر الصديق رضى الله عنه، فعن عمرو بن العاص رضى الله عنه، حين سأل النبى صلى الله عليه وسلم: «أى الناس أحب إليك؟»، فقال: «عائشة»، فسأله عن الرجال فقال: «أبوها»، ثم سأله: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب، فعد رجالًا ...».

وأضاف أن الحسن والحسين رضى الله عنهما كانا من أحباب النبى صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أنه قد دعا لهما قائلًا: «اللهم إنى أحبهما فأحبهما»، وهو ما يعكس شدة محبته لحفيديه ومكانتهما فى قلبه.

وأشار إلى أن معاذ بن جبل رضى الله عنه كان ممن عبر النبى صلى الله عليه وسلم عن محبته لهم بوضوح، فقد جاء فى سنن أبى داود عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: «يا معاذ، والله إنى لأحبك، والله إنى لأحبك، وإنى أوصيك يا معاذ، لا تدعن فى دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». فيا له من شرف كريم وفضل عظيم أن يعبر رسول الله لمعاذ عن محبته له، ثم يوصيه بهذه الوصية العظيمة.

وتابع أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر أن زيد بن حارثة وابنه أسامة رضى الله عنهما كانا من أقرب الناس إلى النبى صلى الله عليه وسلم، حتى عُرف زيد بأنه «حِب رسول الله»، وأسامة بأنه «الحِب ابن الحِب»، لافتًا إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم أعلن مكانة أسامة، ودافع عنه عندما طعن بعض الناس فى إمارته، مؤكدًا أنه من أحب الناس إليه، فعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة على قوم فطعنوا فى إمارته، فقال: «إن تطعنوا فى إمارته فقد طعنتم فى إمارة أبيه من قبله، وايم الله لقد كان خليقا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلى بعده».

ولفت إلى أن محبة النبى صلى الله عليه وسلم لم تقتصر على أشخاص بأعينهم، وإنما شملت جماعات من أصحابه، وفى مقدمتهم الأنصار رضى الله عنهم، وقد أمر النبى بحبهم وجعله علامة من علامات الإيمان، فقد جاء فى الصحيحين عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».

وأكد د. داود أن التأمل فى سير هؤلاء الصحابة يكشف أن محبة النبى صلى الله عليه وسلم لهم ارتبطت بصفات وأعمال جعلتهم أهلًا لهذه المنزلة، من الإيمان والصدق والوفاء والتضحية والنصرة وحسن الخلق. وشدد على أن المسلم إذا أراد أن يقترب من هذه المنزلة فعليه أن يتأمل فى سير أحباب النبي، وأن يستلهم الصفات التى أهلتهم لمحبته، ثم يعمل على الاقتداء بها فى حياته.

حسن الخلق ومحبة الرسول

أشار أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر إلى أن حُسن الخلق يأتى فى مقدمة الصفات التى تقرب المسلم من النبى صلى الله عليه وسلم، عن جابر بن عبدالله رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أحبكم إليّ وأقربكم منى مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا».

فيما قالت رقية محمد، الباحثة بجامعة الأزهر، إن الحديث عن أحباب النبى يرتبط بكل من آمن به وصدقه وأحبه واتبع سنته وهديه، موضحة أن آل بيت النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم يمثلون نماذج عظيمة فى المحبة والوفاء والنصرة والاقتداء.

وأضافت أن السيدة خديجة رضى الله عنها كانت من أعظم نماذج محبة النبي، فقد آمنت به وصدقته وساندته ووقفت إلى جواره فى بداية دعوته، حتى قال عنها النبي: «إنى رُزقت حبها»، مشيرة إلى مكانة أمهات المؤمنين والصحابة الكرام فى قلب رسول الله، وما قدموه من مواقف عظيمة فى نصرة الدعوة والوقوف إلى جانبه.

استحقاق محبة النبي

أوضحت الباحثة بجامعة الأزهر أن محبة النبى لا تعنى فقط معرفة من أحبهم النبى صلى الله عليه وسلم، وإنما تعنى أيضًا أن يسعى المسلم إلى أن يكون من المحبين له من خلال اتباع سنته والاقتداء بأخلاقه، مؤكدة أن الله سبحانه وتعالى ربط محبة الله باتباع الرسول فى قوله تعالى: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ».

وأكدت أن استحقاق محبة النبى يبدأ من اتباع هديه فى الصلاة والعبادات والأخلاق والمعاملات، مشيرة إلى أن المسلم المحب لرسول الله ينبغى أن يتحرى الصدق والأمانة، ويحسن التعامل مع أهله وأقاربه وجيرانه، ويحرص على الرحمة والتسامح ومساعدة المحتاجين والإحسان إلى الناس.

وتابعت أن الإكثار من الصلاة والسلام على النبى صلى الله عليه وسلم، وقراءة سيرته والتعرف على مواقفه وأخلاقه، وتعليم سنته ونشر هديه بالحكمة والأدب، كلها من صور التعبير عن محبته، لافتة إلى أن الدفاع عن النبى يكون كذلك بالعلم وحسن الخلق والالتزام بالمنهج الذى جاء به.

وشددت الباحثة بجامعة الأزهر على أن محبة النبى لا ينبغى أن تظل مجرد كلمات ترددها الألسنة، وإنما يجب أن تتحول إلى أفعال وسلوكيات يومية، موضحة أن الأقوال مهمة فى التعبير عن المحبة، لكن الأفعال هى التى تكشف مدى صدقها وترسخ أثرها فى حياة الإنسان.

وأشارت إلى أن الاقتداء بالنبى يبدأ من داخل الأسرة، من خلال بر الوالدين وصلة الرحم والرحمة بالأبناء والعطف على الصغير واحترام الكبير، ويمتد إلى الحياة العامة من خلال الصدق فى العمل، والأمانة، والإتقان، والتسامح، ومساعدة المحتاج، والابتعاد عن الظلم والغش والكذب والخيانة.

وأوضحت الباحثة رقية أن أحباب النبى صلى الله عليه وسلم ليسوا مجرد أسماء نقرأ عنها فى كتب السيرة، وإنما هم كل من يجعل سنته حاضرة فى حياته، ويترجم محبته إلى أخلاق وسلوك ومعاملة حسنة، حتى يرى الناس أثر الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم فى تصرفاته اليومية.

 

 

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة