مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، وما رافقها من تهديدات متكررة بحرية وأمنية، أصبح مضيق هرمز فى قلب واحدة من أكثر أزمات أمن الطاقة حساسية فى السنوات الأخيرة، وفى المقابل، لا يقل مضيق باب المندب أهمية عن «هرمز» وبين موجات التصعيد والتهدئة الهشة التى انتهت في17 أغسطس الجارى والمفاوضات الأمريكية - الإيرانية التى لا تزال مآلاتها مفتوحة حول مصير حرية الملاحة فى هرمز وانعكاس ذلك فى باب المندب، يبرز سؤال جوهرى يتجاوز حدود المواجهة الإقليمية: أيّ الممرين يملك فعلاً مفتاح أمن الطاقة والتجارة العالميين؟
فى صراعات القرن الحادى والعشرين، غالبًا ما يكون تعطيل البنية التحتية اللوجستية الحيوية أكثر فاعلية من الناحية الاستراتيجية من شنّ غزو عسكرى تقليدي، حيث تعتمد الاقتصادات الحديثة على تدفقات التجارة والطاقة دون انقطاع، مما يجعل الممرات البحرية أهدافًا جذابة بشكل خاص فى الحرب الهجينة، وقد حول «هرمز» و«باب المندب» النفوذ على الممرات الضيقة إلى قوة تتجاوز جغرافيتها المباشرة وإلى أسلحة جيوسياسية، وأظهرت الأحداث فى مضيق هرمز وحوله مدى سرعة تأثير تعطيل الملاحة البحرية على أسواق الطاقة العالمية، وبقرار سياسى واحد، تسببت إيران فى أحد أخطر الاضطرابات التى شهدتها أسواق الطاقة العالمية فى السنوات الأخيرة.
عند اندلاع الأزمات، تتحول الممرات البحرية من قنوات تبادل إلى أدوات ضغط اقتصادى وصفقات على طاولة المفاوضات، وتتجاوز تداعياتها مجرد تأخير الشحنات لتشمل إعادة هيكلة تكاليف الشحن والتأمين العالمية، وأصبحت السيطرة على هذا الممر المائى الحيوى محورا رئيسيا للحرب فى الآونة الأخيرة، حيث قال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إنه سيُعلن قريبًا «مضيق هرمز أرضًا أمريكية» فى تصريحات استعرض فيها قوة الولايات المتحدة وسط الحرب مع إيران التى اتهمت «ترامب» بأنه يعيش «أوهاما خيالية»، مؤكدةً أن «المضيق سيبقى تحت سيطرة إيران».
وتواجه أسواق الطاقة العالمية الآن تحديًا مماثلًا، ولكن هذه المرة عبر وكلاء إيران بدلًا من العمل الإيرانى المباشر، حيث تُهدد هجمات الحوثيين بشكل مباشر طريقًا بحريًا ازدادت أهميته بشكل كبير منذ أن أصبح مضيق هرمز غير آمن، ويربط مضيق باب المندب البحر الأحمر والمحيط الهندى بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس، حيث يحمل حوالى 30 فى المائة من التجارة العالمية فى الحاويات وملايين البراميل من النفط يوميًا، ولقد عطلت الهجمات الحوثية، التى تتماشى غالبًا مع المصالح الإيرانية، هذا المسار بشكل متكرر منذ عام 2023، مع تجدد التهديدات هذا العام استجابةً لذلك تحولت حركة الملاحة البحرية نحو مسار رأس الرجاء الصالح الأطول بكثير، مما زاد من أوقات النقل، واستهلاك الوقود، وتكاليف الشحن، وأقساط التأمين.
يُعدّ مضيق باب المندب بالغ الأهمية لإمدادات الطاقة العالمية، إذ يُشكّل المسار الرئيسى لنقل النفط الخام والغاز الطبيعى المسال من الخليج العربى عبر البحر الأحمر باتجاه قناة السويس وخط أنابيب سوميد، ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، شكّلت شحنات النفط التى عبرت نقاط الاختناق فى البحر الأحمر، بما فيها باب المندب، نحو 12 فى المائة من إجمالى النفط المتداول بحرًا، ونحو 8 فى المائة من تجارة الغاز الطبيعى المسال العالمية خلال النصف الأول من عام 2023.
وعلى عكس مضيق هرمز، الذى تنبع أهميته الاستراتيجية أساسًا من دوره كممر للطاقة، يُعدّ باب المندب نقطة اختناق حيوية فى قطاعى الطاقة والتجارة العالمية، فإلى جانب النفط والغاز الطبيعى المسال، ينقل المضيق نحو 10 فى المائة من التجارة البحرية العالمية، بما فى ذلك البضائع المعبأة فى حاويات، والسلع المصنعة، والمنتجات الغذائية، والمكونات الصناعية التى تنتقل بين آسيا وأوروبا، ونتيجة لذلك، تتجاوز الاضطرابات فى باب المندب أسواق الطاقة؛ إذ تؤدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وتأخير سلاسل التوريد، وتعطيل عمليات الميناء، والمساهمة فى الضغوط التضخمية على مستوى الاقتصاد العالمي.
فى حال تعطل كلا الممرين المائيين فى آنٍ واحد، سيُحجب ما يقارب ثلث تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، وسيُعانى أحد أهم الممرات التجارية بين آسيا وأوروبا من قيود شديدة، كما لن يُؤدى هذا السيناريو إلى حجب ربع إمدادات الطاقة فى العالم فحسب، بل سيخلق أزمة تجارية ولوجستية أوسع نطاقًا، مع تداعيات متتالية على سلاسل التوريد العالمية، وتكاليف الشحن، والتضخم، والاستقرار الاقتصادي، لذلك يرتبط دور باب المندب ارتباطًا وثيقًا بحسابات واشنطن بشأن مضيق هرمز؛ إذ أصبح هذان الممران الحيويان جزءًا من معادلة استراتيجية واحدة، بدلًا من كونهما تحديين أمنيين منفصلين، لذا، من المرجح أن يُؤثر أى قرار أمريكى بشأن هرمز على التطورات فى البحر الأحمر.
ومن هذا المنطلق، تواجه واشنطن فعليًا ثلاثة خيارات رئيسية أولها «مواصلة حرب الاستنزاف الحالية، والحفاظ على الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، ومواصلة الضغط الاقتصادى عبر العقوبات»، ورغم أن هذه الاستراتيجية تتجنب مخاطر التصعيد الكبير، إلا أنها تُطيل أمد حالة عدم اليقين فى أسواق الطاقة العالمية، مع استمرار انخفاض احتياطيات النفط الاستراتيجية.
ثم يأتى الخيار الثانى وهو «التصعيد العسكري»، مع أن حملة أوسع نطاقًا لن تُتيح سوى فرص محدودة لتحقيق نتيجة حاسمة، وتُشير التقديرات إلى أن عملية برية واسعة النطاق على طول ساحل الخليج الإيرانى ستتطلب نحو 100 ألف جندي، أى ما يُقارب ضعف العدد الحالى للقوات الأمريكية فى المنطقة، فى حين أن الولايات المتحدة قد استنفدت بالفعل جزءًا كبيرًا من مخزونها من صواريخ باتريوت الاعتراضية فى الدفاع ضد الهجمات الصاروخية والطائرات المُسيّرة الإيرانية، والأهم من ذلك، أن نزاعًا أوسع نطاقًا من شأنه أن يُشجع الحوثيين على تكثيف عملياتهم فى البحر الأحمر، مما يُزيد الضغط على مضيق باب المندب ويُقلل حركة الملاحة التجارية عبره.
الخيار الثالث يدور حول «التوصل إلى تسوية تفاوضية»، وتشير التقارير إلى أن المناقشات التى يسرتها عُمان تصور اتفاقًا يسمح بحرية حركة الملاحة المتجهة جنوبًا، بينما تتطلب حركة الملاحة المتجهة شمالًا موافقة طهران ودفع مقابل خدمات مثل الأمن البحرى أو الرقابة البيئية، ويبدو أن هذا الاتفاق يمثل المسار الأكثر واقعية لاستعادة الملاحة عبر مضيق هرمز على المدى القريب.
مع ذلك، حتى لو تكللت المفاوضات بالنجاح فى هرمز، فإن الاستقرار فى باب المندب ليس مضمونًا، فجبهة البحر الأحمر تخضع لديناميكيات سياسية وعسكرية خاصة بها، وأى خفض دائم للتوترات يتطلب تفاهمًا موازيًا بين السعودية والحوثيين، وبالنسبة إلى إيران، يُمثل استمرار ضغط الحوثيين فى البحر الأحمر مصدرًا إضافيًا للضغط خلال المفاوضات، ما يضمن ألا يؤدى التقدم المُحرز بشأن هرمز وحده إلى تقويض قدرة طهران على التأثير فى تدفقات الطاقة الإقليمية، وبهذا المعنى، لا يُعدّ باب المندب مسرحًا مستقلًا للصراع بقدر ما هو احتياطى استراتيجى للضغط القسري، ما يسمح لإيران وحلفائها بالاحتفاظ بقوة التفاوض حتى فى حال التوصل إلى اتفاق بشأن هرمز.