حسبما قال محمود أحمد، أحد باعة التين الشوكى بوسط البلد: «إن الموسم يمثل مصدر رزقه الأساسى خلال أشهر الصيف؛ فالإقبال يزداد مع ارتفاع درجات الحرارة، لأن كثيرًا من المواطنين يعتبرون التين الشوكى فاكهة منعشة ورخيصة مقارنة بغيرها، وسعر الثمرة يتراوح تقريبا عند 5 جنيهات، بينما يحصل عليها من المزارع بسعر أقل، وحركة البيع تكون أفضل فى ساعات المساء بعد انكسار حرارة الشمس، ومن أول الظهر إلى آخر الليل يقف الناس لتشترى وهناك مَن يأخذ ثمرة أو اتنين، وفيه أسر بتشترى بالعشرات والطبق، وكل واحد ليه طريقته فى أكله، فيه ناس بتاكله وهمه على العربية واقفين حوليا، وناس تحب تخليه ساقع وتاكله بمزاج».
وأمام عربية التين الشوكى، توقفت رضوى محمد، وهى تحمل أكياس التسوق لتطلب عشر ثمرات، قائلة: «مفيش صيف من غير التين الشوكي.. بستناه كل سنة، وطعمه وهو ساقع ملوش زي»، مضيفة وهى تراقب البائع يقشر الثمار بسرعة: «أول ما أشوف العربية أعرف أن الصيف بدأ وبحب آخده وأنا راجعة البيت علشان الأولاد كلهم بيحبوه، ومفيش مرة نعدى من جنب عربية تين ومحدش يطلب نشترى فاكهة خفيفة وسعرها مناسب».
أما سيد إبراهيم، أحد الباعة فى منطقة حدائق حلوان، فكان ينادى بصوت مرتفع: «التين الساقع يا تين.. جرب واحدة»، وقال لنا: إن يومه يبدأ منذ ساعات الفجر الأولى؛ إذ يتوجه إلى سوق الجملة لاختيار أفضل الثمار قبل أن ينقلها إلى مكان البيع، حيث إن جودة التين هى التى تحدد حجم الإقبال عليه؛ فالزبون يعرف يفرق بين التين، لذا أختار البضاعة كل يوم لأن البضاعة غير الجيدة لن تُباع، والتعامل مع التين الشوكى ليس بالأمر السهل؛ فالأشواك الدقيقة تظل التحدى الأكبر بالنسبة للباعة لأنها متعبة جداً ومهما احتطنا نجده يدخل فى الإيد، لكن مع الخبرة نعرف نمسك الثمرة ونقشرها بسرعة من غير ما نتلفها أو نجرح الزبون، كما أن حرارة الصيف تؤثر أيضًا على الثمار لذلك نحرص على وضعها فى مكان بعيد عن أشعة الشمس المباشرة مع تغطيتها وترطيبها باستمرار للحفاظ على نضارتها، لأن التين لا يتحمل البقاء لفترات طويلة فوق العربة.
فيما قالت أميرة أحمد، وهى تشترى كمية لأسرتها: نشتريه كل أسبوع فى الموسم لأنه صحى وطعمه حلو وسعره لسه فى متناول الناس مقارنة بفواكه كتير، وأضافت: بنشوف عربيات التين فى كل مكان ولما بنعدى جنبها لازم نقف نشترى لأنه مرتبط عندنا بذكريات، ورغم ارتفاع أسعار فواكه كتير، يظل التين الشوكى من الخيارات المناسبة لمعظم الأسر لذلك نحرص على شرائه باستمرار طوال الموسم.
حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أكد أن مصر تزرع نحو 60 ألف فدان من التين الشوكى تتركز غالبيتها فى الأراضى الصحراوية نظرًا لتحمل النبات الظروف المناخية القاسية واحتياجه المحدود للمياه مقارنة بمحاصيل أخرى، ومتوسط إنتاجية الفدان يصل إلى نحو 15 طنًا فى الموسم، بينما يبلغ إجمالى الإنتاج السنوى قرابة 51 ألف طن، وهو ما يجعل التين الشوكى من المحاصيل الصيفية المهمة التى تحقق عائدًا اقتصاديًا جيدًا للمزارعين.
وأشار إلى أن صادرات مصر من التين الشوكى تصل إلى نحو 4 آلاف طن سنويًا بقيمة تقارب 10 ملايين دولار، وعدة دول أوروبية وعربية تستورد الثمار المصرية من بينها إيطاليا وفرنسا وروسيا وليبيا لما تتمتع به من جودة عالية، والسوق المصرية تضم عدة أصناف من التين الشوكى، أبرزها الأخضر والأحمر والأصفر، وتختلف هذه الأصناف فى درجة الحلاوة وحجم الثمار بما يلبى أذواق المستهلكين، ورغم المزايا التى يتمتع بها المحصول، فإن زراعته لا تخلو من التحديات؛ إذ أوضح نقيب الفلاحين أن من أبرز المعوقات حساسية النبات للرطوبة الزائدة، والإصابة ببعض الحشرات والآفات، إلى جانب بطء دخول النباتات مرحلة الإنتاج وارتفاع تكلفة الجنى بسبب الأشواك، فضلًا عن صعوبة التسويق فى بعض المناطق.
وأوضح «أبو صدام» أن سعر الثمرة داخل المزرعة يبلغ نحو جنيهين قبل أن تصل إلى المستهلك بنحو 5 جنيهات نتيجة تكاليف النقل والتداول والتوزيع، والتين الشوكى لا يقتصر الاهتمام به على قيمته الاقتصادية فقط، بل يمتلك أيضًا فوائد غذائية وصحية عديدة؛ إذ يعد مصدرًا غنيًا بالألياف الغذائية، ومضادات الأكسدة وفيتامين «ج» ما يجعله من الفواكه المفيدة خلال فصل الصيف، كما تساعد الألياف الموجودة فى التين الشوكى على تحسين عملية الهضم وتقليل الإمساك، وتسهم فى تنظيم مستويات السكر فى الدم بينما يساعد البوتاسيوم على دعم صحة القلب وخفض ضغط الدم وتحسين كفاءة الشرايين، إضافة إلى دور مضادات الأكسدة فى تقليل مستويات الدهون الثلاثية والكوليسترول، فضلًا عن تعزيز مناعة الجسم.
وتابع: ولا تتوقف قيمة التين الشوكى عند تناوله كفاكهة؛ إذ تدخل قشوره فى إنتاج الأعلاف والأسمدة العضوية، بينما تستخدم بذوره فى استخراج زيوت مرتفعة القيمة تدخل فى صناعة مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، كما تتجه بعض المشروعات الصغيرة إلى الاستفادة من مخلفات النبات فى إنتاج منتجات طبيعية بما يزيد من القيمة الاقتصادية للمحصول.
ويواصل: فاكهة التين الشوكى حضوره كواحد من أبرز رموز الصيف فى مصر جامعًا بين المذاق المميز والسعر المناسب والفوائد الصحية، ورغم أشواكه التى تتطلب جهدًا فى جمعه وبيعه يبقى «فاكهة الغلابة» التى لا تغيب عن موائد المصريين ومصدر رزق ينتظره آلاف المزارعين والباعة مع كل موسم.