مجددًا.. عاد الذهب إلى واجهة الأسواق العالمية بقوة، مسجلًا أعلى مستوى له منذ منتصف مايو، بعدما تجاوز حالة الركود التى هيمنت على أدائه خلال معظم فصل الصيف؛ إذ ارتفعت العقود الآجلة للذهب بنسبة 0.6 فى المائة لتصل إلى 4706.20 دولار للأوقية، بينما بلغت أسعار الذهب الفورية 4649.08 دولار للأوقية، محققة بذلك مكاسب للأسبوع الثالث على التوالى. وألقى هذا الصعود بظلاله على السوق المصرية، حيث واصلت أسعار الذهب ارتفاعها بمختلف الأعيرة.
وجاء هذا الصعود مدفوعًا بعدة عوامل، فى مقدمتها إعلان وزارة الخزانة الأمريكية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة ذات آجال الاستحقاق التى تتراوح بين 10 و20 عامًا، وبين 20 و30 عامًا، من مليارى دولار إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار لكل عملية، بدءًا من 9 سبتمبر المقبل، بهدف تعزيز السيولة وتهدئة موجة بيع السندات طويلة الأجل، فى وقت تجاوز فيه الدين الحكومى الأمريكى 40 تريليون دولار للمرة الأولى فى التاريخ. وقد أدى الإعلان إلى انخفاض عوائد سندات الخزانة وضعف الدولار، مما عزز من جاذبية المعدن النفيس كملاذ آمن، وزاد من إقبال المستثمرين عليه. فضلًا عن ضعف بعض مؤشرات الاقتصاد وسوق العمل، الأمر الذى عزز التوقعات بمزيد من التيسير النقدى ودعم أسعار الذهب.
ويأتى هذا الانتعاش بعد تراجع حاد للذهب من مستويات قياسية بلغت نحو 5600 دولار أمريكى فى بداية العام الحالى، وتسجيله أسوأ أداء ربع سنوى له منذ عام 2013 خلال الأشهر الثلاثة المنتهية فى يونيو، متأثرًا بتطورات الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وتحركات أسعار الطاقة، إلى جانب توقعات مسار أسعار الفائدة الأمريكية.
وفى ظل هذه التطورات، رفع بنك مورجان ستانلى توقعاته لسعر الذهب إلى 5000 دولار للأوقية بحلول 2027. ويعزى ذلك إلى تزايد الطلب على صناديق الذهب المتداولة (ETF)، التى استقبلت نحو 70 طنًا متريًا خلال يوليو وأغسطس، بعد خروج 93 طنًا خلال مايو ويونيو، بالتزامن مع استمرار البنوك المركزية فى تعزيز احتياطياتها؛ إذ أضافت الصين 60 طنًا إلى احتياطياتها هذا العام، بينما أضافت بولندا 82 طنًا لترفع إجمالى حيازاتها إلى 632 طنًا.
كما أظهر المسح السنوى لاحتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية، الذى أجراه مجلس الذهب العالمى ونُشرت نتائجه فى يونيو، أن 89 فى المائة من المشاركين يتوقعون ارتفاع احتياطيات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال العام المقبل، ما يدعم النظرة الإيجابية لأسعاره خلال الفترة المقبلة.

فى هذا السياق، قال المهندس سعيد إمبابى، المدير التنفيذى لمنصة «آى صاغة» لتداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت، إن «الارتفاع الحالى للذهب يعود إلى عدة عوامل، إلا أن العامل الأكثر تأثيرًا فى الموجة الأخيرة يتمثل فى ضعف الدولار عالميًا وتراجع عوائد السندات، بالتزامن مع تصاعد المخاوف بشأن مستويات الدين الأمريكى والسياسة المالية، وهو ما أعاد الذهب إلى الواجهة باعتباره ملاذًا آمنًا وأداة للتحوط. وقد تجاوز الذهب بالفعل مستوى 4600 دولار للأوقية، مسجلًا أعلى مستوى له منذ مايو الماضى. كما تترقب الأسواق ما سيصدر عن الاحتياطى الفيدرالى بشأن مسار أسعار الفائدة، الأمر الذى يزيد حساسية الذهب تجاه أى إشارات بشأن خفض الفائدة مستقبلًا».
«إمبابى» أضاف أن «مشتريات البنوك المركزية ما زالت تمثل عاملًا داعمًا مهمًا للذهب، لكنها -فى رأيه- ليست المحرك الرئيسى للقفزة الحالية. كما أشار إلى أن البنوك المركزية لا تزال تشترى الذهب لأسباب استراتيجية، خصوصًا لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار. ووفق بيانات مجلس الذهب العالمى، بلغت مشتريات البنوك المركزية 289 طنًا خلال الربع الثانى من 2026، بزيادة 62 فى المائة على أساس سنوي».
وبسؤاله عن أفضل استراتيجية للتعامل مع الذهب فى ظل ارتفاعاته الحالية، أوضح «إمبابى» أنه «لا ينصح بالتعامل مع الذهب بمنطق المضاربة قصيرة الأجل، خصوصًا بعد الارتفاعات القوية التى شهدها مؤخرًا».
وتابع أن «من يملك الذهب بالفعل ولا يحتاج إلى السيولة، فإن الاحتفاظ به يظل الخيار الأفضل على المديين المتوسط والطويل. أما من يريد الشراء، فأفضل استراتيجية فى المستويات الحالية هى الشراء التدريجى وعلى دفعات بدل الدخول بكامل السيولة عند مستويات مرتفعة. فى المقابل، من حقق أرباحًا كبيرة ويحتاج إلى السيولة يمكنه جنى جزء من الأرباح، لكنه لا يرى أن موجة الصعود الحالية تعنى بالضرورة أن الوقت مناسب للخروج الكامل من الذهب».
وبشأن إمكانية تسجيل الذهب قممًا قياسية جديدة، أشار «إمبابى» إلى أن «احتمالات تسجيل قمم جديدة ما زالت قائمة، خصوصًا أن العوامل الداعمة للذهب لم تنتهِ، وعلى رأسها مخاطر الديون، ضعف الدولار، مشتريات البنوك المركزية، والتوترات الجيوسياسية. لكن يجب أن نتوقع موجات تصحيح وهبوط قوية أثناء الصعود، لأن الذهب أصبح أكثر تقلبًا».
كما لفت إلى أن الذهب سبق أن سجل قمة تاريخية فى يناير 2026 عند نحو 5602 دولار للأوقية، وبالتالى فإن تجاوز مستوى 4600 دولار لا يعنى أننا أمام قمة تاريخية جديدة، وإنما نحن فى مرحلة استعادة للاتجاه الصاعد بعد التصحيح الكبير الذى شهده السوق.
وفى ختام حديثه، توقع «إمبابي» أن يتحرك الذهب بنهاية 2026 فى نطاق الـ 5000 دولار للأوقية فى السيناريو الأساسى، مع إمكانية تجاوز ذلك إذا حدثت تطورات قوية فيما يتعلق بخفض الفائدة الأمريكية أو الديون الأمريكية أو التوترات الجيوسياسية، مشددًا على أهمية التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها توقعات وليست مستويات مؤكدة، لأن الذهب فى المرحلة الحالية شديد الحساسية لأى تغير فى السياسة النقدية الأمريكية أو حركة الدولار وعوائد السندات.

من جانبه، قال عمرو المغربى، عضو مجلس إدارة شعبة الذهب باتحاد الغرف التجارية، إن «أسعار الذهب تشهد خلال الفترة الأخيرة ارتفاعًا فى البورصة العالمية، ويعزى ذلك إلى عودة الصين لشراء كميات كبيرة من الذهب، كما أن استقرار الأوضاع على الصعيد العالمى، ولا سيما فيما يتعلق بالحرب بين إيران والولايات المتحدة، دفع الدول إلى تعزيز مشترياتها من الذهب مرة أخرى».
وأضاف أن «الأسعار قد تشهد مزيدًا من الارتفاع خلال الفترة المقبلة، خاصة بعد موجة الهبوط التى شهدها الذهب فى الفترة الأخيرة»، مؤكدًا أنه مهما شهدت أسعار الذهب من تراجعات، فإنها سرعان ما تعاود الصعود واستهداف أعلى مستوياتها السابقة، بل وتتخطاها.
«المغربى» أشار إلى أن «الارتفاع الحالى قد يمثل بداية لموجة صعود جديدة، لكنه قد يكون أيضًا ارتفاعًا مؤقتًا يعقبه انخفاض فى الأسعار»، لافتًا إلى أن حركة الذهب تظل مرتبطة بالتطورات الاقتصادية والاضطرابات العالمية.