رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

كنوز المصوّر| لقـــاء القمتين.. صالح مرسى يكتب عن أمينة السعيد


21-8-2026 | 14:35

الكاتب والروائى الكبير صالح مرسى

طباعة

فى 24 أغسطس من كل عام نحيى ذكرى رحيل الكاتب والروائى الكبير صالح مرسى، أحد أبناء «دار الهلال» الأوفياء، الذى ارتبطت صفحات مجلة «المصور» باسمه، فكانت منصته التى أطل منها على القراء برواياته الخالدة ونشرت بها مسلسلة مثل «دموع فى عيون وقحة» و«رأفت الهجان»، إلى جانب مقالاته وحواراته البديعة.

وبمناسبة هذه الذكرى فضلنا أن نعيد نشر مقال للكاتب صالح مرسى، عن القامة الصحفية الكبيرة أمينة السعيد التى أثرت الصحافة المصرية والعربية وترأست مؤسسة «دار الهلال» عام 1977، والذى نشر بالمصور فى أكتوبر 1984 بمناسبة احتفال المجلة بمرور 60 عاما على صدور عددها الأول.

اسمها بالكامل: أمينة أحمد السعيد مصطفي، ابنة الدكتور أحمد السعيد مصطفى الذى رزق بثمانى بنات، وولد كان آخر العنقود.. ومات من بنات الدكتور أحمد أربع، وتبقى أربع وولد.. هم بالترتيب: كريمة السعيد، عزيزة السعيد، أمينة السعيد، ثم عظيمة السعيد.. مات الأب ومصطفى لا يزال طفلاً بين يدى إخوته البنات، ولذلك فكلهن ينظرن إلى مصطفى على أنه ابن قبل أن يكون أخاً.

ولكن.. ما الذى كان يميز أمينة عن إخوتها؟

سمعت حوارى معها مرتين، فى كل مرة كنت أجلس إلى صوتها المتدفق وهى تحكى كى أستشف وأعرف، فهى هى تعرف طريقها جيداً، تقول لك ما تريد، وتمنع ما لا تريد.. كانت أمينة جميلة، وهى لا تزال تحمل ملامح هذا الجمال «الشقي» الذى اشتهرت به، وليس هناك شك أن أكثر ما يميز أمينة عن شقيقاتها، هى تلك الحيوية الفياضة التى كانت تحير الجميع، والتى جعلت مختار أفندى مدرس التاريخ، يطلب من الطالبة أمينة أحمد السعيد مصطفى وكلما دخل الفصل فى المدرسة الثانوية، أن تغادر مكانها، وأن تقف ووجهها إلى الحائط.. كان مختار أفندى يفعل هذا بعد أن يلقى تحية الصباح على تلميذاته فى مدرسة شبرا الثانوية للبنات مباشرة.. كان يعلم أن أمينة لا تكف عن الحركة، ولا يردعها إلا أن تقف طوال الحصة ووجهها إلى الحائط، ولقد حز فى نفسها هذا التصرف فصنعت شيئين: الأول أنها راحت تكتب على الحائط أمامها تاريخ العقاب، ظلت تكتب تاريخ اليوم حتى امتدت التواريخ من قامتها إلى الأرض، ولقد ضبطها مختار أفندى وقد ركعت ذات يوم وهى تكتب، سألها عما تفعل، فنظرت إليه وقالت فى تأثر:

 
 

لقد أصبح عقابك لى طابوراً من التواريخ وصل إلى الأرض.

نظر إليها الرجل دهشاً فأردفت مشيرة إلى التواريخ:

هذه أيام عقابك.

فعفا عنها.

كان هذا شيئاً مما صنعته، أما الشيء الآخر فهو نظم الشعر هجاء فى المدرسين، كان شعراً ركيكاً طبعاً زي: «أيها العام الذى وحاجات من دي، لكن الطامة الكبرى حصلت لما ضبطنى الأستاذ وأنا باكتب الشعر ده، ولما قرأ اللى أنا كاتباه عليه».

وبعيداً عن شقاوة أمينة كان هذا الشعر هو أول طريقها إلى الكتابة.

فى أواخر العشرينات من هذا القرن وأوائل الثلاثينات، كانت مصر تحتفى بثورة غريبة فى جنوح الفتيات إلى دخول الجامعة وجلوسهن مع الشبان فى مدرج واحد... أبناء أيامنا هذه لا يعرفون أن تلك كانت واحدة من أعنف المعارك التى خاضها المجتمع المصرى فى تلك السنين، وسمع الناس لأول مرة أسماء مثل نعيمة الأيوبى التى التحقت بكلية الحقوق كى تصبح محامية، سمع الناس عن فاطمة فهمى وسهير القلماوى وفاطمة سالم فى الآداب، وسمع الناس عن أول طالبة تدخل كلية الطب وكان اسمها فضيلة عارف.

وفى كلية العلوم دخل الدكتور على مشرفة عميد الكلية، معركة ضارية فى وزارة المعارف إلى جانب أول معيدة فى الجامعة، وهى عالمة الذرة، الدكتورة سميرة موسي.

وإذا كانت هذه أول طالبة فى الآداب، وهذه أول طالبة فى الطب، وتلك أول طالبة فى العلوم، فلقد وقع اختيار أمينة أحمد السعيد على مدرسة التجارة العليا، كى تكون أول طالبة فى كلية التجارة.

