رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

البصمة البيومترية.. بين مخاوف الاختراق والإجراءات التنظيمية


20-8-2026 | 15:25

.

طباعة
تقرير: وائل الطوخى

تمثل أزمة تسجيل خطوط المحمول بغير بيانات أصحابها جرس إنذار مبكر يعكس تعقيدات التحول الرقمى، وقد باتت حماية الهوية الرقمية للمواطن ضرورة تتصل باستقرار المعاملات المالية ونزاهة الإجراءات القضائية وسلامة الأمن المجتمعى. والمطلوب تضافر الأجهزة الرقابية والتشريعية لفرض حوكمة صارمة على قطاع الاتصالات، وحماية البيانات الشخصية، وضمان ألا يتحول التقدم التقنى والإجرائى إلى فخ قانونى للمواطن حسن النية، مع وعى كامل بمخاطر التوسع فى البيانات البيومترية بعيداً عن الإشراف السيادى المباشر فى عصر الذكاء الاصطناعى.

ويقصد الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات من تطبيق (منظومة البصمة البيومترية) فى توثيق بيانات عملاء خدمات الاتصالات فى مصر والتحقق اللحظي: البيانات البيومترية نفسها أى صور الوجه ونسخ بطاقات الرقم القومى التى تجمعها شركات المحمول عند التعاقد.

ووجه (الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات) بالإسراع فى إتاحة آليات التحقق البيومترى عبر التطبيقات الإلكترونية والفروع على أن يبدأ التطبيق الرئيسى خلال شهر تقريبا سبتمبر 2026 وتأتى هذه التحركات فى سياق إجراءات عاجلة أعلنها (الجهاز القومي) مؤخرا شملت إحالة شركات المحمول الأربع فودافون وأورنج وإى آند ووى إلى النيابة العامة بشأن مخالفات تسجيل خطوط بأسماء مستخدمين دون علمهم بعد تلقى آلاف الشكاوى.

ووفقا لتصريحات الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات رسميا لن تخزن بيانات البصمة لدى الشركات وسيتم التحقق آليا بمطابقة بصمة الوجه مع صورة بطاقة الرقم القومي، ما يمثل تحولا من الاعتماد على البطاقة فقط إلى التحقق الحى الفعلى وتهدف منظومة البصمة البيومترية إلى حوكمة سوق المحمول من خلال تعزيز أمن البيانات وحماية المواطنين من الاستخدام غير المشروع للهويات، غير أن نجاح التطبيق يعتمد على قدرة الشركات على استيعاب التكاليف دون تأثير كبير على القدرة الشرائية أو معدلات النمو وعلى التوازن الذى سيحققه الجهاز القومى بين العملية التنظيمية والتسعير التنافسي، ومع استمرار الدراسات والمخاطبات الرسمية يترقب السوق ملامح التسعير النهائى خلال الأسابيع المقبلة

الأمر الذى تظهر معه تحذيرات عدة مع ارتفاع الأصوات باعتماد البصمة البيومترية لتفعيل الخطوط، فالتأمل المتأنى فى جمع الشركات الخاصة لهذه البيانات يكشف عن مخاطر تفوق أزمة الخطوط الوهمية ذاتها، إذ لا يوجد وسيط حكومى تستطيع الشركات من خلاله التحقق اللحظى من صحة البصمة الحيوية ومطابقتها، على خلاف بصمات الأصابع، أو بيانات الرقم القومى النصية التى يجرى التحقق منها عبر وزارة الداخلية، وهذا الفراغ التقنى قد يعنى أن تضطر الشركات إلى بناء قواعد بيانات خاصة تضم بصمات وجوه الملايين من المواطنين.

وقال المهندس وليد حجاج، الخبير فى أمن المعلومات، إن التوجه نحو اعتماد التحقق البيومترى فى إجراءات تسجيل خطوط الهاتف المحمول يمثل خطوة مهمة ومطلوبة فى المرحلة الحالية، لكنه شدد على أن نجاح هذا التوجه لا يرتبط بمجرد إضافة بصمة أو صورة إلى إجراءات التسجيل، بل يتوقف بشكل أساسى على طريقة التنفيذ ذاتها.

وأوضح حجاج أن الأزمة الأخيرة المرتبطة بتسجيل خطوط باسم مواطنين دون علمهم، كشفت أن الاعتماد فقط على بيانات بطاقة الرقم القومى لم يعد كافياً لضمان دقة عمليات التسجيل. 

وحول التكلفة والجدوى التطبيقية لتقنية البصمة فى فروع الشركات، أوضح حجاج لـ«المصور» فى تصريحات خاصة أن التقنية ذاتها ليست مكلفة بشكل كبير فى حال تطبيقها بصورة محدودة، إلا أن انتشارها على مستوى جميع نقاط التعامل، بما فى ذلك المنافذ الخاصة بالموزعين المفوضين، سيرتب أعباء مالية كبيرة على الشركات، تشمل تجهيز الأجهزة وتأمينها وربطها بالأنظمة، فضلاً عن الصيانة والتحديث وتدريب الموظفين.

ولذلك، أكد حجاج أن الأجدى اقتصادياً وأمنياً هو تطبيق التحقق البيومترى بشكل تدريجي، وفقاً لدرجة خطورة كل إجراء، فالعمليات الجوهرية مثل شراء خط جديد، أو نقل الملكية، أو إصدار بدل فاقد، أو تعديل البيانات الأساسية للعميل، تستوجب مستوى أعلى من التحقق، بخلاف العمليات الروتينية كسداد الفواتير أو شراء الباقات، والتى يمكن أن تستمر بالإجراءات المعتادة.

وشدد الخبير على نقطة جوهرية تتعلق بإدارة البيانات البيومترية نفسها، مؤكداً أن الأصوب ألا تحتفظ شركات الاتصالات ببصمات المواطنين ضمن قواعد بيانات خاصة بها، وإنما يكتفى بحصول الشركة على نتيجة التحقق فقط (تطابق أو عدم تطابق)، بما يحول دون تحول شركات المحمول إلى جهة مركزية تحتفظ ببصمات ملايين المواطنين. ورأى أن الأنسب هو الاعتماد على قاعدة بيانات مركزية موحدة تُستخدم فى مجالات متعددة، كما هو معمول به فى عدد من الدول العربية، بما يشمل قطاعات أخرى كالمرور منبّها حجاج إلى أن التحقق البيومترى ليس حلاً لمنع تسرب بيانات الرقم القومى بحد ذاته، لكنه يقلل بشكل كبير من قيمة أى بيانات مسرّبة عند استخدامها فى محاولات انتحال الهوية، باعتباره طبقة حماية إضافية تصعّب استغلال البيانات المسربة.

أكد المهندس وليد حجاج، الخبير فى أمن المعلومات، أن مجرد حصول أى شخص على صورة بطاقة الرقم القومى لشخص آخر لا يُعد كافياً لتسجيل خط محمول جديد باسمه، نظراً لأن المعاملة تتطلب أساساً إثباتاً حياً بأن الشخص الحاضر فى الفرع هو صاحب المستندات المقدمة فعلياً. وأشار إلى أن هذا الإثبات الحى هو ما يفترض أن يسهّل على الشركات ضبط الإجراء من الأساس. ومع ذلك، شدد على أن البصمة البيومترية، رغم أهميتها، لا تمثل الحل السحرى الوحيد للقضاء على أزمة تسجيل الخطوط بأسماء أشخاص دون علمهم.

نحو منظومة أكثر قوة

وطرح الخبير عدداً من الملامح التى ينبغى أن تتضمنها أى منظومة تحقق قوية، أبرزها التكامل بين التحقق البيومترى من هوية العميل وتسجيل هوية الموظف القائم بالعملية ذاته، مع تحديد دقيق لاسم الفرع، والجهاز المستخدم، ووقت تنفيذ الإجراء. كما دعا إلى ضرورة إنشاء سجل تدقيق (Audit Trail) دقيق وغير قابل للحذف أو التعديل أو العبث، تتم مراجعته دورياً من قبل الجهات الرقابية داخل الشركات، بما يضمن إمكانية تتبع أى عملية تسجيل بأثر رجعي.

إنذار فورى للمواطن

واقترح حجاج تفعيل آلية لإرسال رسالة نصية فورية إلى المواطن بمجرد تسجيل أى خط جديد باسمه، على غرار نظام إخطارات مخالفات المرور، بما يتيح لصاحب الرقم القومى معرفة أى خطوط تُسجَّل باسمه لحظة حدوثها. ورأى أن من شأن هذه الآلية أن تُحدث تحولاً جوهرياً فى طبيعة التحقيق عند وقوع أى واقعة تحايل، بحيث لا يقتصر السؤال على «هل البطاقة المقدمة صحيحة؟»، بل يمتد إلى أسئلة أكثر جوهرية: من قام بالعملية؟ ومن وافق عليها؟ وبأى جهاز؟ وفى أى توقيت؟ وهو ما يفتح الباب أمام محاسبة المتسببين قانونياً بدقة.

كما حذّر  الخبير فى أمن المعلومات، من التعامل مع أزمة تسريب بيانات الرقم القومى الأخيرة بمنطق إنشاء «قاعدة بيانات جديدة أكثر تفصيلاً» فقط، مؤكداً أن هذا التوجه قد يحمل خطورة أكبر من المشكلة الأصلية. وأوضح أن خطورة تسريب الرقم القومى تكمن فى كونه بيانات قابلة للتغيير نسبياً، بينما بصمة الوجه أو الإصبع بيانات مرتبطة بالإنسان ذاته ولا يمكن استبدالها بسهولة فى حال تسريبها، وهو ما يستوجب حذراً أكبر عند التفكير فى تصميم أى منظومة تعتمد على تخزين هذه البيانات مع كل عملية يقوم بها العميل لدى شركة الاتصالات.

تحفظات على تطبيقات المحمول

وأبدى حجاج تحفظاً واضحاً بشأن تطبيق التحقق البيومترى عبر تطبيقات شركات المحمول، فى ضوء إعلان الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات عن التوجه لإتاحة هذه الآلية على التطبيقات، بجانب خطة تطوير خدمة «أرقامي» لتشمل التحقق البيومترى أيضاً. وأقرّ بأن الفكرة توفر راحة كبيرة للمواطنين، خاصة المقيمين خارج مصر، لكنه شدد على ضرورة التفرقة بين نموذجين مختلفين تماماً للتحقق البيومتري.

النموذج الأول، بحسب حجاج، يقتصر على استخدام بصمة الجهاز نفسه (Face ID أو Touch ID) لفتح التطبيق فقط، حيث تظل بيانات البصمة محفوظة داخل النظام الآمن للهاتف ولا تصل إلى الشركة على الإطلاق، وهو نموذج أقل خطورة نسبياً وإن لم يكن هو المقصود أصلاً بمنظومة التحقق من الهوية. أما النموذج الثانى والأخطر، فيتمثل فى طلب التطبيق تصوير الوجه أو إجراء مسح بيومترى مباشر، ثم إرسال هذه البيانات إلى خوادم الشركة أو الجهة المسئولة عن قاعدة البيانات لإجراء المطابقة.

أسئلة جوهرية بلا إجابة واضحة

وأثار حجاج مجموعة من التساؤلات الجوهرية التى يرى أنها لا تزال بلا إجابات واضحة فى حال اعتماد النموذج الثاني، من بينها: أين تُخزَّن البيانات؟ وما مدة الاحتفاظ بها؟ وما موقف قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 من هذه الممارسة؟ ومن الجهات التى يمكنها الوصول إلى هذه البيانات؟ وهل تمر عبر أطراف ثالثة؟ وهل يُحتفظ بصورة الوجه الأصلية أم بقالب بيومترى مشتق منها فقط؟ وكيف تتم مواجهة مخاطر انتحال الوجه عبر تقنيات التزييف العميق (Deepfake)؟

اختراق الحساب.. خطر مضاعف

ولفت الخبير إلى أن تعرّض حساب العميل فى التطبيق أو هاتفه للاختراق يمثل خطورة مضاعفة، إذ إن حصول مهاجم على حساب التطبيق ورقم الهاتف فقط قد يمكّنه من تنفيذ عمليات حساسة للغاية، مثل نقل ملكية الخط، أو إصدار بدل فاقد، أو تغيير شريحةeSIM، دون الحاجة إلى أى إجراء إضافي.

 تحقق بلا تخزين

وفى ما يخص الحل المقترح، أكد حجاج أن التحقق البيومترى ضرورى من حيث المبدأ، لكن بشرط ألا يتحول إلى عملية تجميع بيومترى واسعة النطاق لبيانات المواطنين. ودعا إلى تبنى مبدأ أساسى فى تصميم أى منظومة مستقبلية، يتلخص فى أن يقتصر دور النظام على «التحقق من الهوية دون الاحتفاظ ببياناتها»، بحيث تتم مطابقة هوية الشخص لحظياً دون تخزين بصمته أو هويته الرقمية دون داعٍ فعلى لذلك.

من جانبه قال الدكتور شريف هاشم أستاذ علم تكنولوجيا المعلومات بجامعة جورج ميسون الأمريكية إن تأمين بيانات عملاء خدمات الاتصالات فى مصر بالتزامن مع تطبيق نظام البصمة البيومترية والتحقق اللحظى يعتمد على الأسس التشريعية، فمنظومة البصمة البيومترية تتقاطع مع قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، الذى تعتمد عليه مصر فى تغطية قطاعات عدة من بينها الاتصالات، ويُلزم كل من يجمع أو يعالج أو يخزن بيانات شخصية بالحصول على موافقة صريحة من صاحب البيانات، مع استثناءات محددة تتعلق بالأمن القومى والتحقيقات القضائية وأنشطة إنفاذ القانون.

موضحاً أن ذلك الأمر قد يترجم إلى حاجة ملحة فى إيجاد بدائل مبتكرة لآليات تُخزَّن البيانات البيومترية بشكل مشفّر ومعزول يسمح بالتحقق دون إتاحة الوصول الكامل لها لأى جهة غير موثوقة، وأن البصمة البيومترية تصبح من أشد فئات المعلومات حساسية، لأنها بيانات لا يمكن للفرد «تعديلها» كما يغيّر كلمة مرور مسربة، وأى تسريب لها يحمل مخاطر طويلة الأمد.

وكشف شريف هاشم أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يفرض على مزودى الخدمة الاحتفاظ بسجلات النظام والاتصالات لمدة 180 يومًا والتعاون مع جهات الأمن القومى عند الطلب، وهو التزام يتقاطع مع مبادئ تقليل البيانات والاحتفاظ بها المنصوص عليها فى قانون حماية البيانات الشخصية، ما يضع على عاتق شركات الاتصالات مهمة الموازنة بين متطلبات الأمن ومتطلبات الخصوصية مشيراً إلى أن القانون أيضاً يلزم المتحكمين فى البيانات والمعالجين بتطبيق تدابير تقنية وتنظيمية مناسبة لحمايتها من الوصول غير المصرح به والفقدان أو الإتلاف العرضي، إلى جانب إخطار جهة الاختصاص فور وقوع أى خرق أو اختراق للبيانات.

ولفت شريف هاشم إلى أن تأمين قواعد بيانات البصمة نفسها يواجه عدة تحديات لأن تحويل صور الوجه وبيانات الهوية إلى قاعدة بيانات مركزية أو موزعة بين أربع شركات محمول يخلق هدفًا جذابًا لأى هجوم سيبراني. أى اختراق هنا لا يعرّض خطًا هاتفيًا واحدًا للخطر، بل قد يتيح انتحال هوية كاملة (رقم قومى + وجه) لاستخدامها فى تزوير عقود أخرى أو تجاوز أنظمة تحقق بيومترية فى قطاعات أخرى كالبنوك والصحة والتعليم أو حسابات التواصل بالإضافة إلى الخدمات الحكومية.

وشدد شريف هاشم على أن نجاح المنظومة الجديدة يتوقف على وجود آليات رقابية صارمة تُلزم هؤلاء الموزعين بالتطبيق الدقيق لإجراءات التحقق، لأن أى ثغرة فى نقاط البيع الفرعية تُفرغ المنظومة المركزية من مضمونها خاصة أن جزءا كبيرا من مبيعات الخطوط يمر عبر منافذ توزيع ووكلاء خارج الفروع الرسمية للشركات.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة