يشهد ملف «تمكين الشباب» فى مصر نقلة نوعية تتجاوز حدود الأطر التقليدية إلى مساحات أكثر فاعلية واستدامة، وهو ما تجسد مؤخرا فى التوجيه الرئاسى بإطلاق منصة وطنية تفاعلية تتيح لشباب مصر طرح أفكارهم ومبادراتهم وربطها بالجهات التنفيذية، ولأن التجربة هى خير برهان على جدية هذا التوجه، التقت «المصوّر»، الدكتورة يارا عفت، عضو لجنة التعليم والبحث العلمى بمجلس النواب، والتى تحمل رؤية مزدوجة تجمع بين موقعها التشريعى وتجربتها الشخصية كأصغر نائبة معينة بقرار من رئيس الجمهورية.
«د. يارا»، كشفت فى حوارها عن رؤيتها لآليات نجاح المنصة الجديدة، وكيفية تحويل العمل التطوعى والتدريب إلى أدوات لصناعة قادة المستقبل، كما وضعت يدها على أبرز التحديات التى تواجه الشباب اليوم، موجهة رسالة صريحة لشباب مصر حول كيفية اقتناص الفرص وتحويلها إلى مسئوليات وإنجازات ملموسة.. وإلى تفاصيل الحوار:
بداية، كيف ترين توجيه الرئيس بإطلاق منصة وطنية تفاعلية تتيح لشباب مصر طرح أفكارهم ومبادراتهم؟
هذه الخطوة مهمة جدًا، لأنها تفتح أمام الشباب مساحة حقيقية للمشاركة وطرح أفكارهم، والأهم أن يشعر الشاب أن صوته مسموع وأن فكرته يمكن أن تصل إلى الجهات القادرة على تنفيذها، ومن جانبى أؤمن بأن تمكين الشباب لا يعنى فقط أن نتحدث عنهم، وإنما أن نعطيهم الفرصة والمسئولية، وأقول ذلك من واقع تجربة شخصية؛ فأنا أصغر عضو مجلس نواب معين من الرئيس، وقد صدر قرار تعيينى وأنا فى سن 28 عاما، ولذلك أرى بشكل مباشر أن اهتمام الرئيس بالكوادر الشبابية وتمكينها ليس مجرد شعار، وإنما فرصة حقيقية ومسئولية تُمنح للشباب عندما يثبتون قدرتهم على تحملها.
ما الذى سيميز هذه المنصة عن المبادرات والبرامج الشبابية التى سبق وأن أُطلقت من قبل؟
فى رأيى، التميز الحقيقى لن يكون فى إطلاق منصة جديدة فقط وإنما فى قدرتها على أن تأخذ الفكرة من صاحبها إلى أرض الواقع؛ فالشاب يطرح فكرته ثم يجد مَن يساعده على تطويرها ودراستها، وتحديد إمكانية تنفيذها وربطها بالجهة المختصة، وإذا نجحنا فى تحقيق هذه الحلقة كاملة فستكون المنصة مختلفة، لأنها لن تكون مجرد مساحة للاستماع إلى الشباب، وإنما مساحة لتحويل أفكارهم إلى نتائج حقيقية.
كيف يمكن تحويل الأفكار الشبابية من مجرد مقترحات إلى مشروعات ومبادرات حقيقية؟
بالطبع نحتاج إلى منظومة واضحة من تقييم الفكرة ثم تطويرها ودراسة إمكانية تنفيذها، ثم تحديد الجهة المسئولة وآليات التمويل والمتابعة، والأهم ألا تنتهى علاقة الشاب بفكرته بمجرد أن يطرحها لأننى مؤمنة جدًا بفكرة المتابعة، لأن الفكرة مهما كانت جيدة لن يكون لها أثر إذا لم نجد الطريق الذى يوصلها إلى التنفيذ، وهذا ما أراه فى العمل العام أيضا؛ أن تنزل إلى الناس، وتسمع المشكلة، وتبحث عن حل، ثم تتابع، حتى ترى النتيجة على الأرض.
وكيف يمكن الربط بين التدريب والتأهيل وبين تمكين الشباب من تولى أدوار قيادية مستقبلاً؟
التدريب الحقيقى ليس مجرد الحصول على شهادة، وإنما أن يصبح الشاب بعد التدريب قادرًا على تحمل مسئولية واتخاذ قرار، ولهذا يجب أن يجمع التدريب بين المعرفة والمهارات وبين الاحتكاك العملى بمؤسسات الدولة وصناعة القرار، فنحن لا نريد فقط شبابًا مؤهلًا وإنما نريد شبابًا مستعدًا للقيادة عندما تأتيه الفرصة، وأنا شخصيًا أرى أن أفضل دليل على نجاح تأهيل الشباب هو أن نمنحهم بعد ذلك مساحة حقيقية للمسئولية.
هل يمثل تعزيز ثقافة العمل التطوعى أولوية فى هذه المرحلة؟
بالتأكيد، لأن العمل التطوعى ليس مجرد تقديم خدمة للآخرين هو أيضًا مدرسة يتعلم فيها الشاب المسئولية والانضباط والعمل الجماعى، وأعتقد أننا بحاجة إلى أن نعيد ترسيخ فكرة أن خدمة المجتمع ليست مسئولية الدولة وحدها، وإنما مسئولية كل فرد قادر على أن يقدم شيئًا، والشباب تحديدًا لديه طاقة كبيرة جدًا، وإذا تم توجيه هذه الطاقة بشكل صحيح، يمكن أن تحقق نتائج كبيرة للمجتمع.
ما أبرز التحديات التى ما زالت تواجه الشباب، رغم حجم الاهتمام والدعم الذى تقدمه الدولة؟
أعتقد أن التحدى الأساسى هو أن تصل الفرص إلى أكبر عدد ممكن من الشباب، وأن يشعر كل شاب لديه قدرة أو فكرة أن أمامه طريقًا واضحًا يستطيع من خلاله أن يبدأ، فلدينا شباب لديهم طموح وأفكار وقدرات كبيرة، لكن بعضهم يحتاج إلى تدريب، وبعضهم يحتاج إلى توجيه، وبعضهم يحتاج فقط إلى فرصة، وهناك أيضًا تحديات مرتبطة بسوق العمل والمهارات الجديدة وريادة الأعمال، ولذلك يجب أن يظل تأهيل الشباب وتمكينهم عملية مستمرة، وليست مرحلة مؤقتة.
ما الذى تتمنينه من الشباب فى المرحلة المقبلة، فى ظل هذه المساحة الجديدة للمشاركة؟
أتمنى أن يستغلوا هذه المساحة بمسئولية، وأن يقدموا أفكارًا حقيقية وقابلة للتنفيذ، وألا ينظروا إلى مشكلات المجتمع باعتبارها مجرد أسباب للشكوى وإنما باعتبارها فرصًا لإيجاد حلول، والأهم أن يؤمنوا بأن المشاركة مسئولية؛ فالدولة يمكن أن تفتح الباب لكن الشباب هم من عليهم أن يثبتوا قدرتهم على تحمل المسئولية.
رسالة مباشرة إلى شباب مصر بشأن هذه المبادرة، ماذا تقولين لهم؟
أقول لهم: لا تترددوا فى طرح أفكاركم فهذه فرصة حقيقية فاستغلوها، وفكروا فيما يمكن أن تقدموه لمجتمعكم، وليس فقط فيما يمكن أن تحصلوا عليه، وأنا لا أتحدث عن تمكين الشباب من موقع المتحدث عنه وإنما من موقع شابة أُتيحت لها الفرصة وتحملت المسئولية؛ فتعيينى فى مجلس النواب، وأنا فى الثامنة والعشرين من عمرى، كان فرصة كبيرة لكنه فى الوقت نفسه كان مسئولية أكبر، ولذلك أقول لكل شاب مصري: آمن بفكرتك، وطوّر نفسك، وكن مستعدًا عندما تأتيك الفرصة، لأن الفرصة عندما تأتى يجب أن تكون مستعدًا لتحويلها إلى مسئولية وإنجاز.
وأقول لهم أيضا إن هذه المنصة ليست فقط مكانًا لعرض الأفكار، وإنما يمكن أن تكون بداية لطريق جديد لشباب كثيرين؛ فالباب مفتوح، والفرصة موجودة، والمرحلة القادمة تحتاج إلى شباب مستعد أن يشارك ويعمل ويتحمل المسئولية.