وجد تنظيم الإخوان الإرهابى فى الشائعات غايته الغائبة لاستهداف أركان الدولة.. فهى وفقا لعقيدتهم «سلاح قاتل دون خسائر»، فالشائعة بالنسبة لهم «سلاح بلا صوت، وحرب بلا جيوش، منْ يطلقها لا يظهر، ومنْ يصدقها ويتناقلها ويروج لها يصبح جنديا فى صفوفهم دون أن يدري».. ومن هذا المنطلق تحركت الجماعة الإرهابية عقب ثورة 30 يونيو عام 2013، غادرت الجماعة الميادين، ودخلت من نافذة الهاتف، فى الفضاء الذى لا حدود له، ووجدت الجماعة سلاحها الجديد: الكلمة المسمومة، والشائعة التى تسرى كالنار فى الهشيم.
«الكذب والتضليل وتزييف الحقائق» يعد نهجًا متكررًا لدى الجماعة الإرهابية، لتحقيق مخططاتها والهجوم على مؤسسات الدولة لإحداث فجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة عبر التشكيك فى أى بيان أو قرار رسمي، وتحويل أى أزمة إلى دليل على «فشل النظام» حتى لو كانت الأزمة عالمية، وفى ظل انتشار استخدام الهواتف الذكية وتوسع خدمات الإنترنت، اعتمدت الجماعة الإرهابية على الفضاء الإلكترونى كإحدى أدواتها الرئيسية للتأثير والتحشيد والتحريض، داخل مصر وخارجها، ووجد التنظيم أرضا خصبة للتغلغل داخل المجتمع والتأثير على الرأى العام، وتدوير خطاب تحريض قائم على التضليل والكذب لتشويه مؤسسات الدولة، تعتمد فيه على إنتاج محتوى رقمى مبسط ومشحون عاطفيا، لتعزيز قدرتها على الوصول لشريحة أكبر واستقطاب قطاعات أوسع من الناس، خاصة فئة الشباب باعتبارها الأكثر تفاعلا مع المحتوى الرقمى والأسرع تأثرا بالرسائل العاطفية.
الهيكل التنظيمى للجان الإلكترونية
تحولت المنصات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعى إلى غرف عمليات لإدارة الصراع السياسي، يعتمد خلالها الإخوان على بنية إعلامية منظمة، تعمل على إنتاج وإدارة محتوى رقمى بهدف التأثير فى الرأى العام، تقوم فى عملها على ما يعرف بـ«التكرار المنسق»، حيث يتم إطلاق الشائعة من حساب واحد، ثم تعاد صياغتها بعشرات الصيغ المختلفة عبر شبكة حسابات ولجان إلكترونية، ويُعلق عليها المئات لإعطاء انطباع بأنها «تريند» أو «رأى عام»، فيتوه المتلقى بين «الكم» و«الصدق» فيظن أن الكثرة دليل صدقها.
ويعتمد «الإخوان» على هيكل إعلامى لصناعة المحتوى ونشره، ويضم الهيكل التنظيمى للجان الإلكترونية للإخوان ثلاثة مستويات، أولها: غرف التوجيه المركزية والتى تمثل العقل المدبر للجان، وهى عبارة عن مكاتب إدارية توجد بالخارج مثل تركيا وماليزيا وهولندا وفيينا، ومهمتها الأساسية هى تحديد الخطاب العام، ووضع السياسات الإعلامية، واختيار القصص والروايات والأحداث التى سيتم التركيز عليها والترويج لها خلال فترة زمنية محددة، أما المرحلة الثانية فهى مرحلة إنتاج محتوى سهل التداول، سريع الانتشار وقادر على التأثير فى المتلقي؛ حيث تتولى فرق متخصصة صياغة المحتوى وتحويل الأفكار والأحداث السياسية إلى قصص قصيرة ومبسطة مع تغليفها بمحتوى عاطفى يسهل تداولها لزيادة الانتشار والتأثير، وثالثا: مرحلة التنفيذ من خلال شبكة هرمية تضم آلاف الحسابات والصفحات التى تقوم بنشر المحتوى فى توقيتات زمنية محددة لخلق حالة زائفة من الانتشار.
وفى يونيو الماضى أعلنت حركة «ميدان» التابعة للجماعة الإرهابية استمرارهم فى طريقهم للهجوم على مؤسسات الدولة، وشددوا على أسموه مواصلة «المعركة» والاعتماد على الأجيال الجديدة خصوصا جيل z.
أدوات الإخوان للتأثير الرقمي
ويعتمد التأثير الرقمى للإخوان على عدة أدوات أولاها: تضخيم الرواية وإعادة تدوير رواية كاذبة بنشرها من حساب رئيسي، ثم تتولى المنصات التابعة لهم إعادة صياغتها، بينما تقوم الحسابات الأخرى بتداولها بالتعليقات المكثفة وإعادة النشر، ولا تحتاج ماكينة الشائعات الإخوانية لاختلاق قصة كاملة من بدايتها، بل تلجأ إلى اقتطاع جزء من الحقيقة واختلاق الأكاذيب حولها، وهو الأسلوب الأكثر فاعلية لديهم للتأثير على الرأى العام، عبر محتوى يستهدف ضرب الثقة فى مؤسسات الدولة، مع استخدام مقاطع فيديو قصيرة بلغة دينية أو إنسانية يتم استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية كبوابة للدخول من خلالها لاستهداف مباشر للشباب والفئات الأكثر تضرراً، بهدف تشويه صورة الدولة الوطنية، وإحداث شرخ فى الانتماء، كما أن هناك ما يعرف بـ«هندسة التريند» من خلال الدفع بـ«هاشتاجات» محددة إلى صدارة «التريند» بهدف إثارة الفوضى وممارسة ضغط على مؤسسات الدولة.
ثعالب الوعى والديسكورد
ومن أبرز الملفات التى يعمل عليها الإخوان من خلال حركة ميدان الإرهابية، لنشر الكذب الموجه والشائعات ونشر خطاب تحريضى يقوم على التضليل والتخويف، هو استهداف جيل z من خلال عدد من اللجان الإلكترونية التى تهاجم مؤسسات الدولة، حيث أطلقت اللجان الإلكترونية لحركة «ميدان» الإخوانية مجموعة تسمى بـ«ثعالب الوعى _ Viral Foxes» على تطبيق «تليجرام»، يقدمون أنفسهم على أنهم فريق يواجه الصفحات المؤيدة للنظام ومؤسسات الدولة وذلك عبر حملات رصد وتنسيق إلكتروني، ويقومون بالاشتباك معهم ومهاجمتهم، ويعتمدون على تجنيد الأعضاء وتقسيمهم مجموعات متخصصة وتكليفهم بمهام مع إعطائهم تعليمات أمنية لتشفير البيانات وإخفاء الهوية، وكانت أول مهمة لهم هو استهداف منشور لوزارة الخارجية المصرية بشأن تصريحات نتنياهو فى سبتمبر 2025، حيث دعوا الأعضاء للتفاعل (أضحكني) ونشر تعليقات استهجان، وتوالت بعدها المزيد من الحملات الممنهجة لمهاجمة مؤسسات الدولة والصفحات المؤيدة لها ومهاجمتها وتشويه إنجازات الدولة.
وفى أكتوبر 2025 بدأ التحول على تطبيق «ديسكورد» لاستقطاب المزيد من الشباب وتجنيدهم من خلال مناقشات سياسية وفكرية لتشكيل وعيهم حيث يستهدفون حشد مزيد من الشباب ممن لم يعايشوا الواقع خلال 15 سنة الأخيرة، ولم يكونوا شاهدين على جرائم الإخوان وإرهابهم خلال السنوات الماضية؛ ليتم تجنيدهم عبر مراحل متتالية، وطالبوا من عناصرهم عمل حسابات على تطبيق ديسكورد مع الالتزام بالأمان الشخصي؛ حيث يقدمون أنفسهم على أنهم تيار شباب وطنى مصرى يجتمعون على قيم العدالة والكرامة والمواطنة، وذلك حتى يكتسبوا ثقة الشباب والمراهقين ويحصلوا على دعمهم.
ويختلف تطبيق «ديسكورد» عن تطبيقات التواصل الاجتماعى الأخرى مثل «واتساب» و«فيس بوك»، فبينما تركز تلك التطبيقات على التواصل بين الأصدقاء والمعارف، يقوم «ديسكورد» على مفهوم «السيرفرات» أو الخوادم، وهى مساحات افتراضية يمكن لأى شخص إنشاؤها أو الانضمام إليها وفق اهتماماته، دون معرفة مسبقة بالأعضاء، ويوفر التطبيق محادثات نصية، وقنوات صوتية مباشرة، ومكالمات فيديو، مع إمكانية تبادل الملفات والصور والروابط بحرية، كما تسمح القنوات المفتوحة لأى عضو بالدخول والمشاركة فى أى وقت؛ لينتقل من كونه مجرد منصة للتواصل إلى فضاء رقمى واسع يجعله بيئة خصبة لاستدراج الشباب والمراهقين، وأطلقوا من خلاله حملاتهم الممنهجة ضد الدولة بتنظيم حملة «فلوسى لأهلي»، وطلبوا من عناصرهم التفاعل المكثف على المنصات والمواقع الإلكترونية مع الحملة التى تدعو إلى إيقاف تحويلات المصريين بالخارج لعدم استفادة النظام منها، وفتحوا نقاشا عن الهجرة غير الشرعية، كما فتحوا قناة نقاشات كروية على سيرفر الديسكورد؛ بالإضافة لقناة انهيار الجنيه، وقناة المواصلات والإنترنت، وقناة التعليم، وقناة الصحة والدواء.
وتعتمد آليات الإخوان لنشر الشائعات والاستقطاب والتجنيد على استثمار الثغرات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية لضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة عبر بث الشك وتضخيم الأزمات، واستقطاب الشباب عبر استغلال الإحباط وتقديم خطاب يصور نفسه كـ«صوت المظلومين» ما يكشف مؤامرات الإخوان ضد الدولة ومحاولاتهم المستمرة لإثارة الرأى العام وإدارة حالة من الفوضى المعلوماتية، وهى حيلة التنظيم للحفاظ على ما تبقى منه، والحفاظ أيضا على حالة التعبئة لدى أنصاره.
وفى هذا السياق، قال إسلام الكتاتني، الباحث فى شئون الإسلام السياسي، إن «جماعة الإخوان تعتمد على سلاح محاولة زعزعة الاستقرار الداخلى وإثارة البلبلة بشكل مستمر، من خلال حرب الشائعات والأكاذيب المتكررة»، مضيفًا أن «تنظيم الإخوان لم ينتهِ؛ لأن الجماعات الأيديولوجية لديها قدرة على التكيف وإعادة ترتيب أوراقها عندما تتغير الظروف، والإخوان لديهم حالة من العداء للدولة المصرية».
«الجوبلزة» سلاحهم ضد الدولة
وأوضح «الكتاتني»، أن «الإرهابية تعتبر الإعلام إحدى أهم أدوات التأثير فى المجتمع، ولذلك وظفته تاريخيا فى بناء النفوذ، وتوجيه الرأى العام، والترويج لخطاب التنظيم، حيث يمتلكون عشرات الفضائيات خارج مصر تعمل على التحريض ضد مؤسسات الدولة ونشر الأكاذيب، غير أن الجماعة لم تعتمد فقط على الإعلام التقليدى بل اعتمدت بصورة أكبر على الفضاء الرقمى والمنصات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعى لنشر الإحباط، وإضعاف ثقة المواطن بالدولة، خلق حالة مستمرة من التشكيك من خلال محتوى رقمى يركز على الأزمات والمشاكل اليومية، وتتمثل خطورة هذا الخطاب فى محاولة ممنهجة لزرع حالة من فقدان الثقة، بحيث يتم تضخيم أى مشكلة، وهذا الأسلوب يندرج ضمن ما يعرف بحروب الوعي، التى تستهدف إثارة البلبلة وزعزعة ثقة المواطنين فى مؤسسات الدولة، مستغلين التأثير الكبير للصورة وسرعة انتشارها عبر منصات التواصل الاجتماعي»، مؤكدًا أن «وعى الشعب المصرى يمثل خط الدفاع الأول والركيزة الأساسية فى التصدى للشائعات والمعلومات المضللة والأكاذيب التى يروجها الإخوان بهدف زعزعة استقرار الدولة وتزييف الوعى العام».
وأشار إلى أن الإخوان يستخدمون «الجوبلزة» كمنهج عمل، حيث يعتمدون على إعادة ترديد الشائعة حتى تصدق، وعلى مخاطبة العواطف لا العقول، فى محاولة لصناعة وعى زائف يضرب ثقة الناس فى الدولة، من منطق شعار أطلقه جوزيف جوبلز مهندس ماكينة الدعاية النازية «اكذب، اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس»، لذلك أعلن عن تدشين مبادرتى بالدعوة إلى عقد المؤتمر الوطنى الأول لحماية أطفالنا وشبابنا من مخاطر وسموم السوشيال ميديا، وأتمنى أن تلقى الفكرة صدى وقبولا على المستوى الرسمى والشعبي.
من جانبه أكد النائب ناجى الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي، عضو مجلس الشيوخ، أن «مواصلة جماعة الإخوان استخدام الشائعات وإثارة البلبلة والفوضى تعكس فى جوهرها حالة من الإفلاس السياسى والتنظيمى وفقدان القدرة على التأثير المباشر فى المجتمع»، مشيراً إلى أن «الجماعة كلما تراجعت قدرتها على الحشد والتأثير، لجأت بصورة أكبر إلى أدوات التضليل والتشكيك وضرب الثقة بين المواطن والدولة».
وقال «الشهابي» إن «الشائعة بالنسبة للجماعة لم تعد مجرد خبر كاذب، وإنما أصبحت أداة سياسية ممنهجة تستهدف الوعى العام»، موضحاً أن «الهدف ليس دائماً إقناع المواطن بالشائعة كاملة، وإنما دفعه إلى حالة من الشك والارتباك وفقدان الثقة فى كل مصادر المعلومات، حتى يصبح غير قادر على التمييز بين الحقيقة والكذب».
رئيس حزب الجيل، أضاف أن «أخطر ما فى ماكينة الشائعات الإخوانية أنها لا تعتمد دائما على اختلاق وقائع من العدم، وإنما تلجأ إلى اقتطاع جزء من الحقيقة من سياقه، ثم إعادة تقديمه بصورة مختلفة، وإضافة تفسيرات وعناوين مثيرة توصل المتلقى إلى استنتاج مضلل»، مؤكداً أن «نصف الحقيقة قد يكون أخطر من الكذبة الكاملة».
وأشار «الشهابي» إلى أن «هذا الأسلوب أصبح أكثر خطورة فى عصر المنصات الرقمية، حيث يمكن لمعلومة مبتورة أو صورة مفبركة أو مقطع فيديو مجتزأ أن يصل إلى ملايين المواطنين خلال دقائق، قبل أن تتاح فرصة التحقق منه»، لافتاً إلى أن التطور الهائل فى تقنيات الذكاء الاصطناعى جعل المعركة أكثر تعقيدا، بعدما أصبح من الممكن إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو مزيفة تبدو للوهلة الأولى حقيقية.
كما شدد على أن «استخدام التضليل والكذب السياسى يزداد عادة عندما تشعر الجماعة بالضعف وفقدان القدرة على التأثير المباشر»، لكنه شدد فى الوقت نفسه على ضرورة التمييز بين التنظيم الذى يمارس التضليل وبين المواطن الذى قد يقع ضحية للشائعة، قائلاً: «ليس كل منْ يصدق شائعة إخوانية عضواً فى التنظيم أو مؤيداً له، فهناك مواطن قد يكون قلقاً أو غاضباً أو يبحث عن تفسير لمشكلة يواجهها، فتصل إليه رواية مضللة فيصدقها، وأقوى رد على الشائعة هو دولة تعمل بكفاءة، وإعلام مهني، ومعلومة دقيقة وسريعة، ومواطن يشعر بأن مؤسسات دولته تضعه أمام الحقيقة».
وقال «الشهابي» إن «مصر تحتاج إلى الانتقال من سياسة «نفى الشائعة بعد انتشارها» إلى بناء مواطن قادر على اكتشاف التضليل قبل الوقوع فى فخه، وذلك من خلال تطوير الإعلام الوطني، وتسريع الاستجابة للمعلومات المغلوطة، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وتعليم الشباب مهارات التحقق من مصادر المعلومات، إلى جانب وجود الدولة بصورة أكثر فاعلية على المنصات الرقمية التى يتابعها المواطنون».
كما أكد أن «المعركة مع جماعة الإخوان وغيرها من جماعات الفوضى ليست معركة أمنية فقط، وإنما معركة بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع الفوضى، وبين الحقيقة والتضليل، وبين الوعى والاستقطاب»، مشدداً على أن المواطن المصرى الواعى هو خط الدفاع الأول عن الدولة الوطنية.