لكن هذا كان مستحيلاً لسبب بسيط، إن مدرسة التجارة العليا لم تكن قد أصبحت كلية بعد، لم تكن قد انضمت إلى الجامعة، فأصبح التحاق أمينة بها مستحيلاً، وإذا كان المجتمع قد سمح بعد معارك ضارية بالاختلاط فى الجامعة، فهو لم يكن قد سمح بعد بالاختلاط فى المدارس.

وكان لا بد لأمينة أن تلتحق بالجامعة، وكانت هناك رائدات قبلها دخلن كلية الآداب فالتحقت بالكلية، وكانت أول طالبة تدخل قسم اللغة الإنجليزية والمرأة الوحيدة فيه حتى تخرجت.

وهى لا تنسى بالطبع أول يوم ذهبت فيه إلى الجامعة: لبست وأتأنتكت وبقيت على سنجة عشرة... لكنها عندما وصلت إلى الكلية أصيبت بصدمة عنيفة.

ترددت السيدة أمينة السعيد قبل أن تحكى لى ما حدث، قالت إنها خجلت من نفسها ولا تزال تشعر بالخجل كلما تذكرت هذا الذى حدث، كانت كلية الآداب فى مواجهة كلية الحقوق، وأمام كلية الحقوق كانت هناك سيارات الطلبة متراصة، أما أمام كلية الآداب، فهى لم تجد سوى دراجة واحدة قديمة.

لم تكن هذه هى الصدمة الوحيدة، فإن طلبة الآداب بدوا لها رجالاً كباراً بطرابيشهم العالية وشواربهم الكثة وملابسهم الرثة، هكذا بدوا لها، وهكذا عادت إلى البيت فى ذلك اليوم لتكتب لأبيها خطاباً ترجوه فيه أن ينقلها من الآداب إلى الحقوق حيث أبناء الأسر، وكان الأب فى عمل له فى الأرض التى يملكها وانتظرت أمينة رد أبيها على أحر من الجمر ولقد جاء الرد لكنه كان درساً لم تنسه حتى اليوم.. كتب الدكتور أحمد السعيد مصطفى يقول لابنته إنه فجع فيها أنه لم يكن يظن أن أمينة المتألقة المتفجرة بالحياة، تافهة إلى هذا الحد، وأنها تحترم الناس لما يملكون من مال وسيارات ولا تحترمهم لما تحويه رءوسهم من علم وثقافة.. كان رد الأب تصميماً على بقاء أمينة فى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية.

وبقيت..

وفى كلية الآداب اكتشفت أمينة الكثير، وصنعت صداقات لا تزال حتى اليوم دائمة، ولا تزال مبعث فخر لها، كان منهم كروان الإذاعة الأستاذ محمد فتحي، واحد من رواد الفن الإذاعى فى العالم العربى وصاحب مدرسة تمتد بالأجيال حتى اليوم، وكان منهم المرحوم الدكتور رشاد رشدي، وكان منهم الدكتور إبراهيم عبده الذى قاد خطواتها الأولى نحو الصحافة.

وإذا كان إبراهيم عبده طالباً معها فى الآداب، فلقد كان صديقاً لطالب فى الحقوق اسمه مصطفى أمين، وكان الاثنان يعشقان الكتابة والصحافة.

قال لها إبراهيم عبده ذات يوم: ما تيجى يا أمينة تشتغلى معانا فى جريدة كوكب الشرق.. كان يرأس تحرير الجريدة أحمد ماهر باشا، وكانت تصدر عن حزب الوفد.. وذهبت أمينة إلى الجريدة وقابلت ماهر باشا الذى طلب منها أن تحرر لهم صفحة نسائية ومرتباً قدره ثلاثة جنيهات فى الشهر.. لم تكن تعرف شيئاً عن الصحافة بعد، ولا عن الكتابة، لكنها وجدت نفسها فى معترك كان لا بد وأن تنتصر فيه، وعملت أمينة وهى طالبة فى جريدة كوكب الشرق، لكنهم – وعندما حان موعد تسلم المرتب – قالوا لها إن الميزانية لا تسمح، وأنهم سوف يعطونها بدل المال كتباً، لكنها أيضاً لم تتسلم الكتب، فاحتجت وتركت العمل.

هنا التقطها مصطفى أمين، وقادها إلى محمد التابعى الذى كان يصدر آخر ساعة ولم يكن فى المجلة كلها سوى الرسام صاروخان، ومصطفى أمين، والمرحوم قاسم فرحات الذى كان طالباً فى كلية الصيدلة.. ثم الأستاذ.. محمد التابعي.

وعمل الطلبة الثلاثة مصطفى وقاسم وأمينة بحماس بالغ، ومضت الشهور، إلى أن كتبت ذات يوم تحقيقاً من حمام الستات.

فى تلك الأيام لم يكون مسموحاً للفتاة أو السيدة أن تسبح مع الرجل، لذلك فلقد خصص فندق سان استيفانو حماماً للسيدات كان يضم سيدات المجتمع المصرى الراقي، زوجات الوزراء والباشاوات والحكام، وذهبت أمينة إلى الحمام لتسبح مع السيدات، ولتسمع منهن أخبار أزواجهن وما يحدث فى كواليس السياسة.. وعادت أمينة إلى آخر ساعة، كى تكتب تحقيقاً صحفياً تنقلب له الدنيا رأساً على عقب.. فلقد ثار الوزراء، وهدد رئيس الوزراء بالاستقالة إن لم تغلق آخر ساعة، وعبثاً عبثاً حاولوا أن يعرفوا مصدر الجريدة فى تلك الأخبار الحقيقية والسرية والمذهلة، وإذا كان ما حدث قد بعث بالرعب إلى قلب أمينة السعيد، فإن محمد التابعى رحمه الله كان يطمئنها بأن أحداً لن يعرف أنها هى التى كتبت الموضوع.. رغم الأزمة العنيفة التى مرت بها المجلة الوليدة، فإن أحداً من المسئولين لم يعرف شيئاً عن أمينة التى انسحبت فى هدوء من آخر ساعة، لتظهر فى حياتها «دار الهلال»، ومجلة «المصور» لأول مرة.

لا بد أن اسم أمينة السعيد قد عرف فى تلك الأيام فى الوسط الصحفي، ولا بد أن تحقيق حمام الستات هذا قد لفت إليها الأنظار كصحفية شابة تنتمى إلى الجامعة وتدرس الآداب العالمية باللغة الإنجليزية.. فلقد فوجئت ذات يوم بالأستاذ فكرى أباظة يطرق باب البيت.

كان فكرى أباظة فى ذلك الوقت رئيساً لتحرير «المصور»، وكان نجماً من نجوم السياسة والصحافة فى مصر، نجم له أسلوبه الخاص الساخر المميز.. وكان أيضاً، من زملاء الدكتور أحمد السعيد مصطفى والد أمينة فى ثورة 1919، تلك الثورة التى صنعت جيلاً وأقامت صداقات ظلت ممتدة لسنوات طويلة.. ولا بد أن أمينة السعيد قد أحست بالفخر عندما عرفت سر زيارة فكرى أباظة، فلقد جاء الرجل يعرض عليها أن تعمل معه فى «المصور».

ها هما الشهرة والمجد يدقان عليها الباب، وها هو فكرى أباظة بجلالة قدره يعرض عليها العمل، إن «دار الهلال» لها تقاليدها المتميزة، وهى دار تصلح لفتاة من بنات الأسر مثل أمينة السعيد والعمل فيها يلائم مركزها الاجتماعى أكثر من العمل فى مجلة آخر ساعة.. وعندما وافقت أمينة السعيد، قال لها فكرى أباظة إن إميل بك يريد أن يراها.

كان إميل بك هذا هو إميل زيدان صاحب «دار الهلال» والمشرف على التحرير فيها، وكان شقيقه شكرى زيدان هو المشرف على الشئون الإدارية.. وعندما التقت أمينة بإميل زيدان لم تكن تعرف أنها تلتقى بقدرها المحتوم، ذلك القدر الذى صاحبها حتى اليوم.

طلب منها إميل أن تكتب صفحة نسائية فى المصور.

كان هذا فى عام 1934، وكانت أمينة طالبة فى السنة الثالثة بكلية الآداب، وكانت أيضاً مخطوبة لعبدالله زين العابدين المعيد بكلية الزراعة.

نعم مخطوبة.

نعم كانت لها الآن قصة حب

وعند أعتاب «دار الهلال» نتوقف، لنعود إلى الوراء قليلاً.. نعود مع البنت الشقية التى كانت تعشق هجاء المدرسين شعراً ركيكاً، كما تعشق اللعب بالكرة الشراب وركوب الدراجات.

كانت أمينة تسكن فى بيت فى المنيرة مواجهاً لمحطة السيدة زينب لمترو حلوان..

أما هو، ذلك الشاب الوسيم الأسمر صاحب الطربوش الطويل المتأنق، والذى تقول عنه أمينة إنه كان: من أحلى الشبان اللى عرفتهم مصر، أما هو فلقد كان يسكن حلوان.. وإذا كان أوتوبيس المدرسة يمر على أمينة كل يوم فى السابعة والربع صباحاً كى يحملها إلى المدرسة فى شبرا، فلقد كان قطار المترو يتوقف، فى نفس الوقت، على محطة السيدة زينب.

ولقد رآها.

رأى تلك الفتاة التى كانت تقف أمام باب البيت وقفة جريئة مقتحمة، تأملها لفتت حيويتها المتفجرة نظره، فوقع فى الحب.

أما أمينة فهى تقول إنها لم تنتبه إليه إلا عندما: لقيت الولد اللى بيقعد لى فى المترو الصبح، راكب بسكلته وبيلف بيها حوالين البيت فى العصر.

وهكذا كان الحب فى تلك الأيام، كان أقصى ما يستطيعه المحب أن يطوف بالديار ديار ليلي، يقبل ذا الجدار وذا الجدار، وما حب الديار شغفن قلبي، ولكن حب من سكن الديار.. ولقد كان الطبيعى أن تنتظر الفتاة فتاها خلف النافذة أن تتلصص عليه ولا تظهر ولا تجاهر ولا تواجه، ولكن: هل كانت أمينة السعيد فتاة طبيعية.

يقينى أنها لو كانت فتاة طبيعية لما أصبحت أمينة السعيد هى أمينة السعيد هذه التى تجلس اليوم فى مكتبها بدار الهلال كعلامة من علامات التاريخ المصرى الحديث.. والذى حدث أن الفتاة واجهت راكب الدراجة بركوب دراجة، وواجهت الطواف بالطواف، فلقد استأجرت هى الأخرى دراجة مع واحدة من شقيقاتها، وراحت تطوف فى شوارع المنيرة الهادئة.. فهل.. فهل حدث شيء.. هل كانت نظرة فابتسامة فسلام فكلام فحب فلقاء.

لا...

يقيناً لا، لا من باب الأصول والتقاليد فقط، وإنما أيضاً من باب الشقاوة، وإذا كانت التقاليد تحتم على بنات الأسر ألا ترد الواحدة منهن التحية إلا إذا كانت قد تعرفت رسمياً على الفتي، فلقد اقتصر الأمر – فى تصورى – على النظرة والابتسامة فقط.

وكان لا بد من السلام كى يعقبه الكلام واللقاء، فكيف؟

وإذا كان كل شيء مباحاً فى الحب والحرب، فلقد لجأ عبدالله زين العابدين، المعيد بكلية الزراعة، فى صديقه يوسف رشاد الطالب فى كلية الطب، والذى تربط عائلته بعائلة أمينة صداقة حميمة، وجد فيه المخرج.

وإذا كانت أمينة السعيد تعرف مكان خطوتها يقيناً، فلقد كان عبثاً أن أعرف منها أكثر مما تريدنى أن أعرف عنها، وعندما كانت فى زيارة لشقيقات يوسف رشاد ذات مرة، فلقد كان هناك ذلك الشاب الأسمر فى انتظارها، وهكذا تم التعارف رسمياً، وهكذا أصبح من حقها، إذا ما حياها عبدالله، أن ترد تحيته.. بل..

بل حدث اللقاء – وكان لا بد وأن يحدث مصادفة – فى السينما، فلقد عرف عبدالله بطبيعة الحال أن أمينة تذهب إلى السينما يوم الخميس من كل أسبوع، فكان بالطبع يذهب إلى السينما يوم الخميس من كل أسبوع و..و.. ولنختصر القصة، فقبل أن تحصل أمينة على البكالوريا – الثانوية العامة – أراد عبدالله أن يتقدم لخطبتها رسمياً.

كان الحب قد برح به، ولم تكن الخطبة ممكنة.. ثمة تقاليد تمنع هذا فأمينة هى الفتاة الثالثة، قبلها هناك كريمة وعزيزة، ولا بد للأب أن يرفض زواج الثالثة قبل الأولى والثانية، لكن كريمة – كبرى البنات – تصدت للأمر وأقنعت الأب بالموافقة، فوافق بشرط: ألا يتم الزواج إلا بعد أن تنتهى أمينة من دراستها الجامعية.

ومنذ هذا اليوم لم يفترق عبدالله عن أمينة حتى توفاه الله.

كان معها فى كل معاركها.. كان معها يوم ذهبت إلى كلية الآداب لأول مرة، كان معها وهى تخوض معركتها فى آخر ساعة وكان معها عندما ذهبت إلى «دار الهلال» لأول مرة، أوصلها دار الهلال، وكان يعود ليأخذها إلى البيت بسيارته.

ثمة شيء غريب فى علاقة هذين الشابين وأنت، بعد مرور خمسين سنة على هذه القصة، إذا ما سمعت أمينة السعيد تتحدث عن الدكتور عبدالله زين العابدين، رئيس قسم الأراضى بكلية الزراعة بجامعة القاهرة سابقاً، فلسوف تشعر يقيناً أن ثمة شيئاً غامضاً كان يغذى هذه العلاقة التى أنجبت ولدين وبنتاً، شيء لا علاقة له بالحب أو العواطف أو حتى الصداقة، شيء مرتبط بالوجود نفسه.

وكانت أمينة فى تلك الأيام مفعمة بالحياة، تظن، وهى الطالبة الوحيدة فى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، أنها واحدة من الصفوة المثقفة فى هذا البلد، وإذا كان إميل زيدان قد اتفق معها على تحرير صفحة نسائية مقابل ثلاثة جنيهات فى الشهر كانت تقبضها هذه المرة فعلاً، فلقد كانت أمينة تكتب مطمئنة القلب أن ما تكتبه هو ذروة الثقافة، وكانت الشهور تمضي.. حتى إذا جاء يوم دخلت فيه دار الهلال، لتفاجأ بخطاب من إميل بك.. كان الخطاب يقول:

نظراً لأن مرتبك الكبير لا يتناسب مع إنتاجك الضئيل، فنحن نعتذر لأننا مضطرون للاستغناء عن نشاطك وجهودك.

هكذا باختصار بلا لف أو دوران، وبينما كانت أمينة السعيد تحلق فى سماء الأحلام حباً وعملاً وشهرة إذا بالخطاب يلقى بها من حالق.

عادت أمينة إلى البيت وقد خيل إليها أن السماء انطبقت على الأرض.. لم يكن تدمير الحلم سهلاً، وكانت الصحافة قد أصبحت كل شيء فى حياتها، وكانت الإهانة عنيفة.

غير أن عبدالله كان هناك.

عبدالله الهادئ المتزن الصبور الذى يمثل الوجه الآخر لتلك العملة الزوجية، وكان له منطقه الذى راح يدلى به فى هدوء وبعيداً عن الانفعال، قال:

انتى دلوقتى فى سنة ثالثة، يعنى محتاجة السنة الجاية للتفرغ علشان الليسانس، وإذا حد سألك ليه مش بكتبى، ممكن تقولى له الحجة دى؛ وهى حجة مقبولة!».

