ويومًا وراء يوم تؤكد الدولة المصرية أنها ستظل وفية لقناعتها الراسخة بتمهيد طريق السلام، وتهيئة الظروف لنشر الأمان، وسد الذرائع فى وجه المتآمرين على عواصم الشرق الأوسط، والراغبين فى الزج بالبلدان فى معترك المواجهات الكارثية، وإقحام الشعوب فى صراعات مدمرة، فالقاهرة تفطن إلى أن الحروب يمكن أن يحدد أطرافها أو أحدهم توقيت ساعة الصفر لكن لا يمكن لهم أو لغيرهم أن يتنبأوا بنهايتها، فكل الاحتمالات متوقعة، وجميع السيناريوهات محتملة، ونيران الصراع تنتقل من بؤرة إلى أخرى مثل كرات اللهب المشتعلة، قبل أن تتوقف فى منطقة تشتعل فى أخرى أشد ضراوة، وكلما تزايدت الهجمات من طرف استنفرت طاقات الخصم على رد الصاع صاعين، ناهيك عن أن أصحاب المصلحة من القوى الأخرى التى تحقق المكاسب الجمة من استمرار آلة الحرب، تارة من تجارة السلاح، وتارة من ارتفاع أسعار الطاقة، فضلاً عن سعيها لخلخلة ميزان القوى لصالحها، والمثال الواضح هنا دولة الاحتلال، وما خفى كان أعظم.
وفى الجمهورية الجديدة، أصبح مسار السلام التزامًا مصريًا ثابتًا كالجبال لا تهزه ريح دعاة الحرب، وصلب كالفولاذ لا تنفذ منه مغامرات المتربصين بالأمن القومى، وعقيدة راسخة لا تراجع عنها مهما تعددت التحديات وتنوعت الصعوبات، وبالحكمة والاتزان الاستراتيجى أجبرت القاهرة الجميع على احترام خطوطها الحمراء، وعدم المساس بثوابتها التاريخية، ولقطع الطريق على أى مخططات خبيثة أو مكائد حقيرة تنبهت القيادة السياسية منذ 2014 إلى ضرورة الأخذ بكل سبل القدرة الشاملة، لأن السلام لا بد له من قوة تحميه، بداية من جيش قوى قادر على صون مقدرات الشعب، وتأمين حدود البلاد على كل الاتجاهات الاستراتيجية، بل إنه مستعد للقيام بأى مهام يكلف بها لضمان الحفاظ على مكتسبات المصريين فى الداخل والخارج معًا، وتجسد ذلك فى استراتيجية متكاملة لرفع كفاءة المقاتل المصرى تدريبًا وتأهيلاً ليكون فى أعلى درجات الجاهزية للزود عن سيادة الوطن.
وبالتوازى مع هذا الاتجاه الواضح، تسارعت خطط تحديث منظومة التسليح داخل قواتنا المسلحة وفقًا لأحدث النظم العالمية والتكنولوجية، مع تنويع مصادر التسليح وتمصير العديد من الأسلحة، إلى جانب نقلة نوعية فى توطين الصناعات الدفاعية ببناء قدرات محلية لتصنيع المعدات العسكرية من أجل تحقيق الاستقلال الاستراتيجى، لأن هذا الأمر يحمى القرار السياسى والعسكرى من ضغوط أو إملاءات الدول المصدرة للأسلحة وقت اللزوم، والنجاحات الوطنية التى نراها عامًا وراء عام فى كل نسخة جديدة من المعرض الدولى للصناعات الدفاعية والعسكرية «إيديكس» بمشاركة كبرى الشركات العالمية والمحلية، ومنها فى نسخة 2025 على سبيل المثال لا الحصر، راجمة الصواريخ «ردع 300»، والطائرة المسيرة «جبار 150» الهجومية، ومركبة الإصلاح والنجدة «سيناء 806»، فالردع المصرى دائمًا حاضر رغم التزام القاهرة شعبًا وقيادة بمسار السلام.
وتأكيدًا على الأخذ بفقه الأولويات، تحركت الجمهورية الجديدة فى كل المجالات بالتوازى لتضمن امتلاك القدرة الشاملة التى تثبت دعائم الاستقرار، وترسخ أركان الأمان، وامتدت يد التطوير والتحديث فى جميع القطاعات، مع إرادة لا تنكسر فى مواجهة الأزمات كافة بلا تردد أو تراجع، مع ثقة كاملة للرئيس السيسى فى وعى الشعب، وقدرته على الفرز بين الغث والسمين، والتصدى بشجاعة للفتن التى يصنعها الحاقدون على التجربة المصرية فى التنمية، سواء كان من أهل الشر فى الداخل أو حلفائهم من الأجهزة الاستخباراتية الكارهة، وفى مقدمتها بالطبع الموساد الإسرائيلى الذى كان يدبر بليل، ويتآمر مع سبق الإصرار والترصد بالتنسيق مع فرع جماعة الإخوان فى تل أبيب، لجر مصر إلى مستنقع الحرب بتمرير مخطط تصفية القضية الفلسطينية من بوابة تهجير أهالى قطاع غزة إلى سيناء بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، وتوظيف الحسابات الخاطئة لحركة حماس وأعوانها من حزب الله والإيرانيين.
لكن المصريين جميعًا، شعبًا وقيادة ومؤسسات وطنية أسقطوا هذا المخطط الملعون، ومنذ الساعات الأولى لتداعيات هذه الأحداث، حذرت القاهرة من اتساع دائرة الصراع، وأنه لا سلام دائم ولا استقرار مستمر فى منطقة الشرق الأوسط إلا بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود ما قبل يونيو 1967، ورغم الإغراءات المتتابعة من الدول الغربية للقاهرة بمليارات الدولارات مع الضغوط المتلاحقة التى تنوء بحملها الجبال دبلوماسيًا واقتصاديًا وبشتى الطرق العلنية والسرية للسكوت على مخطط التهجير، رفضت القاهرة هذه المؤامرة سواء على حساب مصر أو غيرها من الدول، لأن فلسطين للفلسطينيين وليس غيرهم من المحتلين، ومجرمى الحرب بقيادة نتنياهو وعصابته الأشرار، وكله موثق بالصوت والصورة والفيديو، ومن حقنا كمصريين أن نفتخر بأننا حماة القضية الفلسطينية على مدى تتابع الأجيال والعصور.
والأمر المؤكد أن جراح حكومة دولة الاحتلال من نجاح القاهرة فى إفساد مخطط التهجير لن تندمل مهما طال الزمان، وستظل تؤرق أعضاءها المتطرفين من أمثال مجرم الحرب نتنياهو، والمعتوه بن غفير والمتغطرس سموتريتش ومَن على شاكلتهم القذرة، ولن يملّ أو يكل هؤلاء المتربصون باتفاق شرم الشيخ للسلام، الذى تحول إلى واقع نتيجة براعة المفاوض المصرى، وقدرته على إبطال كل المزاعم الإسرائيلية، فكان الحل مصريًا من التفاوض إلى استضافة الحدث فى مدينة السلام «شرم الشيخ»، برعاية الرئيسين السيسى وترامب فى حضور قادة مختلف دول العالم فى 2025 لتوقيع اتفاقية نهاية حرب غزة، ووضع مراحل واضحة المعالم، كاملة التفاصيل لإعادة إعمار ما دمرته دولة الاحتلال، مع الوصول المستدام للمساعدات الإنسانية، وفتح الأبواب أمام مفاوضات حل الدولتين كخيار استراتيجى، لأن القضية الفلسطينية أصل الصراع فى الشرق الأوسط، وعلاجها يعنى شفاء المنطقة من التوتر والاضطراب.
إن الذكرى تنفع المؤمنين بالسلام، وتكشف الجاحدين به، ولذلك أعيد التذكير ببعض رسائل الرئيس السيسى فى قمة شرم الشيخ للسلام، ومنها: أولاً: أن هذه القمة بمثابة لحظة تاريخية فارقة، «لإنهاء الحرب فى غزة»، ثانيًا: التأكيد على دعم مصر وبقية الشركاء وهم الولايات المتحدة وقطر وتركيا التطلع لتنفيذ هذه الاتفاقية، بما يخلق الأفق السياسى اللازم، لتنفيذ حل الدولتين، ثالثًا: مصر دشنت مسار السلام فى الشرق الأوسط، قبل ما يقارب نصف قرن، وأطلقت عهدًا جديدًا، أهدى الأجيال اللاحقة فرصة للحياة، وأثبت أن أمن الشعوب، لا يتحقق بالقوة العسكرية فقط، رابعًا: مصر تعيد التأكيد، ومعها شقيقاتها العربية والإسلامية، على أن السلام يظل خيارنا الاستراتيجى، الذى يتأسس على العدالة والمساواة فى الحقوق.
خامسًا: الشعب الفلسطينى له حق فى أن يقرر مصيره، والعيش فى دولته المستقلة، سادسًا: وضع الأسس المشتركة، للمضى قدمًا فى إعادة إعمار القطاع دون إبطاء، سابعًا: يتعين على الجميع تثبيت الاتفاق وتنفيذ كافة مراحله، والوصول إلى تنفيذ حل الدولتين.
وهذه الالتزامات الواضحة على تل أبيب، والتى كشفت عورتها أمام الرأى العام العالمى وليس المنظمات الأممية والدولية فقط، وفى ذات الوقت كتبت شهادة وفاة مخطط تصفية القضية الفلسطينية، بل وتمهيد الأجواء لحل الدولتين، جعلت نتنياهو ورفاق السوء معه يحاولون التهرب من هذه التعهدات، بداية من عرقلة وصول المساعدات، ومرورًا بتتابع الهجمات الوحشية على الفلسطينيين، وصولاً إلى محاولات رفض دخول المرحلة الثانية من اتفاقية شرم الشيخ للسلام، ولكن المفاوض المصرى كان لهم بالمرصاد، فكما نجح فى جمع قادة العالم فى اتفاق وقف الحرب عام 2025، فإنه قادر على النجاح فى مفاوضات تنفيذ المرحلة الثانية فى العلمين الجديدة، التى تحولت إلى محط أنظار العالم مؤخرًا فى اجتماعات مستمرة لبحث سبل إنهاء دوامة العنف فى قطاع غزة، وانسحاب إسرائيل، وضمان وصول المساعدات، وغيرها من الأمور، وفى هذا الشأن استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسى، جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكى، بحضور د. بدر عبد العاطى وزير الخارجية والوزير حسن رشاد رئيس المخابرات العامة، وتناول اللقاء تطورات القضية الفلسطينية، حيث تم التشديد على ضرورة قيام جميع الأطراف بتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف الحرب فى قطاع غزة، والذى تم التوصل إليه خلال قمة شرم الشيخ للسلام فى أكتوبر 2025.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء