يتخلل صوت المونوريل الهادئ ضجيج الشارع، كأنه لحن مختلف عن إيقاع المدينة الصاخب، سلالم كهربائية تنقل الزوار بهدوء، وإضاءة بيضاء ناعمة تغمر الأرجاء، وكاميرات مراقبة فى كل زاوية ترسل صورها إلى غرفة التحكم المركزية كأن المحطة كائن حى يتنفس، يراقب، يضبط، ويتفاعل مع كل حركة من فوق هذا الارتفاع، تبدو القاهرة مختلفة، أقل ضوضاءً، أكثر نظامًا، وكأنها تستعد لعصر جديد من الانسياب الحضرى.
عالم النظافة المنظّم فى محطة الاستاد
مع دخول المحطة تقابلنا مع ندى أشرف، مشرفة النظافة فى محطة الاستاد وقفت أمامنا بابتسامة هادئة، وزيها الأنيق يليق بمسؤوليتها حكت لنا كيف أن هذا المكان لم يعد مجرد محطة نقل، بل أصبح بيتًا ثانيًا للعاملين فيه قالت: «هنا كل شيء منظم، من أول ما بتيجى الصبح تسلم على فريقك، كل واحد عارف شغله، عارف حتته، عارف مسؤوليته بالظبط احنا فى محطة الاستاد، بوابة العاصمة الجديدة، وأى قصور هنا هيظهر قدام كل الناس».
تحدثت عن التوزيع اليومى للعمل كأنه سيمفونية محكمة قائلة: أحدهم يمسح أرضيات الرصيف، وآخر يعتنى بالكوبرى الخارجى، وثالث يهتم بالحمامات والممرات، ورابع يتولى الإضاءة والمعدات الكهربائية كل تفصيلة محسوبة، كل زاوية مرسوم لها من يعتنى بها وأضافت: «الناس هنا كلها مبسوطة، وفى تعاون مش طبيعى، لأن الكل فاهم إن المحطة دى زى البيت، ولو البيت مش نضيف، مين هيرتاح فيه؟ خاصة إن محطة الاستاد هى أول محطة يشوفها الراكب لما ييجى من المترو، فلازم تكون فى أحسن صورة».
وتذكرت أيام التدريب التى استمرت عامًا كاملاً، حيث تعلموا ليس فقط كيفية التنظيف، بل كيف يحافظون على هذا المستوى من الجمال والنظام قالت: «مش أى حد يشتغل هنا، لازم يكون فاهم إنه جزء من صورة أكبر، إن الناس لما تيجى هنا من المترو عايزين يلاقوا مكان رايق، يخليهم ينسوا الزحمة اللى جايين منها».
وروت لنا كيف أن عملية التنظيف نفسها تتبع بروتوكولات دقيقة: صباحًا تنظيف جاف، مساءً غسيل وتعقيم، وأثناء اليوم متابعة مستمرة لأى أثر أو بقعة كل عامل يحمل حقيبة أدواته الخاصة، ويتبع قائمة مراجعة لكل ركن من أركان المحطة، هكذا تصبح النظافة ليست مجرد واجب، بل ثقافة وفن يُتقنه الجميع.
وعندما سألناها عن أصعب مرحلة فى العمل، قالت: «الزحام وقت الذروة فمثلا أوقات ماتشات مصر كان الإقبال على المحطة كبيرا بسبب ذهابهم إلى (الفان زون)، خصوصًا إن المحطة دى بتستقبل ركاب من المترو ومن المونوريل، الناس بتيجى بسرعة، وفى أطفال، وكبار السن، لازم نكون أسرع وأدق عشان المحطة تفضل شغالة بكفاءة».
أحمد ناظر محطة الاستاد وقصته الكاملة
لم تكن الجولة مجرد لقاءات عابرة، بل فرصة للجلوس مع أحمد حنونى، ناظر محطة الاستاد، الذى بدا وكأنه يعرف كل زاوية وكل تفصيلة فى هذا الصرح، تحدث بثقة رجل ملم بكافة التفاصيل، وقال مبتسمًا: «الفرق بين المترو والمونوريل، إنك هنا مش مجرد موظف، أنت مدير كل حاجة، بتعرف كل حاجة، ولو حصل عطل، إنت اللى بتاخد القرار فى اللحظة، مش بتستنى حد ييجى من بره وإحنا فى محطة الاستاد تحديدًا، لأنها المحطة الأولى، لازم نكون قد المسؤولية».
وأشار إلى أنظمة الأمان الحديثة التى تطبق لأول مرة فى مصر، مثل نظام القيادة بدون سائق، والأبواب العازلة على الأرصفة قال: «دى حماية مزدوجة، عشان محدش يقدر يوصل للقضبان الكهربائية، وعشان لو لا قدر الله حصل أى طارئ، يكون فى حماية للناس كلها»، لافتا إلى أن كل موظف هنا يخضع لدورات تدريبية متقدمة، ليس فقط فى التشغيل، بل فى الإطفاء، والسلامة، والتعامل مع الحالات الطارئة.
وعن نظام الورديات، شرح لنا كيف أن مدير المحطة يعمل 12 ساعة متواصلة، ثم يرتاح يومًا كاملاً، ليعود من جديد بحيوية وقال: «الموضوع مرهق بس جميل، لأنك بتحس إنك بتعمل حاجة مهمة، وإن الناس بتعتمد عليك، خصوصًا إن محطة الاستاد هى أول محطة فى الرحلة، وأى مشكلة هنا بتأثر على باقى الخط»، وأضاف وهو يشير إلى كاميرات المراقبة المنتشرة فى كل اتجاه: «العين هنا مش بتنام، كل حاجة تحت السيطرة، عشان الراكب يحس إنه فى أمان من أول خطوة».
وأكد أن هناك خططًا احتياطية لكل سيناريو: انقطاع كهرباء، عطل فى الإشارات، ازدحام غير متوقع أو حتى حريق، لكل حالة فريق متخصص وبروتوكول محدد، ويتم التدرب على هذه السيناريوهات بانتظام لضمان الاستعداد الدائم قال: «السلامة مش مجرد كلام، دى حياة ناس، واحنا هنا بنتعامل بجدية تامة».
وعندما سألناه عن علاقته بالركاب، قال مبتسمًا: «الناس هنا مبسوطة، بيشكرونا، بيقولوا ربنا يخليكم، الكلام ده بيدينى طاقة إيجابية طول اليوم أنا بحس إنى بعمل حاجة ليها قيمة، مش مجرد شغل روتينى، خصوصًا لما أشوف الناس بتفرح أول ما تركب وكأنها فى رحلة».
تفاصيل التذاكر والاشتراكات
فى خضم جولتنا، كان لنا لقاء خاص مع أحمد عبدالهادى، المتحدث الرسمى لشركة مترو الأنفاق والمونوريل، والذى تحدث فيه بالتفصيل عن منظومة التذاكر والاشتراكات، وعن فرص الرحلات الجماعية، وعن العديد من الجوانب التى تهم المواطن العادى فى تعامله اليومى مع هذه الوسيلة الحديثة.
أوضح «عبدالهادى» أن نظام التذاكر فى المونوريل يتنوع وفقًا لعدد المحطات المقطوعة، حيث تبلغ قيمة التذكرة 20 جنيهًا لخمس محطات، و40 جنيهًا لعشر محطات، و55 جنيهًا لخمس عشرة محطة، فى حين تبلغ قيمة التذكرة القصوى التى تغطى الخط بالكامل حتى محطة العدالة 80 جنيهًا وأشار إلى أن وزارة النقل ركزت بشكل كبير على تشجيع المواطنين على استخدام الاشتراكات الشهرية، لأنها توفر عليهم الكثير وتشجعهم على الاعتماد على المونوريل كوسيلة نقل أساسية.
ولفت إلى أن قيمة الاشتراك تُخفض بمقدار 50 فى المائة مقارنة بقيمة التذكرة الفردية وهذه تخفيضات كبيرة تهدف إلى جعل المونوريل فى متناول الجميع وتعزيز الاعتماد عليه يوميًا.
تخفيضات خاصة لفئات المجتمع
كشف المتحدث الرسمى عن تخفيضات دائمة لفئات عديدة من المجتمع، حيث يحصل كبار السن من فوق سن الستين، وكذلك ضباط الشرطة والقوات المسلحة، والأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة، على خصم 50 فى المائة على قيمة التذكرة طوال الوقت وهذا يعكس التزام الدولة بمراعاة الفئات الأكثر احتياجًا وتوفير سبل التنقل لهم بكرامة وسهولة، من محطة الاستاد وحتى محطة العدالة، فهى الوسيلة الوحيدة التى تمر على 7 جامعات فى طريقها إلى أن تصل إلى العاصمة الجديدة، ويضم المشروع 22 محطة تخدم مناطق حيوية وسكنية وتعليمية وتجارية على طول المسار وزمن التقاطر يبدأ من 3 دقائق ويصل إلى 90 ثانية مع زيادة الإقبال.
وعن مواعيد التشغيل، أوضح أن المونوريل يعمل حاليًا من الساعة السادسة صباحًا وحتى السادسة مساءً، مع خطط لتوسيع هذه الفترة مستقبلًا وفقًا للطلب والإقبال، كما أتاح للركاب العديد من قنوات التواصل لتلقى استفساراتهم وشكاواهم ومقترحاتهم، حيث خصص خطًا ساخنًا يعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع على رقم 16048، بالإضافة إلى خدمة واتساب على الرقم 01221116048، مما يضمن تواصلًا سريعًا وفعالًا بين الإدارة والركاب.
نظام الكارت الموحد وربط وسائل النقل
أحمد عبدالهادى كشف عن تطور كبير فى منظومة النقل، حيث يعمل الفريق المهندس كامل الوزير على تطبيق نظام الكارت الذكى الموحد، الذى سيمكن الراكب من استخدام كارت واحد لركوب المترو والمونوريل وجميع وسائل النقل الذكية الأخرى، وهذا الربط غير المسبوق فى مصر سيجعل التنقل بين شرق القاهرة وغربها أكثر سهولة وسلاسة، حيث سيرتبط المونوريل بمحطة «وادى النيل» مع مترو أكتوبر، وبمحطة «استاد القاهرة» مع الخط الثالث للمترو، مما يجعل الخط الثالث هو الشبكة العنكبوتية التى تربط جميع الخطوط ببعضها البعض، ومن ثم يمكن للراكب أن يبدأ من أى محطة مترو فى القاهرة، ويصل إلى محطة الاستاد، ثم يركب المونوريل حتى محطة العدالة فى العاصمة الجديدة.
أرقام تختصر الإنجاز
بينما كنا ننهى اللقاء مع المتحدث الرسمى، قابلنا المهندسة إيناس ممدوح، إحدى المهندسات المشاركات فى المشروع منذ أيامه الأولى، والتى كانت واقفة على رصيف المحطة تتابع تفاصيل فنية دقيقة، وبيدها ملفات ورسومات هندسية بدت على وجهها ملامح المرأة التى عايشت هذا الصرح منذ كان مجرد حبر على ورق، والتى رأت بعينيها كيف تحول الحلم إلى واقع ملموس اقتربنا منها، وطلبنا أن تشاركنا تجربتها، فبدأت حديثها، كخبيرة ميدانية عاشت التفاصيل اليومية للمشروع قائلة: «المونوريل ليس مجرد وسيلة نقل جديدة بالنسبة لي، إنه جزء من حياتى اليومية منذ سنوات أنا هنا منذ اليوم الأول، ورأيت بنفسى كيف تحولت الرسومات على الورق إلى هذا الصرح الفولاذى المعلق فوق القاهرة، كل يوم كنت أقف فى هذا المكان أتابع تركيب كل عمود، وكل كمرة، وكل متر من السكة الحديدية كانت أيامًا صعبة، لكنها كانت أجمل أيام حياتى المهنية».
ثم أخرجت ملفًا من حقيبتها، وبدأت تتحدث عن الأرقام التى تختصر هذا الإنجاز، قائلة: «دعنى أحدثك بالأرقام التى تروى قصة هذا المشروع، لأن الأرقام هنا ليست مجرد أعداد، بل هى شهادات حية على حجم الجهد والإنجاز، مشروعنا هنا فى الشرق الأوسط يُعتبر الأكبر من نوعه، وهو ليس مجرد خط نقل، بل هو منظومة متكاملة طول الخط الشرقى للمونوريل يبلغ 56 كيلومترًا، وهذا الرقم وحده كافٍ ليجعله الأطول فى المنطقة، تخيل أن كل كيلومتر من هذا الطول يحمل فى طياته آلاف الساعات من العمل، وملايين التفاصيل الهندسية».
وتابعت وهى تشير إلى المسار الممتد أمامنا: «القطار الواحد يتكون حاليًا من 4 عربات، ويسع لحوالى 560 راكبًا لكن هذا ليس الرقم النهائى، فلدينا خطة توسعية مستقبلية لزيادة عدد العربات إلى 8 عربات لكل قطار، مما سيرفع الطاقة الاستيعابية بشكل كبير لمواكبة النمو السكانى والزيادة المتوقعة فى أعداد المستخدمين، نحن نتحدث اليوم عن تشغيل حوالى 40 قطارًا فى المرحلة الحالية، وهذا العدد سيزداد تدريجيًا مع زيادة الطلب، لتصل الطاقة اليومية إلى نحو 300 ألف راكب مع اكتمال كافة المراحل».
وأشارت إلى الجدول الزمنى للمشروع قائلة: «بدأنا تنفيذ المشروع فعليًا فى عام 2019 بأعمال المسح والرفع وتحويل المرافق، وهى أعمال ضخمة تتطلب دقة بالغة ثم بدأنا فى أعمال الإنشاء عام 2020، وهو تاريخ لا أنساه أبدًا، لأنه كان لحظة ميلاد المشروع على أرض الواقع واجهنا خلال هذه الرحلة تحديات كبيرة، أبرزها جائحة كورونا التى أثرت على سير العمل، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التى أثرت على سلاسل الإمداد لبعض المواد الخام المستوردة، لكننا صمدنا وتجاوزنا كل الصعاب».
وعن التكنولوجيا المستخدمة، قالت بنبرة فخر: «المشروع يعمل بنظام القيادة الآلية بدون سائق، وهى الأولى من نوعها فى مصر يتم التحكم فى حركة القطارات بالكامل من غرفة تحكم مركزية تقع فى الورشة الخاصة بالمشروع، والتى تشرف على جميع عمليات السير والتوقف والإشارات، وتضم أنظمة حديثة جدًا للتحكم والمراقبة، سرعة القطار تصل إلى 80 كيلومترًا فى الساعة، والانتقال بين المحطة والأخرى يستغرق أقل من 3 دقائق، وهذا رقم غير مسبوق فى وسائل النقل المصرية».
وتطرقت «إيناس» إلى الجانب الصناعى والوطنى، فقالت: «أكثر ما يسرنى فى هذا المشروع، إلى جانب أرقامه الضخمة، أنه بأيدٍ مصرية خالصة فى معظم مكوناته، الأعمال المدنية والتشطيبات تمت بصناعة محلية بنسبة كبيرة جدًا، وهذا إنجاز حقيقى للصناعة الوطنية، بعض الأنظمة الكهربائية والميكانيكية المتخصصة جاءت من الخارج، لكن الجزء الأكبر من العمل كان بأيدى عمال ومهندسين مصريين وقد شارك فى هذا المشروع أكثر من ألف مهندس مصرى، وآلاف من الفنيين والعمال، وهو عدد هائل يعكس حجم العمل والقيمة الوطنية لهذا الإنجاز».
وعن الجوانب البيئية والاقتصادية، قالت «إيناس»: «المونوريل وسيلة صديقة للبيئة، لأنه يعمل بالكهرباء بالكامل، مما يقلل من التلوث وانبعاثات الكربون، وهو أيضًا وسيلة اقتصادية بامتياز، حيث يربط المدن الجديدة ببعضها البعض ويوفر على المواطنين الوقت والجهد والمال، زمن الرحلة من الاستاد إلى العدالة لا يتجاوز 40 دقيقة، مقارنة بساعة ونصف الساعة أو أكثر بالسيارات الخاصة، وهذا يعنى توفيرًا هائلاً فى الوقود وتكاليف الصيانة، بالإضافة إلى تحسين جودة الحياة وتقليل التوتر اليومى».
واختتمت «إيناس» حديثها قائلة: «عندما أرى اليوم هذه الأرقام تتحقق على أرض الواقع، عندما أرى القطار ينطلق فوق رؤوسنا محملًا بالركاب، أشعر بأننا حققنا شيئًا عظيمًا هذا المشروع ليس مجرد منشأة هندسية، إنه قصة نجاح ترويها الأرقام التى لا تكذب وسيظل المونوريل شاهدًا على قدرة المصريين على البناء والإبداع».
نهال شابة من فيسبوك إلى قلب محطة الاستاد
بينما كنا نتجول فى أروقة محطة الاستاد، التقت أعيننا بشابة فى مقتبل العمر، تبلغ من العمر 23 عامًا، تشرح لزميلاتها شيئًا ما بتركيز، إنها نهال محمود التى قدمت على وظيفة للعمل بالمونوريل بعد أن رأت إعلانًا على فيسبوك قالت وهى تبتسم: «كان نفسى أشتغل فى حاجة كبيرة، ولما شفت الإعلان لم أتردد، رحت على طول العنوان اللى كان مكتوب، وقدمت على شغل فى المونوريل، والحمد لله اشتغلت فى محطة الاستاد، بوابة العاصمة الجديدة».
لم تكن تتخيل أن الطريق سيأخذها إلى هنا، حيث تعلمت على أجهزة الأشعة (إكس راى) فى ثلاث دورات تدريبية منفصلة، وتلقت شرحًا وافيًا من مشرفها على مدى أربعة أشهر كاملة، قالت: «التدريب كان صعبا ولكنه ساهم فى زيادة خبرتى، لأنهم كانوا بيشرحوا كل حاجة بالتفاصيل، عشان لما أقف هنا فى محطة الاستاد، أعرف أتصرف فى أى موقف، خصوصًا إن المحطة دى أول محطة، وفيها ناس كتير من المترو ومن المونوريل».
وأضافت: «الناس هنا كويسين جدًا، فيه تعاون واحترام، وحسيت إن أنا مش مجرد موظفة، وإنى جزء من عيلة كبيرة»، وتابعت وهى تشير إلى زميلاتها: «كلنا هنا بنساعد بعض، والجو كله إيجابى، وده بيخلينى أحب شغلى كل يوم».
وتحدثت عن صعوبات البداية وكيف تغلبت عليها بفضل الدعم من المشرفين والزملاء قائلة: «فى الأول كنت خايفة من الأجهزة، ومن التعامل مع الناس اللى جايين من المترو ومناطق مختلفة، بس مع الوقت بقيت واثقة، وبقيت أعرف أشرح للركاب إزاى يستخدموا التذاكر، وإزاى يمروا من البوابات بسهولة كل يوم بتعلم حاجة جديدة، وده شجعنى أوى».
وأشارت إلى أن أكثر اللحظات التى تسعدها هى عندما يشكرها أحد الركاب على مساعدتها، خاصة كبار السن أو الأشخاص ذوى الاحتياجات الخاصة، قائلة: «لما حد يقولى ربنا يخليكى، بحس إن تعبى مرحش على الفاضى».
الرحلة من الاستاد إلى العاصمة مشاهد تتغير
بعد أن ودعنا محطة الاستاد وأهلها، حانت لحظة الصعود إلى القطار الباب فتح بصمت، وكأنه يدعونا إلى عالم مختلف دخلنا فوجدنا أنفسنا فى فضاء من الإضاءة الناعمة والمقاعد المريحة، والألوان الهادئة التى توحى بالراحة والانسياب، انطلقت العربة فى حركة لا تكاد تُحس، وكأنها تنزلق على سكك من حرير، ومن النافذة الزجاجية بدأت ملامح القاهرة تتغير ببطء، وانطلقنا فى رحلة نحو الشرق، نحو المستقبل.
خلال الرحلة، مررنا على محطات متعددة، كل محطة تحمل اسم منطقة جديدة، وكأنها فصول فى كتاب العمران المصرى الجديد، بدأنا نرى مبانى جديدة من خلف النوافذ، مساحات خضراء تمتد كالسجاد، وطرقًا عريضة تنساب بين المجمعات السكنية الحديثة، كان الشعور وكأننا نطير فوق العاصمة، نرى ملامحها تتجلى من زاوية لم نألفها من قبل: الأسطح المتراصة، المآذن الشامخة التى تعلو بين الأبنية، ثم فجأة، بدأت تلوح فى الأفق أبراج العاصمة الجديدة كأنها مدينة من زجاج ونور تنتظر الزائرين.
التقينا ونحن فى طريقنا بعلى شريف الذى يسكن فى أسوان ولكنه جاء ينهى أوراقا متعلقة بعمله فى المنطقة الحرة، فكان رأيه أن المونوريل أعطاه شعورا بأن مصر أصبحت كدول أوروبا، معلقا أن هذا المشروع العظيم هو فخر لكل مصرى.
فى هذه الرحلة، لم نكن نتحرك فقط بين محطتين، بل كنا نشاهد تحول المكان أمام أعيننا من مسافة علوية، بدا الازدحام المرورى وكأنه نسيج ساكن خلفنا، بينما نحن ننطلق بسلاسة لا تعرف توقفًا نحو الشرق، كانت الرحلة هادئة، لا ضوضاء محرك، لا اهتزاز، فقط ذلك الصمت الناعم المصحوب بدندنة خفيفة تشبه همس الرياح، وكأن القطار يهمس لنا بأننا نترك الماضى خلفنا ونتجه إلى مستقبل جديد.
محطة حى المال والأعمال قلب العاصمة النابض
بعد رحلة هادئة، توقف القطار عند محطة «حى المال والأعمال»، وهى إحدى أهم المحطات على خط المونوريل، حيث تختصر قلب العاصمة الجديدة النابض بالحياة الاقتصادية هنا، توقفنا لنستكشف هذه المحطة التى تُعد بوابة المنطقة المالية للعاصمة الجديدة، حيث تتراص المبانى الشاهقة التى تضم البنوك والشركات والمؤسسات المالية الكبرى.
عند النزول من القطار، شعرنا باختلاف المكان محطة حى المال والأعمال تبدو أكثر حداثة، تصاميمها تعكس الطابع العصرى للمنطقة، الواجهات الزجاجية تعكس أبراج الحى المالى التى تلوح فى الأفق هنا، يتوقف الكثير من الموظفين ورجال الأعمال الذين يتجهون إلى أعمالهم فى هذا الحى الحيوى، الذى يُعد القلب الاقتصادى للعاصمة الجديدة.
على الرصيف، التقينا بموظف أحد البنوك كان فى طريقه إلى اجتماع، تحدث إلينا بسرعة لكنه وجد وقتًا ليعبر عن إعجابه بالمونوريل قال: «أنا شغلى فى حى المال والأعمال، وكنت قبل كده لازم أستخدم سيارتى كل يوم، أدفع بنزين ووقت طويل فى الطريق، النهاردة بركب المونوريل من الاستاد وأوصل هنا فى 20 دقيقة، بصراحة أنا مش مصدق إن الموضوع بسيط كده، دى نقلة حقيقية».
كما التقينا بموظفة كانت تنزل من القطار متجهة إلى عملها فى أحد البنوك، قالت مبتسمة: «أنا ساكنة فى مدينة نصر، كنت بعانى كل يوم عشان أوصل هنا، الزحمة كانت بتخلينى أخرج من البيت الساعة 6 الصبح عشان أوصل 9 دلوقتى مع المونوريل، أخرج 7 ونص، أوصل 8، ومرتاحة نفسيًا وجسديًا الفرق مش طبيعى».
وتجوّلنا حول المحطة، فرأينا أبراج الحى المالى تحتضنها الحدائق والممرات الواسعة، ورأينا العمال والفنيين وهم يتابعون أعمال الصيانة اليومية فى المحطة، كل شيء منظم، كل شيء حديث، كأننا فى إحدى عواصم العالم المتقدم.
مواصلة الرحلة نحو العدالة الوجهة الأخيرة
بعد أن استكشفنا حى المال والأعمال، عدنا إلى القطار لنكمل رحلتنا نحو محطة «مدينة العدالة»، آخر محطات خط المونوريل الشرقى، حيث تتركز الوزارات والمؤسسات الحكومية، وتتراص مبانى الدولة الجديدة فى مشهد مهيب.
وخلال هذه المرحلة الأخيرة من الرحلة، كنا نرى العاصمة الجديدة فى كل تفاصيلها، المبانى الحديثة، الشوارع الواسعة، المساحات الخضراء المتناسقة، وكأننا نطير فوق مدينة صُممت بعناية لتكون عاصمة المستقبل، كان الأفق مفتوحًا أمامنا، والسماء تمتد بلا حدود، والمبانى تتوالى وكأنها لوحة فنية ضخمة.
على المقعد المقابل، تحدثت إلينا سيدة كانت فى رحلة عمل إلى إحدى الوزارات قالت: «أنا أول مرة أركب المونوريل، وصدقينى مش مصدقة إنى وصلت العدالة من الاستاد فى الوقت ده، كنت قبل كده أقعد فى العربية ساعة ونص، والنهاردة 40 دقيقة، والمنظر من الشباك جميل، وأنا مرتاحة، بدون أى تعب».
فى مكان آخر من القطار، أثناء مرورنا بالقرب من منطقة التجمع الخامس، جلست شابة تدعى حبيبة محمد، تبلغ من العمر 22 عامًا، تسكن فى مدينة نصر وتعمل فى منطقة اللوتس حكت لنا أنها بدأت تستخدم المونوريل منذ أسبوعين فقط، لكنها شعرت بالفارق منذ اليوم الأول قالت: «أنا بروح شغلى فى اللوتس كل يوم، كنت قبل كده بقعد فى العربية أكتر من ساعة، وبتعب نفسيًا وجسديًا من الزحمة، النهاردة بروح فى نصف ساعة بالضبط، وأنزل من القطار وأنا مبسوطة، مفيش تعب ولا عصبية».
وتابعت: «القطار دايمًا فاضى نسبيًا، وكل حاجة نظيفة ومرتبة، والإضاءة مريحة» وعندما سألناها عن التكلفة، قالت: «أنا كنت بدفع على أوبر ما بين 60 و 80 جنيها، دلوقتى بدفع 20 بس، يعنى وفرت كتير أوى».
وأشارت إلى أن المونوريل ليس فقط وسيلة مواصلات، بل تجربة إنسانية، حيث قابلت ناس من كل مكان: من أسوان، ومن اليمن، وعائلات كاملة مع أطفالها، ودكاترة وموظفين، وكأن القطار أصبح فضاءً مصغرًا لمصر كلها، قائلة: «الناس بتتكلم مع بعض، بيسألوا بعض عن أحوالهم، عن شغلهم، عن العاصمة، الجو هنا مختلف، إنسانى أكتر».
وأضافت: «أنا بقيت أنزل من البيت وأنا عارفة إنى هوصل فى وقت محدد، من غير توتر، الموضوع غير حياتى اليومية خالص» وروت كيف أنها كانت تفكر فى تغيير شقتها لتكون أقرب إلى عملها بسبب مشقة الطريق، لكن المونوريل حل هذه المشكلة تمامًا، مؤكدة: «دلوقتى أنا مرتاحة فى سكنى وفى مواصلاتى».
وصادفنا بعد ذلك الدكتور هانى عبدالرحمن الذى يذهب إلى عمله وفضل ترك سيارته والذهاب بالمونوريل منذ أن تم افتتاحه فهو يرى أن ذلك أسرع وأوفر.
الوصول إلى مدينة العدالة... نبض الحكومة الجديدة
أخيرًا، وبعد رحلة استغرقت أقل من 40 دقيقة من محطة الاستاد، وصلنا إلى محطة «مدينة العدالة» هنا، فى هذه المحطة النهائية، تتركز الوزارات والمؤسسات الحكومية، مبانى الدولة فى أبهى صورها، تتراص بجانب بعضها البعض فى نظام وهندسة حديثة، النزول من القطار كان وكأننا نخطو إلى مستقبل مصر الجديد.
المحطة هنا أكبر وأكثر اتساعًا، لأنها تستقبل آلاف الموظفين والمواطنين يوميًا، زجاجها العازل يلمع تحت الشمس، والسلالم الكهربائية تنقل الحشود بصمت وكفاءة، كل شيء هنا صُمم ليخدم الأعداد الكبيرة من الركاب الذين يقصدون المدينة الحكومية قاعة التذاكر واسعة، ماكينات البيع الإلكترونية تعمل بسلاسة، والموظفون فى استقبال الركاب بابتسامات ترحيبية.
وفى ركن المحطة، وقفنا ننظر إلى الأفق حيث تبرز أبراج العاصمة الجديدة، وكأنها مدينة من زجاج ونور تنتظر الزائرين هنا، وقفنا نتأمل المسافة التى قطعناها، من شوارع القاهرة المزدحمة إلى هذه المدينة الجديدة المخططة بعناية، فى رحلة لم تتجاوز 40 دقيقة، كانت بالأمس تستغرق ساعات من العناء.
تامر من مجلس الدولة... صوت المواطن الواعى فى العدالة
فى محطة العدالة، وقفنا مع تامر أحمد عبدالعزيز، أحد العاملين بمجلس الدولة، الذى كان قد نزل لتوه من القطار قادمًا من محطة جامعة القاهرة عبر الاستاد، متجهًا إلى أحد المبانى الحكومية لحل مشكلة معاش والده المتوقف، بدا على وجهه ملامح رجل اعتاد الحياة التنظيمية، لكنه كان يحمل فى عينيه قصة مختلفة.
قال وهو يشير بيده إلى مبانى الحكومة: «أنا جاى من محطة جامعة القاهرة، حولت على الاستاد، ومنها المونوريل للعدالة، الحقيقة إنى أول مرة أركب المونوريل، ومنبهر بيه كنت قبل كده باجى العاصمة بالعربية وأقعد ساعة ونص، النهاردة وصلت فى 40 دقيقة، ووصلت مرتاح، مش متضايق ولا زعلان».
ثم التفت إلينا بجدية وقال: «أنا بشوف ناس بتنتقد المشاريع دى، لكن صدقونى، المونوريل مش رفاهية، ده ضرورة، ده كرامة للناس تخيلوا واحد عنده ظرف صحي، أو واحدة ست كبيرة، أو أسرة عايزة تروح العاصمة، المونوريل بيوفر لهم الوقت والجهد، وبيديهم حياة أسهل وأنا النهاردة جاى من جامعة القاهرة للعدالة، أركب المترو، ثم المونوريل، وأصل فى وقت قياسى».
وأردف وهو ينظر إلى أفق العاصمة: «أنا شايف مصر بتتغير، والطرق والكبارى والمونوريل، دى كلها حاجات كانت أحلام زمان، وبتتحقق دلوقتى وأنا بقولها بكل صراحة، اللى بيتكلموا ضد المشاريع دى، هم أكتر ناس هتستفيد منها أنا مبسوط إنى عشت اليوم ده، وشفت مصر بتتغير بأيدى ولادها». وبعد ذلك التقينا حسين عبدالقاسم ووالده من اليمن ولكنهم يعيشون فى مصر وبسبب ظروف مرض الوالد فهم يذهبون إلى المستشفى الجوى مرتين أسبوعا لتلقى العلاج الكيماوى، فقال حسين إن المونوريل وفر أموالهم ووقتهم وسهل عليهم كثيرا وأضاف أن «الدولة المصرية هى دائما السند لنا».
لوحات بشرية على طول الخط
طوال الرحلة من الاستاد إلى العدالة، رصدنا مشاهد إنسانية لا تُنسى فى كل محطة فى محطة الاستاد، رأينا عائلة بأكملها تصعد لأول مرة، الأطفال وهم يشعرون أنهم طائرون، والأب محمود إبراهيم وهو يبتسم يشرح لهم أنهم فى أحدث قطار فى مصر، وحكى لنا أن زوجته كانت تريد الخروج هى وأطفالها ليجربوا المونوريل، مؤكدا أن الحقيقة أجمل بكثير من الحكايات التى قرأها عن المونوريل.
وفى أثناء المرور فوق التجمع الخامس، رأينا رجلًا مسنًا على كرسى متحرك تساعده ابنته، كان فى طريقه إلى العاصمة لإنهاء معاملة، وقال: «من يوم ما المونوريل اشتغل، الدنيا اختلفت، أنا بقدر أروح من الاستاد للعدالة من غير ما حد يساعدنى، وده إحساس جميل».
وفى محطة حى المال والأعمال، تحدثنا مع شابتين كانتا فى طريقهما إلى وظائف جديدة فى إحدى الشركات، وقالت إحداهن: «أنا كنت خايفة من فكرة إن شغلى فى العاصمة يعنى هقضى نص عمرى فى المواصلات، لكن المونوريل خلانى أحب الموضوع 20 دقيقة من الاستاد لحى المال والأعمال، ده حلم».
رحلة من قلب القاهرة إلى قلب المستقبل
هكذا، انتهت رحلتنا من محطة الاستاد، عبر محطة حى المال والأعمال، حتى محطة مدينة العدالة، رحلة لم تتجاوز 40 دقيقة حملت بين طياتها مشاهد من الماضى والحاضر والمستقبل، من شوارع القاهرة القديمة إلى صروح العاصمة الجديدة، ومن الزحام إلى الانسياب، ومن التعب إلى الراحة، التقينا خلالها بأرواح صنعت هذا الإنجاز بأيديها، من المهندسة إيناس التى رأت المشروع يولد، إلى ندى التى تحافظ على نظافته، إلى أحمد الذى يدير تفاصيله، إلى نهال التى تخدم ركابه، إلى كل راكب وجد فى المونوريل أملًا فى حياة أفضل.
المونوريل لم يعد مجرد وسيلة نقل، بل أصبح جسرًا يربط الماضى بالمستقبل، يختصر المسافات، ويمنح الكرامة، ويوفر الوقت، ويحافظ على البيئة إنه إعلان بأن مصر قادرة على بناء مستقبل يليق بمواطنيها، وأن الطريق إلى التقدم يبدأ بخطوة، وهذه الخطوة هى المونوريل.