سألتها: لماذا «المسحورة»؟
قالت: «المسحورة» كانت حلمًا راودنى حين زرت المغرب، وبهرتنى بجمالها الآخاذ الذى سكنني، فتعرفت على الثقافة الأمازيغية وأصحابها. والحقيقة أننا دائمًا ما تكون لنا أحكام مسبقة عن الأقليات والعرقيات، وقد تكون فى الواقع مختلفة عن الصورة الذهنية المأخوذة عنها. أعجبتنى فكرة الاختلاف، واستهوتنى تلك الثقافة المختلفة عنا فى القاهرة، فقررت أن أكتب عنها، وأثناء بحثى اكتشفت أن واحة سيوه فى مصر ارتحل إليها الأمازيغ، فأهل سيوه هم امتداد طبيعى للأمازيغ، فقررت أن تأتى روايتى «المسحورة» كرابط بين مصر والمغرب، من خلال رحلة البطل من المغرب حتى سيوه.
لقد زرت سيوه خمس مرات حتى الآن، أربعًا منها أثناء بحثى لكتابة الرواية، والأخيرة كانت للاحتفال مع أهل الواحة بصدور الرواية ومناقشتها فى «قلعة شالي»، وقد استغرقت رحلة البحث لكتابة الرواية أربع سنوات.
لماذا جاءت صفحات كاملة تقريرية وتسجيلية للواقع؟
تعلقى بالمكان ومحاولاتى لنقل الصورة البصرية التى عشتها هناك لقارئ ربما لم يزرها، فمن هنا جاءت الصفحات التقريرية عن موسم جمع الزيتون والبلح، وهناك أشخاص وأحداث حقيقية جاءت فى سياق الحدوتة، فمن غير الممكن أن أتحدث عن عيد الصلح فى «جبل الدكرور» دون أن أذكر قصة الخلاف بين الشرقيين والغربيين، ومن هم، وما هو تاريخ الجبل؟
ألم تهابى من المقارنة مع بهاء طاهر وروايته؟
قدمت شكرًا خاصًا لبهاء طاهر على صفحات روايتي، اعترافًا بأستاذيته وقلمه البديع، ولأنه أول من فتح لنا باب الكتابة عن سيوه، كما قدمت شكرًا لكل من كتب كتابًا كان مرجعًا لى فى الكتابة، وما قدمته مختلف، لأننى عنيت بالبشر وأهل الواحة البسطاء بتاريخهم وعاداتهم، ولذلك قالوا لى فى حفل توقيع الرواية: «المسحورة هى نحن، هى نبض سيوه وحكاية أهلها».
بدا لى أن «ليوناردو» بطل الرواية هو محرك كل الأحداث، وكأن الآخرين ظلال له.. فهل قامت روايتك على بطل واحد؟!
نعم، ليوناردو بطل الرواية، ومن الطبيعى أن تدور كل الشخصيات الأخرى من حوله، مثل: مبروكة، وتاليس، ورحيم، وأجواد الواحة، وهو من ارتحل وفى جعبته الأسرار، وهو الرابط بين أمازيغ المغرب وأمازيغ سيوه. فمن الطبيعى أن تنسج قصته من خلال عدة شخصيات يخدمون الخط الرئيسى للرواية، ومع ذلك اجتمع الأبطال الأربعة من خلال حلم واحد فى رأس كل منهم، وطريق واحد.
ما الرسالة التى توجهها الرواية من منظور سياسي؟
بالطبع الفن أسبق من السياسة، والواحة هى الأهم، وهى تحت الأضواء اليوم، وأعتز بعشرات الرسائل من قراء قرروا زيارة الواحة بعد قراءة روايتي. والحقيقة أن الواحة فى السابق طالها إهمال كبير، وأدعو لتدريس اللغة السيوية لتلاميذ الواحة حتى لا تنتهى مثل اللغات التى اندثرت. فواجبنا، أدباء وفنانين، أن ننوه إلى الجمال والقبح، علنا نحرك الساكن.
إننى أخشى على الواحة من تلاشى تراثها مع الزمن، رغم وفود السياحة إليها بانتظام، واهتمامنا بواحة سيوه يجب أن يجرى على ثلاثة محاور، هي: الحفاظ على الشكل التراثى للبيوت، والحفاظ على اللغة، والارتقاء بالنظافة.
إن قصتى مع الواحة لن تنتهي، فهى قصة عشقي، ووصول رسالة من قارئ زار الواحة بعد قراءة روايتى هو أكبر وسام على صدري. لقد كتبت كل ما أريده عن سيوه، ولكن قصتها لم تنتهِ فى قلبي.
أنت طبيبة وأديبة.. كيف جمعت بينهما؟
منذ أيام الدراسة كنت أكتب لزميلاتى فى «الأوتوجراف» كلمات أذيلها بتوقيع «الطبيبة الأديبة»، فكنَّ يضحكن وأضحك معهن، ولكن يقينى الداخلى كان يحدثنى أننى سأحقق حلمي، كان حلمى أن أصبح طبيبة أسنان، وتعلقت بالروائيين الكبار أمثال: نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، وتمنيت أن أصبح يومًا مثلهم.
فأنا عاشقة للقراءة منذ صغري، ونشأت فى بيت كان متحفًا للكتب، وأمى عاشقة للكتب، كانت تضعها فوق الأرفف لتضفى على البيت جمالًا، وهكذا تعلقت مثلها بالكتب، وحيوات أبطالها وحكاياتهم.
الحقيقة أن التوفيق بين الطب والأدب والصحافة لم يكن يسيرًا، بل نتاج مجهود كبير، خاصة أننى شخص أحب التحدى وأكره الكسل، لا يهمنى وعورة الطريق. كان الطب هو البداية، ولا يزال فى حياتى لليوم، والطب أضاف للأدب، والطبيب مبدع، ومهتم بجمع المعلومات. الأكاديمية علمتنى محبة جمع المعلومات وتنظيمها، وعملى كطبيبة فى عيادتى علمنى معرفة البشر عن قرب، وضاعف من قدرتى على تحليل أنماط الشخصية، وأكرر أن الطب أرض خصبة للإبداع.
هل الإبداع فكرة أم أحداث، واقع أم خيال؟
يقينى أن الإبداع فكرة، وحين أعثر عليها يصبح كل ما يلى ذلك مجرد روتين للكتابة. ليس سهلًا بالطبع، ولكن الأصعب اختيار الفكرة، لذلك عندما يسطو كاتب على فكرة غيره أعتبر ذلك «سطوًا مسلحًا»، وليس مجرد توارد أفكار، كما أعتبر السطو على أفكار الآخرين إفلاسًا لشخصيات زائفة صنعتها «السوشيال ميديا». لذلك أبحث دائمًا عن فكرة جديدة، فكتبت أدبًا نسويًا وساخرًا واجتماعيًا، ولكن الأقرب إلى قلبى هى الرواية التاريخية، ومع ذلك أحاول ألا أقع فى فخ التكرار.
كيف بدأت الكتابة؟
تعلمت من أمى حب القراءة، وتعلقت بمعرض القاهرة للكتاب، ولا تزال أمى نهمة للقراءة. وحين تجرأت وأنا فى سن الرابعة عشرة، وصارحتها بخواطرى التى كتبتها، رحبت بها، وتنبأت لى يومًا بأن أكون كاتبة.
وأتذكر أن رواية «أنا حرة» لإحسان عبد القدوس كانت أول هدية من أمى لي، وتعلقت به، وأصبحت من سنوات صاحبة صالونه الثقافي. كانت الرواية تتحدث عن الحرية من خلال بطلتها أمينة، ومرت الأيام وكتبت عن الحرية من منظور عصرى من خلال روايتى «جوارى العشق» عبر ثلاث نساء من عصور مختلفة يبحثن عن الحرية. والفضل لأمى وإحسان عبد القدوس.
لست كاتبة نسوية، فأنا أكتب عن الناس، عن البشر، دون تحديد هوية عرقية أو نوع، واهتمامى بكتابة التاريخ كمشروع إنسانى وإبداع، وليس تاريخًا جامدًا.
لقد بدأت أثناء حصار كورونا مشروعى «كاتبان وكتاب» عبر صفحتى على «السوشيال ميديا»، وقدمت أسماء كثيرة أمثال: محمد المنسى قنديل، وحبيب السالمي، وواسينى الأعرج، ونجوى بركات، وهدى بركات، وليلى الأطرش، وجان دوست، وجبور الدويهي، وهشام مطر، وسعود السنعوسي، وبدرية البشر، وغيرهم. ورغم أنى أبذل جهدًا كبيرًا فى الندوة، إلا أنها حققت نجاحًا لم أتوقعه.