«عايز عروسة يا عذراء».. خرجت الأمنية من بين شفتى الشاب خافتة، لكنها بدت أكبر من الكلمات التى حملتها؛ وقف أمام أيقونة السيدة العذراء فى دير درنكة بأسيوط، ورفع عينيه إليها للحظات، ثم ظل صامتًا كأن وراء الجملة حكاية طويلة لم يجد لها الكلمات المناسبة، قبل أن تختلط أمنيته بأصوات الترانيم التى كانت تتردد من حوله: «فى ظل حماك نلتجئ.. لا ترد طلباتنا عندما نرجوك»، فتبدو الكلمات وكأنها تكمل عنه ما لم يستطع قوله.
ومن بين الجموع، كانت امرأة أخرى تحمل خوفا مختلفا، وحين سُئلت عما جاءت من أجله لم تحتج إلى شرح طويل؛ قالت: «اشفى أمى يا عذراء»، ثم عادت بعينيها إلى الأيقونة، ففى هذه الجملة القصيرة تختبئ حكاية ابنة تخشى على أمها، وليال طويلة من القلق، وأمنية واحدة تتمنى أن ترى صاحبتها من جديد واقفة على قدميها، بينما يتردد فى المكان: «يا مريم يا أم النور.. اشفعى فينا عند الرب»، فتتداخل الترنيمة مع الدعاء، ويبدو الدير كله كأنه مساحة واحدة تتسع لقلوب جاءت من طرق مختلفة، لكنها تحمل فى داخلها الحاجة نفسها إلى الرجاء.
هكذا تبدأ الحكاية فى دير درنكة خلال ليالى الاحتفال بالسيدة العذراء الممتدة من السابع وحتى الحادى والعشرين من أغسطس، خمس عشرة ليلة تتعاقب فيها الوجوه والأمنيات، ويأتى الزائرون كل منهم يحمل قصة لا يستطيع العابر أن يقرأها من ملامحه، فقد يبدو أحدهم هادئًا بينما يخفى فى داخله خوفًا كبيرا، وقد تبتسم امرأة وهى تحمل أمنية انتظرتها سنوات، وقد يقف رجل وسط الجموع وكأنه جاء فى زيارة عادية، بينما يحمل فى قلبه سؤالًا ظل يبحث له عن إجابة.
ليس فى المكان طلب صغير وآخر كبير، لأن الأمنيات لا تقاس بحجمها وإنما بمقدار ما تركته من أثر فى أصحابها، فالشاب الذى يقول «نفسى أتجوز» لا يطلب مجرد اسم إلى جوار اسمه، وإنما يحلم ببيت وأسرة ورفيقة تشاركه الأيام، والابنة التى تقول «اشفى أمي» لا تبحث عن شيء يمكن تعويضه، والرجل الذى يقول «عايز 7 ملايين» قد لا يكون الرقم بالنسبة إليه سوى باب للخروج من أزمة أثقلت حياته، بينما الزوجان اللذان يقولان «نفسى فى طفل» يحملان سنوات من الانتظار داخل ثلاث كلمات.
أمام العذراء لا يُفقد الأمل
بينما تتردد الترانيم، يقف مايكل منير، 31 عاما، أمام الأيقونة ويقول إنه جاء هذا العام بأمنية ظل يحملها معه منذ سنوات، وهى أن يجد شريكة حياته ويبنى بيتا يشعر داخله بأنه لم يعد وحيدا: «أنا كل سنة باجى فى أيام العذراء، لكن السنة دى جاى وأنا عندى أمنية واضحة جدا، نفسى أتجوز وأكون أسرة، ويمكن الناس تشوف إن ده طلب بسيط، لكن بالنسبة لى الموضوع بقى جزء من حياتى، وكل سنة بتعدى بحس إن الانتظار بيطول، ولما أقف قدام العذراء مش بطلب شخصا معينا ولا بحدد لها شكل حياتى، أنا فقط بقول لها اختارى لى الخير، لأن الإنسان ممكن يفتكر إن حاجة معينة هى الصح، لكن ربنا يكون شايف حاجة تانية أفضل، وعشان كده أنا بكرر دايما: فى ظل حماك نلتجئ، لا ترد طلباتنا عندما نرجوك، وأنا مش شايف إن الدعاء معناه إن الحاجة لازم تحصل فى الوقت اللى أنا أحدده، لكن معناه إننى أترك أمنيتى وأكمل حياتى وأنا مطمئن، ويمكن أرجع السنة الجاية وأكون متجوز، ويمكن أرجع ولسه مستني، لكن فى الحالتين مش عايز أفقد الأمل».
وبالقرب منه، تقف مارى جرجس، 46 عاما، وقد جاءت من أجل أمها، فتقول إن الإنسان عندما يرى أمه متعبة يكتشف أن أشياء كثيرة كان يظنها مهمة تصبح فجأة بلا قيمة، وأن كل ما تريده الآن هو أن تستعيد أمها صحتها: «أنا مش جاية أطلب حاجة لنفسى، أنا كل اللى نفسى فيه إن أمى تكون بخير، لأن الإنسان لما يشوف أمه تعبانة بيحس إن الدنيا كلها صغيرة، وكل المشاكل اللى كان شايل همها قبل كده بتختفى، وأنا لما أقف قدام العذراء ساعات ما بعرفش أتكلم، أفضل باصة لها وأفكر فى أمي، وأقول لها فى قلبي: إنتِ أم وعارفة يعنى إيه الخوف على حد غالى، فاشفعى لى عند ربنا، ولما أسمع يا مريم يا أم النور، اشفعى فينا عند الرب، أحس إن الكلام بيقول بالضبط اللى جايّة علشانه، ولو ربنا كتب الشفاء لأمي، هرجع هنا تانى، لكن المرة دى مش هكون جاية أطلب، هكون جاية أشكر».
وعلى مسافة أخرى، يحمل رجل أزمة مختلفة، فيقول: «عايز 7 ملايين يا عذراء»، وقد يبدو الرقم صادما لمن يسمعه للمرة الأولى، لكن الرقم بالنسبة لصاحبه ليس رفاهية ولا حلما عابرا، وإنما محاولة للعثور على مخرج من ظروف يقول إنها أثقلت حياته، ويضيف سعيد موريس، 42 عاما: «يمكن الناس لما تسمع الرقم تفتكر إنى جاى أطلب فلوس وخلاص، لكن الحقيقة إن الرقم وراه ظروف والتزامات ومشكلة كبيرة، وأنا مش جاى أقول إن ربنا لازم يحقق لى الرقم نفسه، أنا جاى أطلب باب للخروج من الأزمة، ولو الخير فى المبلغ ده يا رب يتحقق، ولو الخير فى طريق تانى فأنا راضى، لأن الإنسان ساعات يوصل لمرحلة يحس فيها إنه عمل كل اللى يقدر عليه، وساعتها ما يبقاش قدامه غير الدعاء، وأنا جئت إلى هنا علشان أقول طلبى وأتركه، وبعدها أرجع لحياتى وأنا عندى أمل إن فى حل، حتى لو أنا مش شايفه دلوقتي».
أما كارولين ناجى، 38 عاما، فتحمل أمنية تختصر سنوات من الانتظار فى جملة واحدة: «نفسى فى طفل»، وتقول إن السنوات الأولى مرت وهى تظن أن الوقت ما زال أمامها، ثم بدأ الانتظار يطول، وتحولت الأيام إلى أسئلة، والأسئلة إلى أمنية لا تفارقها: «أنا وزوجى نفسنا فى طفل من سنين، وفى البداية كنا بنقول لسه بدرى، وبعدها الوقت عدى وبقى الانتظار نفسه جزء من حياتنا، وأنا لما باجى هنا ما بطلبش غير إن ربنا يكتب لى الخير، لكن بقول للعذراء دايما نفسى فى طفل، لأنها جملة بسيطة جدا لكنها بالنسبة لى تحمل سنين كاملة، وكل مرة أسمع فى ظل حماك نلتجئ، لا ترد طلباتنا عندما نرجوك، أحس إنى أقدر أترك خوفى هنا وأرجع وأنا أهدى، وحتى لو حلمى ما تحققش فى الوقت اللى أنا عايزاه، مش عايزة أفقد الرجاء، لأن أصعب حاجة ممكن تحصل للإنسان مش إنه ينتظر، لكن إنه يبطل يأمل».
البحث عن أنفسنا
بين هذه الأمنيات، هناك أمنية أخرى لا تتعلق بمال ولا زواج ولا شفاء ولا طفل؛ أمنية رجل جاء إلى الدير لأنه يريد أن يستعيد شيئا فقده منذ سنوات: «نفسه»، يقول زكريا عماد، 52 عاما، إنه لم يأت هذه المرة لطلب شيء محدد، وإنما جاء بعد فترة طويلة شعر خلالها أن الحياة أخذت منه أكثر مما أعطته، وأنه صار يعيش أيامه بصورة آلية، يذهب إلى عمله ويعود إلى منزله ويتحدث مع الناس، لكنه فى داخله كان يشعر بأنه فقد القدرة على الفرح، ولذلك قرر أن يأتى إلى العذراء ويجلس أمام الأيقونة دون قائمة طويلة من الطلبات.
بعد شرود طويل، كأنه كان يستعيد فى صمته تفاصيل حكاية أثقل من أن تُروى دفعة واحدة، عاد إلى حديثه من حيث توقف، وقال: «أنا أول مرة أجى هنا وأنا مش عارف أطلب إيه بالضبط، ودى يمكن أغرب حاجة حصلت لى، لأننى طول عمرى كنت لما أحتاج حاجة أطلبها، لكن الفترة الأخيرة بقيت حاسس إننى مش محتاج حاجة واحدة محددة، أنا محتاج أرجع نفسى، محتاج أحس إن عندى قدرة أبدأ من جديد، وإن اللى فات مهما كان صعب مش لازم يفضل مكمل معايا، علشان كده وقفت قدام العذراء وقلت لها: أنا مش جاى أطلب منك حاجة بعينها، أنا جاى أقول لك إنى تعبت، وساعدينى أكمل، ولما سمعت الترنيمة «فى ظل حماك نلتجئ.. لا ترد طلباتنا عندما نرجوك» حسيت إنى مش لازم يكون عندى طلب واضح علشان أجى، يكفينى إنى محتاج أمان، ومحتاج أحس إن فيه باب لسه مفتوح، ويمكن دى كانت أول مرة من فترة طويلة أحس فيها إنى قادر أرجع البيت أخف شوية، مش لأن المشكلة انتهت، لكن لأنى لم أعد أشعر أنى أواجهها وحدى».
ربما كانت حكايته هى الأقرب إلى جوهر المشهد كله، فالناس لا تأتى دائما لأنها تعرف ماذا تريد، وإنما يأتى بعضهم فقط لأنه يعرف أنه لم يعد قادرا على حمل ما بداخله وحده.
فى ظل حماك نلتجئ
تستمر الترانيم فى ملء المكان، وتتحول الكلمات إلى ما يشبه الخيط الذى يصل بين الجميع: «فى ظل حماك نلتجئ.. لا ترد طلباتنا عندما نرجوك»، ثم «يا مريم يا أم النور.. اشفعى فينا عند الرب»، وبين ترنيمة وأخرى تتغير الوجوه، لكن لا يتغير ذلك الشعور الذى جاء بهم إلى هنا؛ شعور الإنسان حين يقف أمام أمر لا يستطيع السيطرة عليه، فيبحث عن مساحة يستطيع فيها أن يضع خوفه وانتظاره ورجاءه.
لم تأت منال اندراوس، 61 عاما، هذه المرة إلى دير درنكة تحمل أمنية جديدة، وإنما عادت تحمل دموعا مختلفة، دموع أم تحقق أمام عينيها حلم ابنتها الذى طالما خافت ألا تستطيع مساعدتها فى الوصول إليه، وقفت أمام أيقونة السيدة العذراء، واستسلمت لفرحتها، وهى تتذكر يوم جاءت إلى المكان نفسه تحمل أمنية أثقل من قدرتها، ابنتها كانت تحلم بدراسة الطب، لكن مصروفات الجامعات الخاصة كانت أكبر من إمكانات الأسرة، وكانت الأم ترى حلم ابنتها يكبر أمامها، بينما تخشى أن تضطر يوما إلى إخبارها بأنها لا تستطيع تحقيقه.
تقول، وهى تمسح دموعها: «أنا جيت قبل كده وطلبت من العذراء حاجة واحدة، إن ربنا يفتح لبنتى باب تدخل منه كلية الطب، لأنها كانت نفسها فيها جدا، وأنا ما كنتش أقدر على مصاريف جامعة خاصة، كنت بتوجع لما أشوفها بتحلم وأنا مش عارفة أساعدها، لكنى فضلت أدعى وأقول: يا عذراء افتحى لها باب، ولما عرفت إنها دخلت كلية الطب، حسيت إن لازم أرجع للمكان اللى طلبت فيه وأشكر».
وبينما تشعل شمعتها أسفل الأيقونة، تلتفت إليها عيون الزوار؛ بعضهم يبتسم، وآخرون يدمعون، وكأن كل واحد منهم رأى فى قصتها صورة لأمنيته هو، وتمنى أن يعود يوما بالشمعة نفسها، ليقول: «جئت لأشكر.. لقد تحقق ما تمنيت».
وفى هذه الحكاية، لا تكون الشمعة مجرد تفصيلة فى المشهد، وإنما تصبح الفصل الأخير فى قصص كثيرة بدأت بدعاء، فالزائر الذى جاء يوما وهو يطلب، قد يعود بعد أن يتحقق رجاؤه حاملا شمعة، يشعلها تحت أيقونة العذراء، ثم يقف أمامها للحظات، وكأنه يستعيد فى ذاكرته ذلك اليوم الذى كان فيه هو نفسه صاحب الأمنية، فيقول بطريقته الخاصة إنه لم ينس.
تظل الشموع مضاءة، وبعضها لطلب لم يتحقق بعد، وبعضها لطلب تحقق، فعاد صاحبه ليشكر، وبين الاثنين تبقى المسافة مفتوحة أمام احتمالات كثيرة، فليس كل من طلب حصل على ما طلبه، وليس كل من انتظر جاءت الإجابة بالطريقة التى تخيلها، لكن كثيرين يعودون من المكان بشيء آخر لا يقل أهمية عن تحقيق الأمنيات: القدرة على الاستمرار.
حكايات ليالى دير درنكة
مع امتداد ليالى دير درنكة من السابع وحتى الحادى والعشرين من أغسطس، تتعاقب الحكايات أمام أيقونة العذراء، شاب ينتظر زوجة، وابنة تخشى على أمها، ورجل يبحث عن مخرج من أزمة، وزوجة تنتظر طفلًا، ورجل جاء لا يطلب شيئًا محددًا سوى أن يجد نفسه من جديد، وكل واحد منهم يترك شيئًا من حكايته فى المكان، ثم يمضى، بينما تستمر الترانيم فى الخلفية وتواصل الشموع احتراقها ببطء.
وفى النهاية، ربما لا تكون الحكاية كلها عن الذين تحقق لهم ما تمنوا، بقدر ما هى عن أولئك الذين امتلكوا الشجاعة ليقولوا ما يؤلمهم، وأن يعترفوا بأنهم فى لحظة ما كانوا بحاجة إلى الرجاء أكثر من حاجتهم إلى أى شيء آخر.
ولهذا تظل الجملة تتردد فوق الرؤوس، من حنجرة إلى أخرى، ومن قلب إلى آخر: «فى ظل حماك نلتجئ.. لا ترد طلباتنا عندما نرجوك».. ثم تنطفئ بعض الشموع، وتبقى أخرى مضاءة، ويخرج الزائرون من الدير واحدًا تلو الآخر، يحمل كل منهم حكايته معه، بينما يظل تحت الأيقونة ضوء صغير يذكر بأن هناك من جاء طالبا، ومن عاد شاكرا، ومن لا يزال ينتظر.