وهكذا، فى بساطة، انتهى عبد الله من الأزمة الاجتماعية التى كانت ستواجهها أمينة؛ إذا ما سئلت عن سبب اختفائها من صفحات المصور.. ثم، دخل فى لب الموضوع:

«الغلطة اللى انتى غلطيها يا أمينة انك فكرتى أن الجامعة بتثقف الإنسان، وده مش حقيقى.، ومش معنى أن طالبة جامعية، أنك بقيتى مثقفة، التعليم شيء والثقافة شيء ثانى، الجامعة بتعلمك حاجة مهمة جدا، بترشدك لطريق الثقافة.

بتشاور لك على السكة والباقى بيبقى عليكى انتى، إذا حبيبتى الثقافة، حاتمشى فى سكتها بنفسك!».

قال هذا، ثم غادرها!.

وكانت أمينة الآن قد هدأت قليلا؛ وراحت تفكر فيما قال عبدالله زين العابدين!.

فى اليوم التالى، عاد عبدالله وهو يحمل تحت إبطه عشرين مجلدا باللغة الإنجليزية، وكان عنوان هذه المجلدات: «روائع الأدب العالمى».. وكانت تضم تلك الروائع التى أنتجتها قريحة الإنسان منذ فجر التاريخ- أيام الفراعنة- حتى تلك الأيام.

كانت هذه هى أول هدية يقدمها عبدالله لأمينه؛ وهى الهدية التى تحتفظ بها حتى اليوم فى صدر مكتبتها الخاصة فى البيت؛ وكانت – أيضا- هى الطريق الذى فتح لأمينة باب الشهرة من جديد.. ولكن، ليس عن طريق «المصور» هذه المرة!.

كانت الإذاعة المصرية تقدم فى تلك الأيام عددا من الساعات لا يزيد على أصابع اليدين، كانت فنا جديدا وقمة من قمم التكنولوجيا فى هذا العصر؛ وفى ماركونى، كان جزء من هذا الجيل يشق طريقه فى ريادة صنعت منهم نجوما تسرى أصواتهم فى سماء مصر من أقصاها إلى أقصاها، وكان الراديو وسيلة هامة؛ من وسائل الثقافة والإعلام.. وكان اقتناء الراديو شيئا عصريا يفخر به الإنسان!

من نجوم الإذاعة فى ذلك الوقت، كان محمد فتحى!.

وكان فتحى زميلا لأمينة فى كلية الآداب؛ كان قد تخرج، لكن الصداقة بينهما ظلت قائمة.. وعرف فتحى أن أمينة تركت دار الهلال، فعرض عليها أن تقدم شيئا فى الإذاعة هنا. قفزت إلى ذهنها تلك المجموعة النادرة من الأعمال العالمية التى أهداها لها عبد الله.. وعندما اقترحت أن تترجم للإذاعة بعض هذه الروائع؛ أضاف فتحى: «ولم لا تقرئيها بصوتك!».

وانفجر صوت نسائى فى سماء مصر، صوت يقرأ على المستمعين الذين كانوا يتحلقون حول أجهزة الراديو كل مساء، روائع الأدب العالمى فى سلاسة ويسر، وعاد اسم أمينة السعيد يسطع من جديد فى سماء الشهرة؛ وراح الناس يتساءلون عن صاحبة الصوت الذى كان يزورهم فى بيوتهم مرة كل ثلاثة أسابيع؛ يترجم ويلقى ويقبض جنيهين ثمنا للاثنين معا.

وتخرجت أمينة.

ومضى عام . وعامان وهى تقدم هذه الروائع، ولم تعد أمينة السعيد مجرد صحفية فى مجلة المصور، ولكنها أصبحت نجما من نجوم الثقافة والأدب.

وهكذا دق الباب ذات يوم، وعندما فتحته، كان الطارق هو فكرى أباظة.

«إميل بك عاوز يشوفك يا أمينة!».

وانفجرت أمينة فى وجه فكرى أباظة! كانت الآن تذيع، وتكتب فى مجلات متفرقة بين الحين والحين؛ ورغم كل هذا فلقد كان الجرح لا يزال ينزف، جرح الإهانة وخطاب الفصل الذى فاجأها ذات يوم على غير انتظار، وتلقى فكرى أباظة ثورتها فى هدوء، لكنه ما لبث أن أقنعها بالعودة. فعادت!.

«شوف يا إميل بك، أنا مش عاوزة مرتب!».

«امال عاوزه إيه؟!».

«حاكتب بالقطعة، اللى يعجبكم انشروه، واللى ما يعجبكوش ماتنشروش!».

هكذا، وبهذا الشرط، عادت أمينة السعيد التى فوجئت بإميل زيدان يسألها عندما زارته هذه المرة: «لما انتى بتعرفى تكتبى الحاجات دى، امال ايه اللى كنتى بتكتبيه عندنا؟!».

رغم كل شيء، كانت تريد فقط، أن تجنب نفسها إهانة الفصل مرة أخرى، كان هذا هو سبب الشرط الذى وضعته، والذى وافق عليه إميل زيدان.

فى الشهر الأول كان أجر أمينة السعيد عما نشرته فى مجلة «المصور» سبعة عشر جنيها، وفى الشهر الثانى اثنين وعشرين جنيها، وفى الشهر الثالث وجدت فى الخزينة ثلاثين جنيها.. وظل ما تقبضه يرتفع يوما بعد يوم، إلى أن وصل دخلها إلى تسعين جنيها.

هنا. استدعاها إميل زيدان. وكان قد صمم على ضرورة تعيينها فى المصور.

وعينت أمينة السعيد فى «دار الهلال» محررة فى مجلة المصور.

وكان هذا منذ سبعة وأربعين عاما.. كان هذه فى عام 1937.

كانت أمينة السعيد هى أول محررة تدخل دار الهلال.

وبدأت منذ هذا التاريخ، معركة أخرى تختلف؛ كانت الآن قد أثبتت وجودها بين بنات جيلها، كانت قد أثبتت جدارتها لأن تحمل القلم وتكتب وسط أسماء سطعت فى سماء الصحافة والأدب والفن، غير أن الطريق الآن كان يختلف، وكان المسار فى صعوده شديد الوعودة.. وإذا كان ما مضى من معارك قد صقل تلك الشخصية المقتحمة المتفجرة، فإن ما كان أمامها كان أكثر صعوبة.

كان الدرس الأول الذى استوعبته أمينة السعيد، وقد صفا ذهنها الآن واستردت كرامتها بعد أن فصلت، كان الدرس الأول هو: «أنه لابد للإنسان أن يعطى بقدر ما يأخذ، وأن يتواضع قبل أن يصيبه الغرور!».

وكان صاحب الدرس هو إميل زيدان! .

«إميل بك ما كانش بيدى دروس. إنما تصرفاته نفسها كانت هى الدروس!».

هكذا قالت أمينة السعيد، وهى، وحتى اليوم، وبعد مرور نصف قرن من الزمان، لا تنطق اسم إميل زيدان إلا مقرونا بلقب «بك»!.

عادت أمينة السعيد لتخوض فى عالم الصحافة معركتين، معركة إثبات الوجود وسط محررين وزملاء كلهم من الرجال، ومعركة إقامة صحافة محترمة!.

منذ البداية، كانت المعركة الأولى واضحة شديدة الوضوح، كانت تريد أن تتساوى فى عملها مع زملائها، وكان زملاؤها يرون أنها يجب أن تحصر نشاطها فى الأمور النسائية.

لم تكن المشكلة بالنسبة لأمينة مشكلة مبدأ فقط، مشكلة مساواة بين الرجل والمرأة، إنما كانت المشكلة فى داخلها مشكلة شخصية بحتة!.

ذات يوم وهى فى المدرسة الثانوية كانت تطل من خلال سور الحديقة على صبيان الحى وهم يلعبون فى الشارع بالكرة الشراب وتساءلت: لم لا تلعب بالكرة الشراب هى الأخرى.. ورغم أن هذا كان عيبا فى تلك الأيام، كان عيبا أن تحدث أمينة واحدا من صبيان الحى، إلا أنها أقدمت. وطلبت من أحد الصبية، وكان جارا لها، أن يصنع لها كرة شراب، وبالفعل صنع لها الصبى الكرة الشراب، فأخذتها أمينة وراحت تلعب بها فى الحديقة! .. و.. «مفيش حد أحسن من حد!».

بهذا المنطق احتجت أمينة السعيد عندما أرادوا حصرها فى الأمور النسائية.. فذهبت إلى إميل زيدان تشكو له..

فى الاجتماع التالى؛ طرح إميل زيدان المشكلة على مدير التحرير، سأله إن كان قد قرأ الموضوع الذى كتبته أمينة، وكان رد الرجل بالنفى، فقال إميل زيدان أن مقياس النشر هو الجودة بصرف النظر عن جنس الكاتب امرأة كانت أم رجلا.. فإن كان يصلح فلينشر. أما إذا كان لا يصلح، فهنا يكون المنع!

ونفذت أمينة من هذا الحصار لتنطلق، لتخوض المعارك وتنتقم من إميل زيدان.

ذات يوم قرأت لصحفى أمريكى تحقيقا عن المدينة الجامعية التى أنشأتها جامعة القاهرة لطلبتها، قال الكاتب الأمريكى ساخرا، إنه لم يشاهد مدينة جامعية، لكنه شاهد قصرا من المرمر!

وذهبت أمينة تحقق الأمر...

ووجدت أن الكاتب الأمريكى على حق.. كان البناء الذى شيد فاخرا، درجاته من الرخام، حيطانه من الرخام، الوجبات فيه تقدم المايونيز ونتفا من الطعام، وكان المشرف على هذا القصر، هو «إلهامى حسين!».

هل تعرفون من هو إلهامى حسين؟!

كان إلهامى حسين هو زوج الأميرة شويكار.

وهل تعرفون الأميرة شويكار؟!كانت ابنة عم الملك فاروق، وصديقته المقربة، وكان قصرها ملتقى الطبقة الراقية حيث كان الملك يقضى أغلب لياليه.

وكتبت أمينة السعيد تحقيقها عن بيت الطلبة؛ هاجمت هذا الذى رأته، قالت: إن الطالب الجامعى سوف يجد مستوى لم يتعود عليه، ولن يستطيع أن يصل إليه بعد التخرج، إنه ليس فى حاجة إلى نتف من الطعام الأرستقراطى، لكنه فى حاجة إلى طبق فول يصلب به عوده.

ونشر التحقيق.

وثار إلهامى حسين ثورة عارمة. وشكا الأمر إلى ولى النعم، إلى الملك فاروق نفسه فطلب منه فاروق، أن يكتب ردا، وكتب الرد صحفى يونانى تمصر، فأشر عليه الملك فاروق، بخط يده. بالنشر فى نفس المكان ونفس البنط ونفس المساحة.. ثم أرسل الرد إلى «المصور»!

وكانت أزمة!

كانت أزمة لأن الرد لم يتعرض موضوعيا لما كتبته أمينة السعيد، بل تعرض لها شخصيا، جاء فى الرد أن واحدة من طبقتها – «هو يعرف طبقتى منين؟!»- لا يمكن أن تفهم أنهم يريدون أن يرتفعوا بمن كان فى مستواها.. كان الرد – باختصار.. مليئا بالتجريح لشخص أمينة السعيد!

وثارت أمينة. وهددت بالاستقالة!

وكان مأزقا وقع فيه إميل زيدان.. هكذا تصورت- فإن تأشيرة الملك معناها باختصار أنها أمر لا يرد، فالملك كان طاغية، وكان ملكا.. لكن أمينة كانت تطالب الدار بحمايتها وبلغت بها الثورة حدا جعلها تسافر إلى بنى سويف.. حيث العزبة التى يملكها الدكتور عبدالله، ولم تعد إلى مصر إلا بعد أن تحدث إليها إميل زيدان، وعندما عادت قدم لها الرد، فإذا به قد شطب بقلمه وهو صاحب الدار، كل ما تعرض لأمينة فى الرد، وترك ما كان موضوعيا فيه!

قالت أمينة السعيد، إن هذا الدرس قد علمها شيئا هاما: وهو أن الدار التى يعمل بها الصحفى، من واجبها أن تحميه فى مواجهة السلطة الغاشمة، «الجاهلة والعمياء!».

عبدالله .. أين كان عبد الله طوال هذه السنين؟!

«كان جنبى، كان قد حصل على الدكتوراه. لكنه ظل بجوارى، أول من يقرأ لى، وأول من ينقدنى، وأول من يشد أزرى!».

اسألها: «وقبل المعارك؟».

تقول: «مش فاهمة!»

أرد: «الحب!».

تهتف: «أنا عمرى ما قلت له أنا باحبك إلا وهو على فراش الموت!».

ليس الحب كلمة تقال، أنه إحساس يمارسه الإنسان ليل نهار، إنه نفس لا ينقطع إلا بانقطاع حبل الحياة..

لكنها فجأة تتوقف، ثم تضحك.. أسألها عن سر ضحكها فتحكى حكاية!

«مرة واحنا مخطوبين خدنى فى العربية علشان نتفسح، طلع لى على الجزيرة، وجه جنب النيل ووقف، كان الجو حلو قوى ومنظر النيل يخلب القلب، والقمر بدر.. عبد الله بص ياحبيبى للقمر وقال لى: شايفة القمر يا أمينة، قلت له ايوه، سألنى: بيفكرك بايه؟!.. قلت له بقرص الجبنه اللى بتجبها لنا من كلية الزراعة!»

ولا تملك إلا أن تضحك معها، وتجلجل ضحكاتنا معا، لكن خلف جلجلة الضحكة كان هناك هاجس يهتف بى: «أليست هذه هى أمينة السعيد؟.. أليست هذه البنت الشقيقة؟!»

غير أن للقصة نهاية تخلع القلب؟

فى رحلة الحياة قصص لها دلالة..

ذات مرة كانت أمينة السعيد تركب الطائرة إلى بيروت طائرات ذلك الزمان لم تكن تتسلح بما تتسلح به طائرات هذه الأيام من معدات الأمان، وكان ركوب الجو مخاطرة لا يقدم عليها إلا القليلون.. كانت فى طريقها إلى بيروت لحضور مؤتمر أدبى.. وكان معها الأستاذ حبيب جامانى- الذى اشتهر بقصصه التاريخية وزميلها فى دار الهلال- والأستاذ حسن العروسى مدير مؤسسة فرانكلين الأمريكية للنشر.. وفجأة صرخت المضيفة الجوية، وكانت سويسرية.

التفتت أمينة نحو المضيفة وكانت تصرخ فى هستيريا، أصاب الركاب الهلع، لكن أمينة السعيد نهضت إلى المضيفة، ونهرتها وسألتها عن سبب صراخها، فقالت: إن النيران قد اشتعلت فى محرك الطائرة، صرخت أمينة السعيد:

وماذا فى ذلك؟!»

«ألا تعرفين؟.. أننا نواجه الموت!».

«إذن فلنواجهه فى صمت. إخرسى!».

وصمتت المضيفة. وعادت أمينة إلى مقعدها تلصق وجهها بالنافذة لتشاهد النيران المشتعلة فى المحرك، وحانت منها نظرة نحو حسن العروسى، وكان الرجل مشغولا بالبحث فى جيوبه، سألته عما يبحث، فقال إنه يبحث عن بوليصة التأمين سألته عن السبب فى بحثه عنها، فقال: إنه يريد أن يعرف إن كانت شركة التأمين ستدفع للأولاد مبلغا أكبر إذا ما مات فى حادث طائرة!!!

«ليس مثل الموت يكشف دخيلة الإنسان!».

هكذا قالت أمينة لنفسها وهى تلفت نحو حبيب جامانى لتجده صامتا جامدا أبيض الوجه كالموتي، مالت عليه تسأله عما به. فقال:

«اصلى ما اديتش للسواق بتاعى مرتبه والنهاردة اثنين فى الشهر!».

ولقد هبطت الطائرة هبوطا اضطراريا، وغادرها الركاب كى يركبوا طائرة أخرى، لكن أمينة لم تتحدث إلى الدكتور عبدالله: «أصله لو كان عرف، كان جه وركب راسه ولا سفرنيش!».

وعادت جملة أمينة السعيد تطوف بذهنى:

«ليس مثل الموت ما يكشف دخيلة الإنسان!!.

ومن كل الحكايات التى قصتها علىّ أمينة السعيد، بقيت هذه الحكاية، شاهدا صارخا على حقيقة شخصيتها.

ذات يوم قرأت أمينة السعيد فى جرائد الصباح خبرا يقول: إن المحكمة الشرعية رفضت قضية سيدة كانت تطلب الطلاق لأن زوجها مجنون، وقالت المحكمة فى حيثيات الحكم، إن الجنون لا يمنع الرجل من ممارسة حقوقه الزوجية!.

وثارت أمينة، وكتبت تهاجم حكم المحكمة وتصفه بالظلم.. كتبت هذا وهى لا تعلم أن قانون النشر يمنع الصحفى من التعليق على حكم المحكمة.. وثارت ثائرة القضاء الشرعى، وطالب القضاة بعقاب أمينة ولم ينقذها من هذا المأزق سوى على أيوب المحامى الكبير، الذى كانت تربطه بها علاقة عائلية.

كان فكرى أباظة طيب القلب خفيف الروح أستاذا فى أسلوبه الساخر الذى كان من المستحيل على أحد أن يقلده فيه، كان صاحب السهل الممتنع، وكان كرئيس للتحرير عطوفا وكريما.. ذات يوم منذ بضعة أعوام قبل وفاة فكرى أباظة بقليل، حلمت أمينة السعيد أنها تدخل معه دار الهلال، وكان نظره فى أيامه الأخيرة قد ضعف، فاندفع نحو المصعد، وفتح الباب، لكن المصعد لم يكن موجودا. وخطا فكرى أباظة إلى الداخل فسقط فى بئر المصعد.. وظل يصرخ طالبا النجدة. وظلت هى الأخرى تصرخ، واستيقظت من النوم وهى تصرخ ..

بعدها بأربعة أيام، وقع حادث الحلم لفكرى أباظة فى عمارة الايموبيليا. وسقط فى بئر المصعد، وظل يصرخ حتى أدركوه.

فى عام 1952 ظهرت فكرة إصدار مجلة نسائية.. وتكونت مجموعة من صحفيى «دار الهلال» لوضع «الماكيت» الخاص بهذه المجلة التى لم يتحدد اسمها طوال عامين كاملين وكانوا كلما وضعوا تصميما للمجلة الجديدة.. رفضه «البير انكونا» وكان واحدا من أعظم من عملوا فى الصحافة المصرية.. ظل البير يرفض كل مشروع يقدم له، حتى كان عام 1954، فوافق... وهنا وقع الاختيار على اسم المجلة الجديدة، أطلقوا عليها اسم «حواء» وهنا فقط أعلنوا أمينة السعيد أن الاختيار وقع عليها لتكون رئيسة لتحريرها.

فى أواخر السبعينيات أصبحت أمينة السعيد رئيسة لمجلس إدارة دار الهلال، ورئيسة لتحرير المصور، وظلت رئيسة لتحرير حواء..

كانت الآن قد أصبحت أما لثلاثة: إنجى الأستاذ بقسم الأراضى بكلية الزراعة جامعة القاهرة.. هذه التى تكمل رسالة أبيها!. الوارثة لعصبية أمها!.

والمهندس حازم زين العابدين وارث هدوء الأب.

ثم باسل الذى تخرج فى قسم الآفات بكلية الزراعة.. واختار الأعمال الحرة...

كانت قد أصبحت جده لخمسة أطفال يملئون حياتها بالضجيج. ثلاثة هم أولاد إنجى، واثنان هما ولدا حازم.. لكنها تقول إنها غير مقتنعة بالمثل القائل: «أعز من الولد ولد الولد!».

فى أوائل الثمانينيات كان الدكتور عبدالله زين العابدين قد وقع صريع المرض، أصيب بجلطة فى المخ أفقدته القدرة على الكلام والحركة معا.

لم تكن الصدمة عنيفة فقط، كانت قاتلة فها هو رفيق الدرب يقف لعامين على حافة الموت يقاوم ويصارع، وتقاوم هى معه وتصارع، ترفض نقله إلى المستشفى، تظل إلى جواره. تسمع همسه وهو يدعو الله أن يعجل بموته... تبكى. تمسك بيده. تقبلها. شريط العمر الحافل يمر أمام عينيها وتتساقط دموعه لدموعها.. تطلب منه ألا يتعجل الموت، فلمن سوف يتركها؟!

«أنت ونسى!».

ولكن. كان لابد للمقاومة أن تنهار وللأجل أن يأتى موعده!

وذات يوم نشرت جريدة الأهرام خبر وفاة الدكتور عبدالله زين العابدين أستاذ ورئيس قسم الأراضى بجامعة القاهرة...

ومع نفس الخبر.. خبر آخر يقول:

أتمت السيدة أمينة السعيد الستين من عمرها، وأحيلت إلى المعاش.

و...

وتركت أمينة السعيد حواء، وعادت إلى بيتها القديم، إلى المصور... وإلى بابها الذى حملها إلى كل قلب: إسألونى..

لكنها هذه المرة جاءت وحدها، لم يوصلها عبدالله كما تعودت فى الأيام الخوالى!.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة