فى ذكرى مولده الكريم، تهب علينا نفحات من هديه النبوى، ومنها حب الوطن، من خلال مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله التى عبرت عن تعلقه بمكة وحنينه إليها بعد الهجرة. فالمنهج النبوى تجلى فيه حب الوطن والدفاع عنه، وكيف دعا رسول الأمة إلى أن تكون المحبة للوطن قيمة دينية وليست مجرد شعارات، بل مسئولية عملية تظهر فى الحفاظ على أمنه واستقراره، واحترام قوانينه، وخدمة أبنائه، والدفاع عنه فى مواجهة الأخطار، وفق الضوابط الشرعية والقانونية.
والمحبة النبوية للوطن ترتبط بالفطرة الإنسانية والوفاء والارتباط بالذكريات والأهل والمقدسات، على أن تكون وطنية إيجابية قائمة على البناء والتعاون، وترفض التعصب الذى يؤدى إلى الكراهية والتمييز.
لذا وفى ظل احتفالنا بذكرى المولد النبوى ندعو للاهتداء برسول الأمة فى تنشيط الوعى المجتمعى، وترجمة حب الوطن إلى سلوك يومى يساند مؤسسات الدولة، ويحافظ على مقدراتها ويواجه الشائعات وخطابات الكراهية والتطرف.
يقول دكتور عبد الغنى الغريب طه أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق بجامعة الأزهر، إن حب الأوطان فطرة تقاسم الإنسان أنفاسه مهما كانت ثقافته أو دينه، وهو ما تجلى فى الكتاب الكريم فى قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ - وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، ولهذا من أهمية الأوطان فى جانب الهداية أن بعث الله عز وجل الرسل من أقوامهم مراعاة لأحوالهم.
وأضاف أن من أعذب ما ذُكر فى حب الأوطان ما قاله الجاحظُ فى تاريخه: «إن العرب كان أحدهم إذا سافرَ يأخذ صُرَّةً من ترابِ وطنه، فإذا غاب كان يُعفِّرُ به وجهَهُ ويستنشِقُهُ، فلا نامت أعين الخائنين لأوطانهم»، وللإمام البيضاوى رحمه الله إشراقةٌ مبهرةٌ بأن تراب الوطن عند غياب الإنسان عن وطنه يعدِّلُ المزاج، وتدركنا الروعة من كلام الإمام الغزالى رحمه الله تعالى حين يذكرنا بأن الأوطان غاليةٌ على أهلها برغم ما فيها.
وما من مخلوقٍ إلا وله وطنٌ يأوى إليه من الأخطار ومظان الهلكة، كما يقول أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية، حتى الفواتك من المخلوقات الشرسة التى تؤذى العباد لها أوطانٌ تحنُّ إليها وتأوي، فكيف بالإنسان السويِّ؟، ولا زلنا نسمع عن عرين الأسد، ومبارِك الإبل، ووكر الطائر، وجُحر الحية، حتى أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: «إن الإيمانَ ليأْرِزُ إلى المدينةِ، كما تأْرِزُ الحيةُ إلى جُحرِها»، فهناك رابط مودةٍ واحتضانٍ بين هذه المخلوقات العجماوات وبين أوطانها، ترجع إليها بعد الغياب، وتعرف عنوانها بوحيٍ من هدى الخلاق العليم لها دونما قائدٍ أو مُلهمٍ إلا من إلهام الله لها، فلا غرابة؛ أن يُولَعَ الإنسان حُبّاً وهُياماً بوطنه ويزيد اشتياقه ولوعته عند الغياب.
الهدى النبوى فى حب الأوطان
يقول د. طه، لقد كان حب الوطن عند سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يملِكُ عليه إِسَارَهُ ويغالِبُهُ ليلَهُ ونهارَهُ، وأنعِمْ به من وفاءٍ للوطنِ يعزُّ عن الوصف فى حياة الخلق، فعن ابن عباسٍ رضى الله تعالى عنهما قال: لما خرجَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم من مكةَ قال: أمَا واللهِ إنى لأَخرجُ منكِ وإنى لأعلمُ أنك أحبّ بلادِ اللهِ إلى اللهِ، وأكرمهُ على اللهِ؛ ولولا أهلكِ أخرجُونى منك ما خَرجتُ.
