12 عامًا هى عمر تجربة التنمية الشاملة فى الجمهورية الجديدة، تواصلت خلالها مسيرة البناء فى كل القطاعات، وامتدت حركة الإعمار فى جميع المجالات، فتراكمت الخبرات، وتزايدت المهارات، وتضاعفت الكفاءات، ويومًا وراء يوم، نضجت الثمار، وظهرت النتائج كالشمس فى وضح النهار، فى قائمة تضم عشرات الآلاف من المشروعات التنموية التى غيرت شكل مصر بمختلف المحافظات، خصوصًا فى مجال البنية التحتية، بتكلفة تجاوزت 10 تريليونات جنيه منذ عام 2014، ولا تزال ملحمة المشروعات القومية تتواصل، وتتتابع ترجمة مكاسبها فى رفع كفاءة المرافق وتحسين الخدمات للمواطنين، مع توفير ملايين فرص العمل.
محطات نجاح تجربة التنمية المصرية عصية على الحصر، وصعبة العد، ومعالمها واضحة البيان، جلية المشهد، ظاهرة التأثير، بداية من خريطة العمران التى اتسعت رقعتها بطول البلاد وعرضها لتقترب من 14فى المائة، مقارنة بنحو 5.5 فى المائة سابقًا، وامتدت مساحتها على آلاف الأفدنة، شاهدة على قدرة العامل المصرى على بناء المدن، وتشييد العواصم جيلًا بعد جيل، بإتقان محكم ومهارة فائقة، تبهر الناظرين وتدهش المتأملين. ومن حقنا هنا أن نتفاخر عن جدارة بالحديث عن ملحمة إنشاء المدن الجديدة من أجيال متطورة، والتى يصل عددها إلى نحو 20 مدينة ضمن استراتيجية التنمية العمرانية 2030، من أجل استيعاب ما بين 30 و35 مليون مواطن، ومنها العاصمة الجديدة، شاملة الخدمات، شاسعة الامتداد، ثم مدينة العلمين الجديدة، درة الساحل الشمالى وملتقى الزائرين من الداخل والخارج على السواء، وهى كل يوم فى تطور وتجدد. والقائمة طويلة، من مدينة الجلالة إلى المنصورة الجديدة وصولًا إلى أسوان الجديدة، وما بينهما الكثير من إنجازات الجمهورية الجديدة فى عالم العمران، فنحن قوم مشغولون ببناء وطننا، وتعمير بلادنا، ورفع قدراتنا على كل المستويات، لا توقفنا مؤامرات الحاقدين، ولا تمنعنا مخططات أهل الشر ومن لف لفهم الخبيث.
أما فى ملف تحديث الطرق والموانئ، فالتجربة الوطنية تتحدث عن نفسها بلغة الأفعال، وليس الأقوال، وتؤكدها الأرقام الموثقة، وليس الكلام المعسول، فقد تلاحقت نجاحات المشروع القومى للطرق، الذى استهدف إنشاء أكثر من 7500 كيلومتر من الطرق الجديدة، مع تحديث شبكة الطرق الرئيسية فى نحو 31 ألف كيلومتر، وفقًا لبعض التقديرات، إلى جانب ثلة من المحاور والكبارى العملاقة، والطرق الدائرية فى شتى المحافظات، فضلًا عن مشروعى المونوريل والقطار الكهربائى السريع، فتحولت جميعها إلى شرايين للتنمية، وعالجت مشكلة الزحام المرورى، وقفزت بمركز مصر ضمن الترتيب العالمى للطرق بنحو 100 مركز فى مؤشر جودة الطرق، لتصل إلى المرتبة 18 عالميًا، مع خطة طموحة فى تأهيل الموانئ المحلية التى أصبحت صاحبة سمعة دولية فى قطاع المراكز اللوجستية، من ميناء الإسكندرية إلى دمياط ثم السخنة، فى دلالة واضحة على أن التجربة التنموية فى الجمهورية الجديدة أساسها متين، وقاعدتها صلبة، وأنها قادرة على تصدير خبراتها، وتقديم علمها للدول الشقيقة والصديقة لتحذو حذوها، وتحقق رغباتها فى تكرار الإنجاز من أوسع الأبواب. وكما يقول المثل العربى الشهير: «اسأل مجرب ولا تسأل طبيب».
وبنفس الهمة العالية والعزيمة القوية، أنجزت السواعد المصرية مشروعات كبرى فى مجال الزراعة والأمن الغذائى، من مشروع الدلتا الجديدة، الذى يعد العبور الثانى بحكم أنه عبور تنموى واقتصادى لتأمين غذاء المصريين، مع ربط الزراعة بالصناعة والتنمية العمرانية وفق نظام يضمن الاستدامة فى كل المراحل، ويكفى أنه المشروع الزراعى الأضخم فى تاريخ البلاد، فهو يستهدف 2.2 مليون فدان، بما يعادل نحو 15فى المائة إضافية من الرقعة الزراعية محليًا، باستثمارات تقترب من تريليون جنيه، ناهيك عن مشروعات متعددة فى هذا المجال الحيوي، من مستقبل مصر إلى شرق العوينات، ومن سيناء إلى مشروع المليون ونصف المليون فدان. وتتواصل الرؤية الاستراتيجية للجمهورية الجديدة تحت قيادة الرئيس السيسى لترويض التحديات وتعمير الصحراء، وهذا برهان معلوم على أن الدولة المصرية تتحرك بخطى ثابتة، وتسير بإصرار وعزم نحو امتلاك القدرة الشاملة، فمن يمتلك قوته يمتلك حريته، ويحمى قراره من أى ضغوط، ويتعامل بندية مع كل الأطراف، وبالطبع يستطيع أن يقدم خدماته لمن يستحقون، ويعرض تجاربه لمن يطلبون المساندة والمساعدة، فالتجربة التنموية المصرية أصبحت ماركة مسجلة بين الاقتصادات الناشئة، ومثار إعجاب من الاقتصادات الكبرى، وتحظى بشهادات متتابعة من المنظمات الدولية والأممية المعنية بالتنمية المستدامة.
والأمر المؤكد أن جميع هذه المشروعات التنموية وغيرها فى مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، هى حلقات مترابطة فى مسار بناء مصر القوية، ورفع مستوى معيشة المصريين، لأنهم يستحقون الأفضل، كما يؤكد الرئيس السيسى دائمًا. وتجسدت هذه القناعة الرئاسية فى إطلاق مبادرة «حياة كريمة» لتطوير الريف المصرى، والتى يستفيد منها نحو 60 مليون مواطن من أهلنا وناسنا الطيبين، لأن شعبنا العظيم ضرب المثل فى التحمل والصبر خلال سنوات برنامج الإصلاح الاقتصادى، مع التمسك بوحدة الصف الوطنى فى مواجهة صناع الشائعات ومروجى الأكاذيب من أهل الشر، وأفسد مخططات الفتنة ومؤامرات ضرب الاستقرار، بالتوازى مع العمل الشاق لإنجاز المشروعات القومية بكافة أنواعها، لتظل شاهد عيان على عصر التنمية الشاملة، وحقبة التطوير المتكامل، ومسار التحسين المتواصل فى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لجموع المصريين.
وفى ذات الوقت، تعد هذه الإنجازات القومية قرينة دامغة على أن المصريين على قدر التحدى، ولديهم من الطاقات ما يمكنهم من تكرار تجربة التنمية الشاملة فى بلدان أخرى، وقتما تلتمسها أو تستدعيها، لأن مبدأ القاهرة هو أن «التنمية حق للجميع»، وخوض معاركها هو السلاح الأنجح فى حل مشكلات الشعوب، كما أن القضاء على الفقر والبطالة يقطع الطريق على الجماعات المتطرفة فى استقطاب الشباب واستخدامهم لهدم أوطانهم. والتنمية تثبت أركان الاستقرار، وتقوى بنيان الدول، وتزيد مناعتها ضد التدخلات الخارجية فى شؤونها الداخلية، وتفتح أمامها أبواب الانطلاق للتقدم والتطور، والطريق الطويل يبدأ بخطوة من ألف ميل.
ويحسب للدولة المصرية أنها تجيد سياسة التعاون بالتنمية مع كل الدول الشقيقة والصديقة، بلا أغراض خفية، وبدون فرض أجندات خاصة أو شروط مجحفة، فالقاهرة تمد يدها لنقل تجربتها فى مجال المشروعات القومية إلى أى بلد بلا قيود أو عوائق، والدخول من الأبواب الرسمية عبر المؤسسات الوطنية، ومن خلال اتفاقيات علنية، التزاماتها المتبادلة واضحة، ومسؤولياتها مكتوبة، وواجباتها معلومة، لا لبس فيها ولا تأويل، ولا وجود لبنود سرية بهدف الحصول على أى امتيازات اقتصادية أو سياسية أو عسكرية على حساب الشعوب. بينما هناك الكثير من القوى والدول التى تستغل ظروف العواصم التى تحتاج إلى ركوب قطار التنمية أو تطلب المساعدة للخروج من مأزق داخلى، وهنا تتوالى الإملاءات الخارجية، وتتلاحق المعاهدات الظالمة، وتتعاقب المواثيق الجائرة، تارة ببخس الحقوق، وتارة بالسطو على المقدرات، ويصل الأمر إلى التعامل بطريقة الاحتلال الاقتصادى والعسكرى، والأمثلة كثيرة فى منطقتنا، خصوصًا فى الدول التى دخلت نفق الحرب الأهلية بعد أحداث ما يسمى بـ«الربيع العربى»، واستقوى طائفة من أهلها بقوى خارجية، من العراق إلى سوريا، ومن اليمن إلى لبنان، ومن ليبيا إلى السودان، وما خفى كان أعظم.
ومؤخرًا، لدينا نموذج عظيم لجولات الجمهورية الجديدة فى تصدير التنمية لدول القارة السمراء، وهو افتتاح مشروع سد «جوليوس نيريري» فى تنزانيا. وهذا الحدث التاريخى، على حد تعبير رئيسة تنزانيا سامية سولوحو حسن، التى شكرت الرئيس عبد الفتاح السيسى والدولة المصرية على هذه الهدية للتنزانيين جميعًا، هو دليل حاسم على أن التعاون من أجل التنمية مع العواصم الإفريقية، وتمكين بلدانها اقتصاديًا لتحقيق النمو فى كل المجالات، إرادة ثابتة للقاهرة وعزيمة لا تتراجع عنها. وبالتالى، فإن محاولات البعض الادعاء بأن هناك عرقلة مصرية للمشروعات التنموية فى بلدان حوض النيل أمر لا يستحق عناء الرد، لأن هذا السد وتلك المحطة الكهرومائية يدحضان أى افتراءات أو أكاذيب، وفى نفس الوقت تظل حصة مصر المائية محفوظة، مهما تعددت المؤامرات وتنوعت المكائد. ومن جهة أخرى، سيقف هذا المشروع العملاق شامخًا ليعكس ما تتمتع به الشركات المصرية من قدرات وخبرات تؤهلها لتنفيذ المشروعات الكبرى، وهو ما أكده بثقة واطمئنان د. مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال مشاركته فى مراسم الافتتاح، نيابة عن الرئيس السيسي، لأن سد ومحطة «جوليوس نيريري» يمثلان شهادة نجاح للخبرات المصرية فى تنفيذ المشروعات العالمية العملاقة، كما أنه يوضح طاقات شركاتنا الوطنية على تعزيز الحضور المصرى فى إفريقيا، ويدعم أوجه التعاون بين مصر والدول الشقيقة، حيث إن عملية بناء السد استغرقت نحو 5 سنوات، وشارك فى تنفيذها نحو 1700 مهندس وفنى مصرى ضمن فريق عمل يتكون من نحو 12 ألف عامل، وهذه المشاركة الكبيرة للكوادر المصرية تعكس حجم الخبرات والإمكانات التى تمتلكها الشركات المصرية.
وهنا، من الضرورة أن تستفيد الحكومة والجهات المعنية ومنظمات الأعمال واتحادات المستثمرين والمقاولين من الزخم المصاحب لنجاح التحالف الوطنى المكون من شركتى «المقاولون العرب» و«السويدى إليكتريك» فى ملحمة بناء سد ومحطة «جوليوس نيريري»، فى الدعاية للتجربة التنموية المصرية، والترويج للطاقات الوطنية فى مضمار المشروعات القومية العملاقة، لأنه محطة إفريقية مهمة تبرهن على الكفاءة الهندسية الفائقة والقدرات التكنولوجية المتقدمة للكوادر المصرية فى إدارة وتنفيذ أضخم المشروعات الكهرومائية والأعمال الكهروميكانيكية المعقدة. فقد نجحت فرق العمل والمهندسون والفنيون، وفقًا لتأكيدات قيادات التحالف المصري، فى تجاوز تحديات تنفيذية ولوجستية وبيئية استثنائية، مع إنجاز هذا الصرح وفقًا لأعلى المعايير والمواصفات القياسية العالمية، بما يرسخ مكانة الشركات المصرية كشريك موثوق وقادر على تقديم حلول هندسية وطاقية متكاملة، وفى ظل جاهزية قطاع المقاولات والهندسة والصناعة المصرية لمواصلة التوسع ونقل الخبرات المكتسبة وتوطين الاستثمارات لدعم التجارب التنموية فى الدول الصديقة.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء