رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

من الدعم إلى الشراكة فى صنع القرار .. رحلة الاستثمار فى الطاقات الشبابية


22-8-2026 | 14:27

.

طباعة
تقرير: محمد زيدان

لـم تـكـن حكاية الدولة المصرية مع الشباب مجرد محطة عابرة ولدت على منصة إلكترونية، ولن تتوقف عند حدود مؤتمر أو منتدى بل هى مسار متصل انطلق منذ نحو عقد من الزمن محفوفا بسؤال جوهرى: كيف نحول طاقة جيل بأكمله من الشباب إلى قوة دافعة فى بناء الدولة؟، والحقيقة أنه منذ إطلاق «عام الشباب المصري» فى 2016، تلاحقت المحطات الفارقة فى هذا الملف فبدأت بالمؤتمرات الوطنية التى أسست لحوار بلا وسائط بين الشباب وصناع القرار، مرورا بـ«منتدى شباب العالم» فى شرم الشيخ الذى حول مصر إلى منصة كونية تلتقى فيها عقول أجيال الغد من شتى بقاع الأرض، وصولا إلى برامج التأهيل المكثفة التى أفرزت كوادر قادرة على تحمل أعباء العمل العام، ومع كل محطة تحول مفهوم رعاية الشباب من مجرد تقديم خدمات تقليدية إلى استثمار استراتيجى فى طاقاتهم وإتاحة مساحات حقيقية لصنع القرار، واليوم يتوج هذا المسار بالتوجيه الرئاسى بإطلاق منصة وطنية تفاعلية برعاية الرئيس عبدالفتاح السيسى؛ لتمثل نافذة دائمة تتيح لشباب مصر طرح الأفكار والمبادرات والانخراط فى العمل التطوعى وخدمة المجتمع، متجاوزة بذلك الأطر المؤقتة للمؤتمرات والفعاليات، لتصبح المشاركة الشبابية فعلا مستداما لا ينطفئ بانتهاء الأضواء.

 
 
 

الدكتور أحمد السيد، الخبير الاستراتيجى، يؤكد أن تعامل الدولة مع ملف الشباب خلال السنوات الأخيرة يجب ألا يفهم باعتباره مجرد مجموعة من البرامج التدريبية أو المبادرات الاجتماعية، وإنما باعتباره استثمارا استراتيجيا فى أهم عناصر القوة البشرية للدولة المصرية، حيث إن التركيبة السكانية لمصر تجعل الشباب عنصرا حاسما فى معادلة المستقبل، فإما أن تتحول هذه الكتلة البشرية إلى قوة إنتاج وتأثير وقدرة على الابتكار أو تتحول فى حال غياب الاستثمار فيها إلى تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، حيث إن الاتجاه نحو تمكين الشباب يعكس إدراك لأهمية تحويل هذه الطاقة إلى قوة داعمة لمسيرة التنمية، فهناك فارق كبير بين مفهوم رعاية الشباب ومفهوم تمكينهم، فالرعاية تركز فى الأساس على توفير الخدمات والأنشطة التى تستوعب طاقات الشباب، بينما يقوم التمكين على منحهم المعرفة والمهارات والمساحات التى تسمح لهم بالمشاركة وصناعة الحلول، ومؤتمرات الشباب ومنتدى شباب العالم تجاوزت فكرة الفعاليات التقليدية لأنها أتاحت للدولة فرصة للتعرف بصورة مباشرة على اهتمامات الشباب وأفكارهم وتطلعاتهم، وفى الوقت نفسه فتحت أمام الشباب مساحة للتواصل مع المسئولين والخبراء والتعرف على قضايا الدولة بصورة أوسع، وهو ما يجعل هذه التجربة إحدى أدوات بناء جسور الثقة والحوار بين مؤسسات الدولة والأجيال الجديدة.

وأوضح «الخبير الاستراتيجى»، أن احتياجات الشباب المصرى لم تعد تتوقف عند البحث عن وظيفة أو تحقيق الاستقرار المادى وإنما أصبحت ترتبط بصورة أكبر بالشعور بالمشاركة والقدرة على التأثير فى القضايا التى تمس مستقبل المجتمع، حيث إن الجيل الجديد يريد أن يكون طرفا فى مناقشة الملفات الكبرى وأن يشعر بأن رأيه يمكن أن يتحول إلى فكرة أو مبادرة أو حل، وليس مجرد رأى يتم الاستماع إليه ثم ينتهى الأمر، وهذا التغيير فى طبيعة تطلعات الشباب يجعل تطوير أدوات التواصل معهم ضرورة مستمرة خاصة فى ظل سرعة التغيير التكنولوجى واتساع قدرة الشباب على الوصول إلى المعلومات والتعبير عن رؤاهم، كما أن إطلاق المنصة الوطنية التفاعلية يمثل خطوة مهمة فى هذا الاتجاه، لأنها يمكن أن تنقل العلاقة مع الشباب من اللقاءات والفعاليات التى ترتبط بمواعيد محددة إلى مساحة دائمة للتواصل وتبادل الأفكار والمبادرات، والقيمة الحقيقية للمنصة ستظهر عندما تتجاوز استقبال المقترحات إلى وجود آليات واضحة لدراسة الأفكار ومتابعتها وربطها بالجهات المختصة، بحيث يعرف صاحب المبادرة مصير فكرته وما إذا كانت قابلة للتنفيذ وكيف يمكن تطويرها، ولكن التحدى الأكبر سيكون فى ضمان ألا تصبح المنصة مجرد قناة إلكترونية لتجميع المقترحات، وإنما أداة فاعلة تربط بين أفكار الشباب وصناعة السياسات والمشروعات، مع وجود متابعة حقيقية لما يتم طرحه.

وأكد «الخبير الاستراتيجي»، أن مستقبل تجربة تمكين الشباب يرتبط بقدرة الدولة على تحويل المشاركة إلى ممارسة مؤسسية مستمرة وليس مجرد تجربة مرتبطة بفعاليات أو مبادرات بعينها، فنجاح المنصة والأكاديمية الوطنية للتدريب فى المرحلة المقبلة سيقاس بمدى قدرتهما على الوصول إلى الشباب فى مختلف المحافظات، واكتشاف أصحاب الأفكار والمبادرات وتوفير التدريب والدعم الذى يساعدهم على تنفيذها، إلى جانب تقليل العقبات الإدارية أمام المبادرات الجادة، والهدف النهائى هو بناء جيل لا ينتظر فقط الحصول على فرصة وإنما يمتلك القدرة على صناعة الفرصة وتحمل مسئولية نتائجها والمساهمة بصورة مباشرة فى تنمية مجتمعه.

وفى السياق أكدت الدكتورة سحر ماهر، أستاذ علم الاجتماع السياسى بجامعة القاهرة، أن اهتمام الدولة المصرية بملف الشباب خلال السنوات العشر الأخيرة يتجاوز فكرة تنظيم الفعاليات أو إطلاق مبادرات مرتبطة بمناسبات محددة، فهذا المسار يعكس تحول فى طريقة النظر إلى الشباب ودورهم داخل المجتمع، حيث إن الدولة انتقلت تدريجياً من مفهوم تقليدى كان ينظر إلى الشباب باعتبارهم فئة تحتاج إلى الرعاية والدعم، إلى رؤية أكثر اتساعا تقوم على اعتبارهم طرفا فاعلا وشريكا فى عملية التنمية وبناء المستقبل، وهو تحول مهم من منظور علم الاجتماع السياسي، لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والأجيال الجديدة على أساس المشاركة وتحمل المسئولية، وليس مجرد تلقى الخدمات أو الرعاية، والتمكين للشباب خطوة مهمة وتكون عبر إشراك الشباب فى صناعة الأفكار والقرارات ومنحهم الأدوات التى تساعدهم على التأثير والمشاركة الفعلية، فبرامج التدريب والتأهيل تمثل أحد أهم مداخل التمكين، لأن بناء قدرات الشباب وتطوير مهاراتهم ومعارفهم يهيئهم للانتقال من موقع المتلقى إلى موقع الفاعل، وإنشاء «الأكاديمية الوطنية للتدريب» يعكس توجها نحو الاستثمار فى بناء الإنسان وتأهيل كوادر شابة قادرة على تحمل المسئولية والمشاركة بصورة أكثر فاعلية فى العمل العام وصناعة المستقبل.

وأوضحت الدكتورة «سحر»، أن احتياجات الشباب المصرى شهدت تحولا واضحا خلال السنوات الأخيرة، فلم يعد البحث عن الوظيفة والاستقرار الاقتصادى هو الهاجس الوحيد لدى الأجيال الجديدة رغم استمرار أهميتهما، فالتطورات التكنولوجية واتساع مساحة المعرفة والاطلاع أعاد تشكيل أولويات الشباب، وأصبح هناك اهتمام أكبر بتكافؤ الفرص بين المحافظات والمناطق المختلفة، بما يضمن ألا تكون فرص التعليم والتدريب والعمل مرتبطة بمكان الإقامة، والشباب أصبح أكثر ميلا إلى ريادة الأعمال وصناعة الفرص بدلاً من انتظار الوظيفة التقليدية، إلى جانب رغبته فى أن يكون له دور حقيقى فى مناقشة القضايا التى تمس حياته اليومية، مثل التعليم والصحة والخدمات العامة، كما أن المشاركة الشبابية فى المرحلة الراهنة لم تعد تقتصر على التعبير عن الرأى أو المشاركة فى الاستحقاقات الانتخابية، وإنما تمتد إلى أن يكون الشباب جزء من عملية اقتراح الحلول والمساهمة فى صياغة السياسات التى تتعلق بمستقبلهم، فالمؤتمرات والمنتديات الشبابية رغم أهميتها فى فتح مساحات للحوار والتواصل لا يمكن أن تكون وحدها كافية لضمان مشاركة شبابية مستدامة، كما أن مثل هذه الفعاليات تمثل فرصة مهمة لعرض الأفكار وطرح القضايا وخلق حالة من الحوار المباشر، لكن تأثيرها يظل محدودا إذا لم ترتبط بآليات مؤسسية تضمن متابعة ما يخرج عنها من توصيات وأفكار وتحويلها إلى خطوات عملية.

وأشارت إلى أن التحدى الأساسى فى هذا الملف يتمثل فى الفجوة بين طرح الأفكار وتنفيذها، ولذلك فإن إطلاق «المنصة الوطنية التفاعلية»، يمكن أن يمثل مرحلة جديدة فى مسار تمكين الشباب، إذا تحولت من مجرد وسيلة لاستقبال المقترحات إلى آلية مؤسسية حقيقية تتابع الأفكار وتربطها بالجهات المعنية وتكشف ما تم بشأنها، وهنا لا بد من وجود نظام واضح لمتابعة الاستجابات الحكومية للمبادرات المطروحة، مع مؤشرات تقيس حجم التفاعل معها والنتائج التى تحققت على الأرض، حتى يشعر الشباب بأن مشاركتهم لا تنتهى بمجرد تسجيل الفكرة، وإنما يمكن أن تقود إلى تغيير ملموس، لأن الدولة قطعت خطوات مهمة فى ملف تمكين الشباب، إلا أن التحدى الأكبر يتمثل فى تحويل هذا الاهتمام إلى منظومة مؤسسية مستدامة لا ترتبط بأشخاص أو إدارات بعينها، واستدامة برامج التمكين تضمن استمرار إتاحة الفرص أمام الأجيال الجديدة، مهما تغيرت القيادات أو السياسات التنفيذية بما يجعل تمكين الشباب جزءا ثابتا من عمل مؤسسات الدولة والمجتمع، والهدف النهائى لا ينبغى أن يكون فقط توفير الفرص للشباب وإنما بناء جيل يمتلك القدرة على صناعة الفرصة وتحمل المسئولية والمبادرة بالفعل، وهذا التحول يمثل أحد الأسس الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

فيما أشاد المهندس أحمد فهمي، 28 عاما، من محافظة الدقهلية، ومؤسس مبادرة «شباب يطور» المجتمعية، بمنتدى شباب العالم بشرم الشيخ عام 2018، معتبراً أن مشاركته كانت نقطة تحول فى رؤيته لدور الشباب وقدرتهم على التأثير، فالتجربة وضعته للمرة الأولى أمام نموذج مختلف تماماً عما اعتاده فى محيطه المحلي، فوجود شباب من عشرات الدول، وحجم التنظيم، والحوار المباشر داخل منتدى يحظى بحضور رئيس الجمهورية، كلها تفاصيل جعلته يشعر بأنه أمام مساحة حقيقية تتجاوز حدود محافظته وواقعه اليومي، هذا الشعور صاحبه فى البداية إدراك واضح للتباين بين الصورة التى شاهدها داخل المنتدى وبين بعض التحديات التى يواجهها الشباب على أرض الواقع فى القرى والمحافظات، والمنتدى جعله يدرك أن الاستماع إلى الشباب يمكن أن يكون مدخلا حقيقيا للتغيير، وأن امتلاك الفكرة وحده لا يكفى وإنما يحتاج الشاب إلى المعرفة والقدرة على التواصل والعمل الجماعى حتى يتمكن من تحويلها إلى مبادرة تخدم مجتمعه، وهذه التجربة كانت من العوامل التى عززت الرغبة فى العمل المجتمعى وإطلاق مبادرة «شباب يطور»، وما خرج به من المنتدى لم يكن مجرد ذكرى لمشاركة فى فعالية دولية، وإنما دافع للاستمرار فى محاولة صناعة تأثير حقيقى من داخل المجتمع المحلي.

وأضاف «فهمي» أن مشاركته فى منتدى شباب العالم عام 2018 منحته فرصة نادرة للتواصل المباشر مع المسئولين وطرح القضايا التى تشغل الشباب، معتبراً أن هذه المساحة كانت من أبرز نقاط قوة التجربة، فالحوار داخل جلسات المنتدى كان مباشرا، وأتاح للشباب التحدث مع المسئولين دون حواجز تقليدية، وهو ما جعله يشعر بأن صوته وصل بالفعل إلى دوائر صنع القرار.

وبيّن «فهمي»، أن أكبر تحول حدث له كان الانتقال من عقلية انتظار الفرصة إلى السعى لصناعتها، ومن النظر إلى الدولة باعتبارها جهة بعيدة عن الشباب إلى إدراك أهمية بناء قنوات تواصل مستمرة معها، فهذه الرؤية كانت أحد الدوافع التى عززت اهتمامه بالعمل المجتمعى وتأسيس مبادرة «شباب يطور»، وتجربته فى المنتدى لم تنته بانتهاء جلساتها وإنما تركت لديه قناعة بأن الشباب يمكن أن يكونوا جزءا فاعلا فى معالجة مشكلات مجتمعهم، إذا امتلكوا الأدوات والمساحة المناسبة للمشاركة، وكانت من أكبر العقبات التى تواجه المبادرات الشبابية عند الانتقال من مرحلة الفكرة إلى التنفيذ تتمثل فى البيروقراطية وتعقيد الإجراءات، فالشباب قد يمتلكون أفكارا عملية يمكن أن تقدم حلولا لمشكلات حقيقية داخل مجتمعاتهم لكن تنفيذها يصطدم أحيانا بتعدد الجهات والإجراءات والحاجة إلى الحصول على موافقات متتالية، وهو ما يستهلك وقتا وجهدا كبيرين ويضعف حماس أصحاب المبادرات.

وشدد على أن دعم المبادرات الشبابية يحتاج إلى تبسيط الإجراءات ومنح القيادات المحلية مساحة أكبر للتحرك، إلى جانب وجود مسار واضح ومحدد للتعامل مع المبادرات منذ تقديمها وحتى تنفيذها، فبعض الأفكار الجيدة قد تتوقف قبل أن ترى النور ليس لعدم قابليتها للتنفيذ وإنما بسبب التعقيدات الإدارية، معتبراً أن التمكين الحقيقى للشباب يبدأ بمنحهم فرصة تنفيذ أفكارهم، وليس فقط الاستماع إليها، فنجاح المنصة من رأيى لن يقاس بمجرد عدد الأفكار التى تستقبلها وإنما بقدرتها على مساعدة الشباب فى تجاوز العقبات التى تحول دون تنفيذ المبادرات، وأتمنى ألا تتحول المنصة إلى مجرد واجهة إلكترونية لعرض الأنشطة والفعاليات، وإنما أن تصبح حلقة وصل حقيقية بين صاحب المبادرة والجهة المسئولة عن تنفيذها، من خلال نظام واضح يتيح للشاب متابعة فكرته منذ لحظة تقديمها وحتى الوصول إلى قرار بشأنها، مقترحا أن تحصل كل مبادرة على رقم متابعة خاص، مع تحديد إطار زمنى للرد من الجهات المعنية، بحيث يعرف صاحب الفكرة أين وصلت مبادرته وما الخطوة التالية المطلوبة منه، إلى جانب توفير مسارات مبسطة للحصول على الدعم الفنى والتمويل الأولى للمبادرات التى تثبت جدواها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة