رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الإرهـابيـة».. جماعة «التشفى والشماتة»


27-8-2026 | 14:52

.

طباعة
تقرير: مروة سنبل

«الإسلام هو الحل».. الشعار التاريخى الذى لطالما حاولت جماعة الإخوان الإرهابية استمالة شريحة كبيرة من المواطنين، غير أن ما حدث خلال «عام حكم الإخوان» والأعوام التالية له كشفت -بما لا يدع مجالًا للشك- أن الجماعة الإرهابية كانت ترى فى «الإسلام.. الحل لكل مؤامراتها وأطماعها»، وهو ما كشفه الشعب المصرى فى غضون أشهر قليلة من «حكم المرشد والذين معه»، فلا يوجد فى قاموس «الإخوان» مصطلح «الانتماء للوطن»، أو مراعاة حياة المواطنين ومصالحهم، ولكن ما يهم هو تحقيق أهدافها، وعلى مدار سنوات أثبتت الجماعة أن ولاءها لا يعرف معنى كلمة وطن، فيفرحون فى أزماته ويشمتون فى المرض أو الوفاة لأى شخصية عامة تناهض أفكارهم.. وتزامنا مع ذكرى مولد النبى محمد -صلى الله عليه وسلم-، تتجلى مفارقة صارخة بين شعارات جماعة الإخوان الدعوية وبين ممارساتها على الأرض، وأبرزها ظاهرة الشماتة فى آلام الآخرين.

 

وكان النبى محمد -صلى الله عليه وسلم- قدوة فى احترام الإنسانية، ولم يُعرف عنه يومًا أنه شمت فى مريض أو فرح بهلاك، وقد مرت جنازة بالنبى -صلى الله وعليه وسلم- فقام لها، فقيل له: «إنها جنازة يهودي»، فقال عليه الصلاة والسلام: «أليست نفسًا؟»، ما يؤكد على احترام حرمة الموت وآدمية الإنسان بصرف النظر عن دينه.

على منصات التواصل، لا يستحى عناصر الإخوان من الدعاء على خصومهم بمختلف الأمراض والمصائب، يتجاهلون أن المرض والموت قدر من الله لا يملك مخلوق دفعه أو جلبه، وبمجرد إصابة أى شخصية عامة بعارض صحى أو وفاتها، تبدأ الكتائب الإخوانية سباقا فى الشماتة.

وحين يضرب زلزال أو يغرق قارب أو حادث لقطار أو انقطاع للكهرباء تجد الجماعة الإرهابية «فرصة تاريخية» للتشفى فى أزمات الوطن، ويتحول المرض الذى يستدعى الشفقة إلى دليل «غضب إلهي»، ويتحول خبر وفاة خصم سياسى إلى مادة للسخرية والاحتفال، وتحويل صفحات النعى إلى منشورات تصل إلى حد الإجرام.. تبث الجماعة سمومها فى ثوب انتصار زائف، تعتقد واهمة أن الابتلاء لا يصيب إلا خصومها، وأنهم بمأمن منه.

«الشماتة الإخوانية» لا تخرج كفعل فردى، لكنها تكون منظمة عبر كتائب إلكترونية، وقودها أفراد الجماعة التى رفعت شعارات الدين زورا وبهتانا، لينكشف فساد أيديولوجيتهم، وأن ارتباط خطابهم الدينى بوسائل التشفى والشماتة هو إعلان صريح بانسلاخ هذه الجماعة من كل ضوابط الدين وقيم الإنسانية التى جاءت بها الشرائع السماوية، فلا حرمة لديهم عند الموت، ولا رحمة عند المرض ولا وطن عند الأزمة.. لم يبقَ عندهم إلا مصلحة التنظيم، ولو كان ثمنها الوطن وأفراده.

لم تبدأ الشماتة عند الإخوان بمنشور على «فيسبوك»، بل بدأت بتأصيل فكرى فى أدبياتهم: «نحن أهل الحق، وغيرنا أهل باطل».. فقد أسس سيد قطب فى كتاب معالم الطريق لثنائية دار الإسلام ودار الكفر، تفصل بين «المجتمع الجاهلي» و«المجتمع المسلم»، وقال إن «المجتمع الجاهلى هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم... وهو واقع فى جاهلية وليس فى إسلام، ولا بد من إعادة إنشاء هذا المجتمع من جديد».. هذا النص استخدم لاحقًا لتبرير الإخوان بأن «مصائب المجتمع الجاهلى ليست مصيبتنا، فالمجتمع الجاهلى لا يستحق المواساة لأنه شريك فى الظلم».

وفى كتابه «فى ظلال القرآن» ذكر «قطب» أن «سنة الله ماضية فى إهلاك الظالمين، ولو بعد حين»، ليتم تفسير كل كارثة أو مرض أو موت على أنها «سنة الله فى إهلاك الظالمين»، فتصبح الكارثة دليل شرعية، حيث نقل «قطب» الخصومة من مستوى السياسة إلى مستوى العقيدة، فـ«الجاهلي» لم يعد مواطنا مختلفا معك، بل خصم وجودى، وبالتالى فإن أى مصيبة تصيبه تصبح «سنة كونية» لا تستدعى العزاء، هذا التأصيل هو الأرضية الفكرية التى قامت عليها كل حالات التشفى اللاحقة.

بالإضافة إلى «ثقافة المظلومية» وهو ما انتهجته الجماعة حيث حولت نفسها إلى ضحية، وأن منطق الضحية يبرر التشفي!، ويرى الخبراء أن الجماعة الإرهابية، تستخدم الشماتة والتشفى بديلاً وهميًا للنصر لتعويض قواعد الجماعة عن الخسائر والإخفاقات المستمرة...

وفى هذا السياق، قال منير أديب، الباحث فى شئون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولى، إن «ممارسة التشفى التى يتبناها تنظيم الإخوان تجاه خصومهم عند المرض أو الوفاة تمثل مؤشرا واضحا على اضطراب نفسى وأخلاقى متجذر فى بنية التنظيم، وهذا الاضطراب لا يقتصر على القيادات بل يشمل الأعضاء، ويتجسد فى انعدام الضبط الانفعالى والإنسانى الذى يفترض أن يحكم سلوك الأفراد فى أوقات الأزمات».

وأضاف «أديب» أن «استمرار حالة العداء حتى فى لحظات الضعف الإنسانى كالمرض والموت، تكشف عن فساد ما يؤمن به هؤلاء وفساد الأيديولوجيا التى تحرك التنظيم، فهى أيديولوجيا قائمة على الإقصاء والكراهية تجعل من معاناة الآخرين مناسبة للاحتفاء، والأصل فى الطبيعة الإنسانية أن الخصومات السياسية تتراجع أمام آلام المرض والموت، لكن غياب هذا الإحساس لدى الإخوان يؤكد وجود خلل قيمى وتنظيمى عميق، فقد يتخلى الإنسان عن بعض القيم أو الشعارات، لكنه لا يتخلى عن إنسانيته، أما فى حالة الإخوان فإن القيم الفاسدة التى يؤمنون بها تدفعهم إلى ممارسة الشماتة، وهو ما يعكس مرضا نفسيا وأخلاقيا وتنظيميا قبل أن يكون موقفا سياسيا».

«أديب»، أشار إلى أن «الشماتة فى موت الآخرين أو مرضهم تتناقض مع القيم الأخلاقية والإنسانية، فضلا عن تعارضها مع التعاليم الدينية التى تحض على الرحمة والتعاطف»، معتبرا أن هذا السلوك يسقط الادعاء بأن الجماعة تمثل خطابا دعويا، ومؤكدا أن المرض ليس هزيمة سياسية، ولا انتصارا لخصم، ولا نتيجة يمكن الاحتفال بها، المرض لحظة ضعف إنسانى، يقف فيها الإنسان مجردًا من موقعه وخصومته وخطابه، ويصبح الألم هو اللغة الوحيدة التى يفهمها الجميع، قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم»، ثم يأتى النهى صريحا عن اللمز والتنابز، والأجمل أن المعنى نفسه يتردد فى الإنجيل «لا تشمت بى يا عدوى، إذا سقطت أقوم»، فلا يوجد كتاب سماوى يقرّ أفعالهم! كأن الرسالة الإنسانية، قبل أن تكون دينية، واحدة «لا تجعل ألم خصمك عيدًا لك».

وأوضح «أديب» أن «سيكولوجية الشماتة عند المتطرفين تستحق التأمل؛ لأن المتطرف لا يرى خصمه إنسانًا كامل الإنسانية، وإنما يحوله إلى رمز للعدو، وحين يحدث ذلك، يصبح سقوط الشخص عنده سقوطا للفكرة التى يمثلها، فيفرح بالألم كما لو كان انتصارًا لقضيته، وهذه واحدة من أخطر آليات التطرف، نزع الإنسانية عن الخصم، ثم اعتبار إيذائه فضيلة، ولهذا لا تتوقف الشماتة عند المرض؛ هى نفسها التى رأيناها أحيانًا عند موت خصوم سياسيين أو تعرضهم لمحن وكوارث، وكأن الموت عند هؤلاء لا يوقظ الرحمة، بل يستدعى الثأر المؤجل».

وأكد «أديب» أن «الاختلاف يكشف أفكارنا، أما المرض فيختبر إنسانيتنا، وحين يفرح إنسان بمرض خصمه، فالمشكلة لم تعد فى الخصومة، وإنما فى شيء أعمق، فى الإنسان الذى بداخلنا، هل ما زال حيا أم مات قبل أن يموت صاحبه».

فى السياق، قال إبراهيم ربيع، الباحث فى شئون الجماعات الإرهابية، إن «تنظيم الإجرام الإخوانى شجرة خبيثة جذعها الخيانة والتآمر وفروعها الكذب والاستباحة وأوراقها الانتهازية والاستغلال وثمارها التدمير والخراب، ولابد أن ندرك طبيعة التنظيم وعلاقاته الداخلية والإقليمية والدولية وتحالفاته مع تنظيمات ومجموعات إرهابية محليا وإقليميا ودوليا، وندرك طبيعة مكونات الشخصية الإخوانية ومكوناتها النفسية والأخلاقية، كما أن الفرد الإخوانى يخضع لعملية غسيل دماغ مركبة ومعقدة ومتراكمة تنزع منه الضمير والتفكير والتعبير، وتزرع فيه بذرة الشماتة والغل والحقد والانتقام».

وأوضح «ربيع»، أن «شماتة الإخوان وتشفّيهم ليست ردود فعل عفوية، بل تعبير مباشر عن أيديولوجية قائمة على «نحن مقابل الآخر»؛ فالجماعة الإرهابية تؤمن بأن الشرعية ليست للوطن بل للتنظيم، وأن أى أذى يصيب الخصوم يُفسر دينيا كـ«عقوبة إلهية» لتبرير الكراهية، هذا الخطاب يُستخدم كأداة للتعبئة الداخلية وترويع خصومهم، ويفضح إفلاسهم القيمى والأخلاقى، واستغلالهم للدين كغطاء لتبرير خطاب الكراهية والانتقام».

وأضاف: أسست القوى الاستعمارية الإنجلوأمريكية تنظيم الإجرام الإخوانى ليكون جيش احتلال مدنيا يقوم بتهيئة الشعوب والمجتمعات للخضوع لإرادة المستعمر بالاحتلال المدنى فإن لم يكن فبالإرهاب والقتل، وليتمكن من أداء مهمته تم رسم مسارين يسلكهما: «مسار التهيئة ومسار السيطرة»، وليمتلك القدرة على المضىّ قدمًا فى مسار التهيئة كوّن جناحين هما الجناح الدعوى لاستقطاب وتجنيد المستهدفين من خلال المتاجرة والمزايدة والتستر بالدين، والجناح الإعلامى ليقوم بالكذب والتدليس وترويج الشائعات، ولتحقيق مسار السيطرة، كوّن جناحين آخرين هما الجناح الاقتصادى لتلقى التمويل وإعادة استثمار أموال التنظيم والتلاعب والتحكم فى أقوات الناس من خلال تجارة الجملة وتجارة العملة، والجناح المسلح ليقوم بالردع وتصفية من يكون وجوده تهديدا أو تعطيلا لمشروع ومهمة التنظيم.

وأضاف «ربيع» أن «أركان العقيدة الإخوانية خمسة وهى الاستباحة: للدم، المال، العرض، المقدسات، المحرمات. والاستغلال: للدين، الدماء، الأعراض. والانتهازية: للمواقف. والشماتة: فى المرض والموت وأزمات الظواهر الطبيعية. والكذب: تزوير الحقائق، تكرار الأكاذيب، نشر الشائعات. والمتاجرة بالدين، الدماء، والأعراض»، مشيرًا إلى أنه «وفق العقيدة التنظيمية والدين الإخوانى الموازى، القيام بالمباح والمحرم لتحقيق أهدافهم؛ ففى عقيدتهم «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» كل شيء واجب مباح أو محرم واجب طالما سيحقق مرادهم، أما عن الإرهاب والقتل واستباحة الدماء فتاريخ التنظيم منذ بداياته ظاهر للعيان ومحفور على جدران التاريخ الأسود لتنظيم الإجرام الإخواني».

وعن سيكولوجية «المتشفّى» من الناحية النفسية، حذر الدكتور وليد هندى، استشارى الصحة النفسية، من الشماتة والهجوم الشخصى على مواقع التواصل الاجتماعى، معتبرا أن الخلاف فى الرأى أو الموقف السياسى والفكرى لا يبرر استهداف الأشخاص أو التشفى فيهم خلال أوقات الضعف الإنسانى.

وقال «د. وليد»، إن «الاستخدام المفرط للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى يؤثر فى طريقة عمل الدماغ والإدراك والتفاعل الاجتماعى، وقد يسهم فى زيادة التشتت الذهنى والسلوك العدوانى السلبى، بحيث يتحول الشخص المختلف فى الرأى إلى خصم يجب مهاجمته»، مضيفًا أن «ما يؤجج ذلك أن الأمر لا يقتصر على السوشيال ميديا وتصميمها الذى يؤثر على بنية الدماغ فحسب، بل يمتد ليشمل مَن يتعمدون استهداف الوطن عبر رموزه وقواه الناعمة، سواء كان لاعب كرة، أو فنانا، أو إعلاميا، فإننا نواجه اليوم هجوما إلكترونيا ممنهجا، وسبابا إلكترونيا، ولجانا إلكترونية، كل هذه الأدوات تؤجج مشاعر الناس، وتهيئهم لإخراج أسوأ ما لديهم عند أى خلاف»، مؤكدا أن «حملات الهجوم الإلكترونى واللجان الإلكترونية، بكل أدواتها من تغريدات وترندات وهاشتاجات، تسهم فى تأجيج مشاعر الغضب والكراهية».

وأوضح أن «الشماتة فى مرض أو ضعف شخص آخر، تشير من الناحية النفسية إلى خلل عقلى وعدم قدرة على تنظيم المشاعر وهوية مضطربة، وهو انعكاس لقلب ممتلئ بالسواد وتلوث للفطرة السلمية»، داعيا إلى عدم التعامل مع الإساءة بالإساءة أو تحويل الخلافات إلى مبرر للتشفي.

وشدد «هندي» على أن الإنسان السوى يستطيع أن يقابل الإساءة بالحسنة، مستشهدا بالسيرة النبوية فى التعامل مع مَن أساءوا، وداعيا إلى الاقتداء بهذا النهج وعدم الانشغال بالانتقام أو التشفى من الآخرين.

وأشار إلى أن الشخصية التى تمارس التشفى هى شخصية سامة، وتجمع من منظور سيكولوجى، ما يُعرف بـ«ثالوث الظلام» فى علم النفس وهى السمات السادية التى تستمتع بألم الآخرين، والسيكوباتية التى لا ضمير لها ولا تشعر بأى وجع عند مرض الخصم أو عجزه أو وفاته، والنرجسية التى يطغى فيها حب الذات على حساب القيم والأخلاق فلا تعبأ بالمشاعر الإنسانية ولا تضع لها أى اعتبار.

ودعا استشارى الصحة النفسية إلى استعادة قيم التعاطف والتراحم، مؤكدا أهمية أن يظل الاختلاف فى الرأى بعيدا عن الكراهية أو إهانة الأشخاص، وأن يتعامل الإنسان مع مرض الآخرين أو ضعفهم باعتباره موقفا إنسانيا يستحق التعاطف، بصرف النظر عن الموقف أو الخلاف السابق.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة