«العمى.. نتيجة منتظرة».. حقيقة طبية واضحة غير أن هناك منْ أصر التعامل معها كونها «وجهة نظر» لم يقبلها وقرر المضى قدمًا فى طريق إجراء واحدة من أخطر العمليات التجميلية التى انتشرت فى الآونة الأخيرة وتحولت إلى ما يمكن وصفه بـ«التريند»، وهى عملية «تغيير لون العين».
رغم مرور فترة لا بأس بها على ظهور «هوس تغيير لون العين»، فإن الأيام القليلة الماضية كانت شاهدة على حالة من الجدل شهدتها الأوساط الطبية الرمدية حول عمليات تغيير لون العين بهدف تجميلى، مع الأخذ فى الاعتبار أن هذا الإجراء يروج له عدد محدود جدا من جراحى العيون، ويلاقى هذا الأمر رفضا قاطعا من قبل جموع الأطباء المتخصصين لكونه إجراء غير مصرح به عالميا ولمخاطره التى قد تصل إلى فقدان الابصار.
«الربح الضخم».. السبب وراء انتشار مثل هذا النوع من العمليات التجميلية، فجلسة واحدة قد يصل سعرها إلى ألفى دولار، ما يعادل مائة ألف جنيه، وكل عين تحتاج إلى 10 جلسات فى المتوسط، وبحسبة بسيطة فإننا نتحدث هنا عن إجمالى تكلفة يصل إلى ما يقرب من مليون جنيه.
رفض الأوساط الطبية الرمدية عبر عنه بيان أصدرته الجمعية الرمدية المصرية حذرت خلاله من عمليات تغيير لون العين، وأوضح البيان، أنه «بالنسبة لعمليات تغيير لون العين سواء بتفتيح لون القزحية باستخدام الليزر أو زراعة قزحية صناعية ملونة فإن الجمعية الرمدية المصرية قد نبهت قبل ذلك مرارا فى النشرة الدورية الخاصة بها بدءا من فبراير ومارس 2023 بعدم إجراء أى نوع من جراحات تغيير لون العينين بغرض التجميل كونها تؤدى إلى مضاعفات خطيرة بالعين قد تصل إلى العمى فى حالات ليست بقليلة، ويستثنى فقط حالات القرنية المشوهة لعين واحدة فقط غير مبصرة».
الجمعية الرمدية المصرية، أضافت فى بيانها أنه «لا يزال موقف الجمعية ثابتا تجاه هذه العمليات بالرفض التام لها، كما تهيب الجمعية الرمدية المصرية بالسادة أطباء العيون بعدم ممارسة هذه الجراحات أو عمل أى دعاية لها والالتزام التام بالمعايير العلمية والأخلاقية تجاه مهنتنا الغالية وتجاه كافة المرضى والمواطنين وكذلك الالتزام بالقانون المصرى الذى يؤكد على أمن وسلامة صحة المواطن فى الممارسات الطبية».
بعد صدور بيان الجمعية بعدة ساعات خرج الدكتور أسامة النحراوى، أستاذ وجراح العيون بكلية الطب - وهو فى مقدمة المروجين لعمليات تغيير لون العين - من خلال فيديو عبر حسابه الشخصى على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» معلنًا توقفه عن إجراءات تجميل لون العين بالليزر والفيمتوليزر وأن التركيز كله فى أمراض وجراحات العيون.
«د. أسامة»، قال: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعزائى من المتابعين والمرضى والقادمين لإجراء بالعين خاص وبلون العين، أحب أعرفكم أننى توقفت عن عمل تفتيح لون العين بالليزر أو تلوين القرنية بالفيتمو ليزر وهناك جدل طبى وعلمى وهذه قضية على مستوى العالم وفى كثير من المراكز والمجموعات، لكن لازم أتوقف، الموضوع به شكوك، مضطر أن أتوقف ومقتنع أن أتوقف، ومن فضلكم محدش يطلب منى هذا الإجراء لو سمحتم، زمان كنا بنعمل القزحية الملونة وكان لها مشكلات كثيرة وتوقفت عن إجرائها منذ 2018، وحتى ما أنا مقتنع به وأن تلوين القرنية آمن وهناك الكثير مما نشر، بالرغم ذلك أنا توقفت عن هذا الأمر، فلا أحد يرتب أو يتصل بى بشأنه، أنا أستاذ بكلية الطب وأركز فى تصحيح الابصار، زرع القرنية، تثبيت القرنية، الفيتمو ليزر وهى المجال أساسى فلا أقول أعتذر لكم ولكن أنبه حضراتكم أننى توقفت عن إجرائها، فلا أحد يحضر للعيادة أو يراسلنى ويطلبهم مني».
من جانبها أحالت نقابة الأطباء الطبيب «أ، أ» للتحقيق بسبب إجراء عمليات لتغيير لون العين، وحذرت من عمليات تغيير لون العين لأغراض تجميلية، لأن لها مضاعفات خطيرة قد تصل إلى فقدان البصر.
وجاء بيان النقابة موضحا أن «النقابة العامة للأطباء تلقت عددًا من الشكاوى ضد طبيب العيون أ. أ، لإجرائه عمليات لتغيير لون العين لأغراض تجميلية، سواء من خلال تفتيح لون القزحية باستخدام الليزر، أو عن طريق زراعة قزحية صناعية ملونة».
وفى ضوء هذه الشكاوى، تواصلت النقابة مع الجمعية الرمدية المصرية للوقوف على الرأى العلمى بشأن هذه الإجراءات، حيث أكدت الجمعية أن موقفها من عمليات تغيير لون العين لأغراض تجميلية ثابت، ويتمثل فى الرفض التام لإجرائها، وبناءً على ذلك، قررت النقابة العامة للأطباء استدعاء الطبيب للتحقيق أمام لجنة آداب المهنة بالنقابة.
وناشدت النقابة العامة للأطباء المواطنين عدم الانسياق وراء الدعاية أو العروض الخاصة بإجراء عمليات تغيير لون العين لأغراض تجميلية، وعدم الإقدام على هذه الإجراءات، لما قد تحمله من مخاطر جسيمة على صحة العين والإبصار.
كما ناشدت النقابة جموع الأطباء الالتزام التام بالمعايير العلمية والأخلاقية للممارسة الطبية، وعدم إجراء أو الترويج لأى تدخل طبى لا تثبت سلامته وفعاليته، ولا يستند إلى الدلائل الإرشادية العلمية والقواعد الطبية المستقرة والمتعارف عليها.
وفى هذا السياق، قال الدكتور طارق شعراوى، أستاذ طب وجراحة العيون بجامعة جنيف السويسرية: عمليات تغيير لون العين تمثل مشكلة كبيرة، فأصبح فى الدول العربية أطباء يمارسون إجراء تغيير لون العين، ويقومون بهذا الإجراء بعدة طرق، منها زراعة جهاز فوق قزحية العين لتغيير لون العين، وهذا إجراء كارثى وينتج عنه مشكلات ضخمة جدا ومن الممكن أن يؤدى إلى العمى، إجراء آخر عن طريق عمل وشم « تاتو» على القرنية لتغيير اللون، والإجراء الثالث هو حرق القزحية بجهاز الليزر حتى تفقد الحبيبات الملونة بها وتصبح فاتحة اللون، وكل هذه الإجراءات غير مصرح بها فى العالم لأنها علاجات غير مقبولة وتنتج عنها كوارث كثيرة، ولا نوصى بها ونحذر المواطنين من الانسياق وراء الإعلانات البراقة المضللة.
«د. طارق»، فى سياق حديثه حذر من الانسياق وراء مثل هذه الترندات قائلا: يجب البعد نهائيا عن مثل هذه الأفكار الكارثية، وإذا كان هدف شخص ما تغيير لون عينه لأسباب تجميلية، فمن الممكن استخدام العدسات اللاصقة الملونة، لأنها أقل ضررا بكثير من التدخل الجراحى أو التدخل بالليزر، فلا يجب الانسياق وراء إعلانات براقة على السوشيال ميديا تهدف لجذب الأفراد والترويج على أنها عمليات وإجراءات آمنة وأنها أجريت فى دول كثيرة، فهذه كلها معلومات غير حقيقية، فهى عمليات غير آمنة وغير مصرح بها ولا توجد دولة فى العالم تصرح بهذه العمليات، كما أن كل المنظمات العالمية اتخذت موقفًا ضد عمليات تغيير لون العين، منها الأكاديمية الأمريكية للعيون، المنظمة الأوربية للكتاركت وتصحيح الإبصار، وكذلك الجمعية الرمدية المصرية، وكذلك جمعيات رمدية فى دول عربية لها نفس الموقف المعارض لهذه التدخلات غير المصرح بها.
وتابع أنه «بالنسبة لتبرير البعض لإجراء هذه التدخلات بوجود فتوى تجيزها، فحاليا قيادات الرمد فى مصر والعالم العربى بصدد تصحيح هذه الفتوى، لأنها صدرت وفق سؤال بطريقة معينة، وتوضيح أن هذا الإجراء غير مناسب نظرا لأضراره، فنتحدث عن الإجراء من الناحية العلمية والطبية الرافضة لهذا الإجراء، وحاليا جارٍ التواصل مع دار الافتاء وشيخ الأزهر ووزير الأوقاف، أيضا وزير الصحة مهتم بالموضوع، وكذلك نقابة الأطباء»، مضيفًا أن «القصة تعود إلى أنه منذ شهر تقريبا نناقش أحد الزملاء فى أكثر من محفل علمى، والنقاش قائم على خطأ ما يقوم به من عمليات لتغيير لون العين، لكنها تمنع تماما، لذا كثير من أطباء الرمد بدأوا فى اتخاذ موقف واضح رافض لهذه العمليات، حتى أعلن توقفه عن إجراء هذه العمليات».
«د. طارق»، انتقل بعد ذلك للحديث عن مخاطر هذه العمليات، موضحًا أنها «تعرض القرنية لفقدان شفافيتها والعمى، الإصابة بالمياه الزرقاء، وتعرض العين إلى التهابات شديدة، وكذلك فرص الإصابة بالمياه البيضاء، وفى النهاية قد ينتج عنها العمى، فهى كارثة بكل المقاييس، لذا شكلنا مجموعة من كبار أطباء العيون فى الوطن العربى، وكل الدول العربية ممثلة، لاتخاذ موقف ضد عمليات تغيير لون العين، وكذلك الجمعيات الرمدية، ومنها الجمعية الرمدية المصرية وهى الجمعية الأم التى تأسست منذ عام 1901، أصدرت بيانا ترفض فيه هذه العمليات وتحذر منها».
وقال «د. طارق» أن «ممارسة الطب خارج قواعده الطبيعية وخارج الحدود المتفق عليه ما بين الأطباء، يجب أن يخضع لإشراف جهات علمية موثوق بها، بحيث عندما يقبل المريض الدخول ضمن دراسة علمية يكون على علم بأنه دخل حقل تجارب وأنه لا يجرى عملية آمنة»، مشددًا فى الوقت ذاته على أهمية التوعية فى مواجهة تكرار مثل هذه الحالات، وهذه مسئولية مجتمعية، تقع فى جزء منها على عاتق العلماء والمتخصصون، لكن المسؤولية الأكبر على وسائل الإعلام، فالمعلومات الصحيحة يجب أن تصل عبر الإعلام للمواطنين لحمايتهم، وبدأت كأحد المتخصصين خلال الفترة الماضية توضيح رفضى لهذه العمليات والإجراءات غير المصرح بها، فلست موافقا عليها وهذا من صميم تخصصى، فالدخول على عين سليمة والتعامل معها بإجراء كأنه مثل صبغ للشعر أمر غير مقبول، فالموضوع خطير، فيه تدمير لأجزاء من العين لتغيير اللون، وحرق جزء من العين بالليزر، وهذه إجراءات غير منطقية.
وقال «شعراوي»: نحن فى عالم أصبح التركيز على الشكل أكثر من المضمون، وأصبح الهوس بالنموذج المثالى للشكل فى تزايد، وأن يصل هذا التوجه إلى الضغط بصورة أو بأخرى على الأشخاص لتغيير لون العين بحثا عن النموذج المثالى للون العين بشكل غير علمى فهذه كارثة.
بدوره، قال الدكتور عصام عبد الغفار، أستاذ طب وجراحة العيون بكلية الطب بجامعة القاهرة: عمليات تغيير لون العين الدائم بغرض التجميل غير متفق عليها وغير مصرح بها، وتغيير لون العين بدأ منذ 2010 وكانت البداية لأغراض مرضية وتجميلية، فمن يريد أن يغير لون العين كتجميل تتم عن طريق العدسات اللاصقة الملونة، لكن هناك بعض الحالات تعانى من وجود سحابة على القرنية وتكون القرنية بيضاء وتظهر فى حالتين، الأولى سحابة بيضاء على القرنية وتكون باقى أنسجة العين سليمة وهنا نجرى زرع قرنية بغرض الرؤية، والثانية القرنية بيضاء لكن باقى أنسجة العين غير سليمة، وهنا حتى لو تم وضع قرنية لن يرى، وهنا قد يريد المريض تغيير شكل بياض القرنية، وفى هذه الحالة توجد عدسات لاصقة تغير شكل البياض لهذه الفئة من خلال لون يشبه لون العين الأصلى كتدخل مؤقت.
وتابع : توجد تدخلات كجراحة بهدف التجميل كلون دائم من خلال صبغة للقرنية، أو من خلال القزحية، ولون القزحية له علاقة بنسبة الخلايا الصبغية فى القزحية، وكلما زادت الخلايا كان اللون أغمق، ولتغيير اللون يتم الدخول بالليزر لتبخير الخلايا الصبغية بالقزحية، وهذا التدخل له أضرار كثيرة من التهابات بالعين وارتفاع ضغط العين والمياه الزرقاء وفقدان الإبصار، أيضا من خلال زرع طبقة ملونة مصنوعة من السيلكون فوق قزحية العين، وهذه تستخدم فى الأساس للحالات التى تعانى من عدم وجود جزء من القزحية نتيجة حادث أو عيب خلقى، وهنا التدخل يكون بزرع المادة الملونة على سطح القزحية وهذه مخاطرها كثيرة، وبالنظر لبيان الجمعية الرمدية المصرية يوضح أن مثل هذه الإجراءات غير مصرح بها منظمة الغذاء والدواء الأمريكية، لهذه التدخلات بهدف التجميل، فقط الصبغة للحالات التى تعانى من مشكلة بياض القرنية، لأن المريض فى الأصل لا يرى وبالتالى لا توجد مخاطر.
«د. عصام»، أضاف أنه «توجد استخدامات طبية للتدخلات، ولكن أسيء استخدامها لأهداف تجميلية غير مصرح بها، وهذا ما نبتعد عنه، وهذا يتفق مع بيان الجمعية، بأنه مسموح بذلك الإجراء للمريض الذى لا يرى ويعانى من بياض العين، يتم تلوين العين، لكن استعمالها كتغيير لون دائم لعين سليمة هذا هو الخاطئ وغير متفق عليه عالميا، وفى 2010 بدأ تلوين العين لأغراض طبية، وفى 2016 بدأ استخدامها كتغيير لون تجميلى، وهذه لا تزال عليها علامات استفهامات عالميا، وتجرى بأعداد قليلة لأنها غير مصرح بها لخطورتها العالية على العين وعلى الرؤية».
كما حذر «د. عصام» من الانسياق وراء الإعلانات على السوشيال ميديا، مع ضرورة التردد على أكثر من طبيب والسؤال حول الإجراء المعلن عنه، خاصة أن الخطأ قد يصل لفقدان الرؤية، وبالتالى فالتعرض لإعلانات غير متفقة مع الواقع والمنطق، وليست إجراء شائعا لدى المجتمع الطبى، وإجراء غير متفق عليه، فيجب عدم الانسياق وراء مثل هذه الإعلانات دون داعٍ، ولابد من البحث، ومعرفة المخاطر لأنها ممكن تسبب فقدان الإبصار.
وقال: عمليات تغيير لون العين بهدف التجميل تعد كارثة، فإذا كان هوس التجميل فى تزايد ووصل إلى العين، فالأسهل هو استخدام عدسة لاصقة ملونة، لمن يريد تلوين عينه دون مخاطر قوية، فحول العالم يوجد 100 مليون شخص يستخدمون العدسات اللاصقة الملونة، لكن مثل هذه الجراحات الدائمة لتغيير لون العين لا تزال عليها علامات استفهام عالميا وليس فى مصر فقط، وبالتالى لا يجب الانسياق وراءها دون دراسة ومعرفة فليس كل ما يُقال على السوشيال ميديا يصدق، ومن المهم التوعية من كافة الجهات المعنية بمثل هذه التدخلات الطبية غير المصرح بها، وأن يتم نشر البيانات التحذيرية لمختلف الفئات وليس للمجتمع الطبى فقط.