وعن حب نبى الرحمة لمكة قال ابن عباس: ولو خُيِّرَ النبى الكريم (صلى الله عليه وسلم) فى مغادرة مكة طائعاً ما تركها أبدا،ً والله عز وجل قد بيَّن أن الذين تسببوا فى إخراجه هم كفارها، كما ورد فى الكتاب الكريم قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ هكذا جاء الوعد الإلهى كما بين أستاذ الفلسفة الإسلامية؛ فعندما هاجر النبى الكريم صلى الله عليه وسلم وهو فى الجحفة اشتد به الشوقُ إلى وطنِهِ مكةَ فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية، أى إلى مكة ظاهراً عليها.
وتجلّت مظاهر حب النبى (صلى الله عليه وسلم) لمكة، كما يقول الدكتور عبد الغني، فى الحنين الذى ظل يسكن قلب النبى الكريم إلى مكة الطاهرة المباركة، فلم يفارقه شوقه إليها حتى بعد الهجرة. فقد ورد فى بعض كتب السنة أنه حين قدم أُصيل الغفارى رضى الله عنه إلى المدينة بعد الهجرة، دخل على أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قبل أن يُفرض الحجاب، فقالت له: «يا أُصيل، كيف عهدت مكة؟». قال: «عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها»، فقالت: «أقمْ حتى يأتيك النبي». فلم يلبث أن دخل النبى (صلى الله عليه وسلم)، فقال له: «يا أُصيل، كيف عهدت مكة؟». قال: «والله، عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق أذخرها، وأسالت ثمامها، وأمشَّ سلمها». فقال (صلى الله عليه وسلم): «حسبك يا أُصيل، لا تُحزنَّا». وفى رواية: «ويحك يا أُصيل، دع القلوب تقر قرارها».
وتبع حبُّ النبى (صلى الله عليه وسلم) لمكة حبه للمدينة المنورة، فيقول «غريب»: حتى عندما استوطن النبى (صلى الله عليه وسلم) المدينة المنورة، وصارت له وطنًا، حظيت المدينة بدعائه الكريم، فكانت أرض هداية وبركة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «اللهمَّ حبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ، اللهمَّ باركْ لنا فى صاعِنا وفى مُدِّنا، وصحِّحْها لنا، وانقلْ حُمَّاها إلى الجُحفة».
وشدّد أستاذ العقيدة على حب النبى (صلى الله عليه وسلم) للمدينة المنورة، موضحًا أن نبى الرحمة (صلى الله عليه وسلم) دعا ربه سبحانه وتعالى أن يحببها إلى القلوب، فقال: «اللهم إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ فجعلَها حرامًا، وإنى حرّمتُ المدينةَ ما بين مأزَمَيْها؛ ألا يُراق فيها دمٌ، ولا يُحمل فيها سلاحٌ لقتالٍ، ولا يُخبط فيها شجرةٌ إلا لعلفٍ، اللهم بارك لنا فى مدينتنا، اللهم بارك لنا فى صاعنا، اللهم بارك لنا فى مُدِّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين، والذى نفسى بيده ما من المدينة شعبٌ ولا نقبٌ إلا عليه ملكان يحرسانها؛ حتى تقدموا إليها».
سلوك يومى ومسئولية
من معالم حب الأوطان الغامر، كما يروى أستاذ الفلسفة الدينية، أن المشاعر المباركة تفاعلت بين قلب النبى الكريم (صلى الله عليه وسلم) وبين جبلٍ يضم حجارةً صماء من موطنه المبارك فى المدينة الطاهرة، فقد قال أبو حميد الساعدى رضى الله تعالى عنه: «أقبلنا مع النبى (صلى الله عليه وسلم) من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة، قال: هذه طابة، وهذا أُحد، جبلٌ يحبنا ونحبّه».
تراب الأوطان علاج ودواء.. هكذا كان التعامل النبوى مع تراب الوطن، باعتباره دواءً للسقيم وعلاجًا للمريض والمحسود؛ فقد كان النبى الكريم (صلى الله عليه وسلم) يبلُّ أصبعه بريقه، ثم يضعه فى التراب، كما ورد فى حديث أم المؤمنين عائشة رضى الله تعالى عنها، أن النبى (صلى الله عليه وسلم) كان يقول للمريض: «بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفى سقيمنا، بإذن ربنا».
بدوره يوضح محمد رأفت فرج، الباحث فى مقارنة الأديان، أن حب الوطن فى الهدى النبوى الشريف ليس مجرد مشاعر عاطفية أو كلمات تُقال فى المناسبات، وإنما قيمة إنسانية وأخلاقية تتحول إلى سلوك يومى ومسئولية حقيقية تجاه المجتمع والدولة، فالسيرة النبوية قدمت نموذجًا متكاملًا فى الارتباط بالوطن، والحفاظ على أمن المجتمع، والتعاون بين أفراده، واحترام الحقوق والواجبات، ومواجهة كل ما يمكن أن يهدد استقراره ووحدته.
ويضيف أن الإسلام أقر حب الإنسان لوطنه باعتباره شعورًا فطريًا، لكنه فى الوقت نفسه وجه هذه المحبة لتكون طاقة إيجابية تدفع إلى البناء والإصلاح وخدمة الناس، بعيدًا عن التعصب أو احتقار الشعوب والثقافات الأخرى، فالإنسان يرتبط بوطنه من خلال ذكرياته وأسرته وأصدقائه ومراحل طفولته وتعليمه، فضلًا عن التاريخ والثقافة والرموز الوطنية، ولذلك فإن الوطن يمثل جزءًا مهمًا من ذاكرة الإنسان وهويته ووجدانه.
ولعل من أبرز المواقف التى تكشف عن عمق الارتباط بالوطن، كما يقول باحث مقارنة الأديان، ما ورد فى السيرة النبوية من تعبير النبى (صلى الله عليه وسلم) عن حبه لمكة عند خروجه منها مهاجرًا، فقد وقف وقال: «والله إنك لأحب بلاد الله إلى قلبى ولولا أن قومك أخرجونى منك ما خرجت»، وهو ما يؤكد أن محبة الوطن شعور فطرى لا يتعارض مع الدين، وأن الإيمان لا يلغى مشاعر الإنسان تجاه المكان الذى نشأ فيه وعاش بين أهله، مهما حدث ولذلك قال أحدهم «بلادى وإن جارت على عزيزة وأهلى وإن ضنوا على كرام”.
بناء مجتمع متماسك
يؤكد الباحث رأفت أن الهدى النبوى يعلمنا أن محبة الوطن لا تعنى الانغلاق أو رفض الآخر، وإنما تعنى الحفاظ على الوطن وخدمته مع احترام حقوق الآخرين، لافتا إلى أن المحبة الحقيقية للوطن لا تتوقف عند حدود المشاعر، وإنما تظهر فى الممارسات اليومية، مثل احترام القانون، والحفاظ على الممتلكات العامة، وإتقان العمل، والالتزام بالمسئولية، ومساعدة الآخرين، والحرص على أمن المجتمع واستقراره، وعدم نشر الشائعات أو تداول المعلومات المضللة، فضلًا عن مواجهة خطاب الكراهية والتحريض والانقسام، فالمواطن الذى يؤدى عمله بإخلاص، ويحافظ على المال العام، ويحترم حقوق الآخرين، ويسهم فى حل مشكلات مجتمعه، يقدم صورة حقيقية لمعنى الانتماء الوطني.
ويشدد على أن السيرة النبوية قدمت نموذجًا واضحًا فى بناء مجتمع متماسك يقوم على التعاون والتعايش وتنظيم الحقوق والواجبات، فانتقال النبى (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة لم يكن إلغاءً لحبه لمكة، وإنما كان بداية لبناء مجتمع جديد يحفظ الحقوق ويعزز الأمن والاستقرار ويؤسس لعلاقات قائمة على التعاون والوفاء بالعهود.
ويشير «رأفت» إلى أن حب الوطن لا يتعارض مع الانتقال إلى وطن جديد إذا اقتضت الظروف ذلك، كما أن الانتماء الحقيقى يرتبط بالمسئولية والعمل والإسهام فى بناء المجتمع، ولقد ظهر ذلك واضحًا فى مجتمع المدينة بالتعاون فى بناء المسجد وحفر الخندق وحماية المدينة وصد أى عدوان عليها.
ويشدد على أن حماية الوطن مسئولية مشتركة بين الدولة والمواطن، وأن الدفاع عن المجتمع وصيانة أمنه يجب أن يكونا فى إطار الحق والعدل والقانون، مع الالتزام بالضوابط التى تحفظ حياة الإنسان وكرامته وتصون حقوق الأبرياء، وترفض الفوضى والانتقام والاعتداء.
ويتابع: «الوفاء بالعهود واحترام النظام والتعاون بين مكونات المجتمع من المبادئ التى تؤكدها السيرة النبوية، وتظل ضرورية للحفاظ على استقرار الأوطان فى مواجهة التحديات المعاصرة، ولقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم أروع الأمثال فى توقيع وثيقة المدينة مع اليهود، وحفظه (صلى الله عليه وسلم) لبنودها غير أن اليهود بدأوا بالغدر والخيانة، فعاقبهم الرسول على خيانتهم”.
غرس قيمة الانتماء
إن المرحلة الراهنة تفرض ضرورة تنشيط الوعى المجتمعى بقيم الانتماء الوطني، كما يقول الباحث فى مقارنة الأديان، فى ظل سرعة انتشار الشائعات والمعلومات غير الدقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وما يمكن أن تسببه من إرباك للرأى العام وإضعاف الثقة وإثارة الخلافات، ولا شك أن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالمنع فقط، وإنما ببناء وعى قادر على التحقق من المعلومات، والتمييز بين الخبر الصحيح والمحتوى المضلل، وعدم إعادة نشر ما يثير الفتنة أو يهدد السلم المجتمعي.
وينبه إلى دور الأسرة فى غرس قيمة الانتماء منذ الصغر، من خلال تعليم الأبناء احترام الوطن وتقدير مؤسساته والالتزام بالقانون وتحمل المسئولية، وكذلك المدرسة والجامعة والمسجد ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدنى فى تقديم نماذج عملية للوطنية الإيجابية، وربط الاعتزاز بتاريخ الوطن وحضارته بمسئولية الحاضر، بحيث يصبح التاريخ مصدرًا للإلهام والعمل، وليس وسيلة للتعصب أو الصراع مع الآخرين.
ولم يغفل «رأفت» دور التربية الوطنية الواعية التى تقوم على معادلة متوازنة، وتجمع بين الاعتزاز بالوطن واحترام الشعوب الأخرى، وبين الدفاع عن المصالح الوطنية والالتزام بالقيم الإنسانية، فالوطنية لا تعنى كراهية الآخر، وإنما تعنى أن يكون الإنسان أكثر حرصًا على وطنه وأمنه واستقراره، وأكثر استعدادًا للمشاركة فى البناء والإصلاح.
ويختتم حديثه قائلاً: «إن ذكرى المولد النبوى الشريف تمثل مناسبة مهمة لاستعادة المعانى الأخلاقية والإنسانية التى قدمها النبى صلى الله عليه وسلم، وفى مقدمتها المسئولية وحفظ الحقوق والتعاون والرحمة وحماية المجتمع، فالوطن الذى نحبه حقًا هو الوطن الذى نشارك فى بنائه، ونحافظ على أمنه ومقدراته، ونحترم قوانينه، ونخدم أبناءه، ونورث الأجيال القادمة وعيًا حقيقيًا بأن الانتماء ليس شعارًا موسميًا، وإنما عمل وإخلاص ومسئولية وسلوك يومى».