رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

خفض الدين.. إصلاح الدعم.. وتنمية الصادرات.. ثلاثية نجاح خطط الحكومة لـ«اقتصاد ما بعد الصندوق»


21-8-2026 | 14:33

.

طباعة
تحقيق: محمد زيدان

«الغذاء.. الاستثمار.. الطاقة»، القطاعات السابقة وغيرها الكثير لم تكن بمنأى عما يمكن وصفه بـ«الآثار الجانبية للحروب»، وهو ما يتضح جليًا فيما تشهده غالبية اقتصادات العالم، إن لم تكن جميعها، من أزمات متتالية على خلفية اشتعال بؤر الصراعات فى أماكن عدة، وهو ما دفع الحكومات، ومن بينها الحكومة المصرية بالطبع، لإجراء تعديلات فى «استراتيجيات المواجهة» و«سيناريوهات المستقبل»، وذلك عبر الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعامل مع الاقتصاد، تقوم على الاستعداد المسبق للسيناريوهات بدلاً من انتظار تداعياتها.

وفى هذا السياق، كشف الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عن اقتراب الحكومة من الانتهاء من إعداد برنامج للانطلاق والتحول الاقتصادى خلال السنوات الثلاث المقبلة، يستهدف تعزيز قدرة الاقتصاد المصرى على التعامل مع المتغيرات المتسارعة إقليمياً ودولياً، وبناء قدر أكبر من القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

 

وأوضح «د. مدبولي»، أن «البرنامج يقوم على دراسة مجموعة من السيناريوهات المحتملة التى قد يشهدها الاقتصاد العالمي، وتقييم انعكاساتها على الاقتصاد المصري، ثم تجهيز السياسات والإجراءات اللازمة للتعامل معها بصورة استباقية، بدلاً من التحرك بعد وقوع الأزمة، ولا تتعامل الحكومة مع السيناريو الأكثر تفاؤلا فقط، إذ يضع البرنامج فى حساباته احتمال استمرار حالة التوتر والصراعات الجيوسياسية عالمياً لسنوات مقبلة، وهو ما يعنى أن الاقتصاد المصرى مطالب بأن يعمل فى بيئة غير مستقرة لفترة قد تمتد إلى 3 أو 4 سنوات».

وأضاف أن «المرحلة المقبلة مختلفة عن مجرد التعامل مع تداعيات برنامج الإصلاح الاقتصادي، حيث تتطلب بناء اقتصاد يستطيع الصمود أمام اضطرابات أسعار الطاقة والغذاء، وتقلبات حركة التجارة العالمية، وتغيرات أسواق التمويل، وفى الوقت نفسه الحفاظ على معدلات النمو وجذب الاستثمارات وتوفير احتياجات المواطنين».

ومن جانبه، كشف أحمد كجوك، وزير المالية، عن ملامح الرؤية المالية للمرحلة المقبلة، موضحاً أن «الحكومة تعمل على إعداد إطار متكامل يجمع السياسة المالية وإدارة الدين والموازنة وسياسة ملكية الدولة والإصلاحات الهيكلية، بما يحدد أولويات الاقتصاد خلال السنوات المقبلة».

«كجوك»، أكد أن «المرحلة الجديدة تستهدف تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته فى النشاط الاقتصادي، بالتوازى مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادى والمكتسبات التى تحققت خلال السنوات الماضية، وبناء قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية»، مشيرًا إلى أن «القطاعات الإنتاجية ستكون فى مقدمة أولويات المرحلة المقبلة، خاصة الأنشطة المرتبطة بتصدير السلع والخدمات، مع تنفيذ إصلاحات هيكلية تستهدف تحسين بيئة الاستثمار، وخفض تكلفة الإنتاج والعمل فى مصر، ورفع مستويات اليقين والشفافية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد المصري».

كذلك، أوضح وزير المالية أن «الحكومة تقترب من استكمال برنامج التعاون الحالى مع صندوق النقد الدولي، بعد انتهاء المراجعة السابعة»، مؤكداً أن «المرحلة التالية لن تعنى توقف الإصلاحات، وإنما الانتقال إلى مسار أوسع يستهدف دعم النمو من خلال القطاع الخاص والإنتاج والتصدير».

من جانبه أكد الخبير المالي، محمد عماد، أن «انتهاء برنامج مصر مع صندوق النقد الدولى لا ينبغى أن يفهم باعتباره نهاية لمسار الإصلاح الاقتصادي، وإنما يمثل انتقالا إلى مرحلة أكثر صعوبة، تتطلب التعامل مع الاختلالات الهيكلية داخل الاقتصاد بصورة مباشرة، حيث إن المرحلة السابقة كانت أقرب إلى «الإسعاف والإنعاش»، فى مواجهة الضغوط المالية والنقدية، بينما تفرض المرحلة المقبلة ما يمكن وصفه بـ«الجراحة الهيكلية»، أى الانتقال من إجراءات احتواء الأزمة إلى إصلاح جذرى للقواعد التى يعمل وفقها الاقتصاد، حيث إن طبيعة الإصلاحات نفسها ستتغير، فخلال فترة البرنامج كان جزء كبير من الإجراءات مرتبطا بالتزامات البرنامج مع صندوق النقد، أما بعده فسيصبح اختبار السوق وجذب الاستثمار المنتج هو المعيار الحقيقى لنجاح السياسات الاقتصادية».

وأضاف «عماد»، أن «الحكومة ستكون أمام ملفات شديدة الحساسية، يأتى فى مقدمتها إعادة هيكلة منظومة الدعم والإصلاح الضريبي، بحيث لا تقتصر أهدافهما على تقليص عجز الموازنة، وإنما تمتد إلى إعادة توجيه موارد الدولة نحو القطاعات القادرة على خلق نمو مستدام، وعلى رأسها الصناعة والتعليم، حيث إن المعركة المقبلة لن تكون فقط فى خفض العجز أو ضبط المؤشرات المالية، وإنما فى خلق مساحة مالية تسمح للدولة بالاستثمار فى الإنتاج والبشر، بما يفتح الطريق أمام اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية وأقل اعتماداً على الاقتراض».

الخبير المالي، شدد أيضا على أن «الحديث عن المرحلة المقبلة لا يمكن فصله عن التوترات الإقليمية والدولية، فى ظل استمرار تداعيات حرب غزة واضطرابات البحر الأحمر والحرب الروسية الأوكرانية والتوترات بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب التقلبات المتواصلة فى أسواق الطاقة والغذاء، كما أن هذه البيئة الاستثنائية تفرض على مصر تبنى نموذج اقتصادى أكثر مرونة، لا يقوم على الانحياز الكامل إلى مدرسة اقتصادية بعينها، وإنما يجمع بين تدخل الدولة عند الضرورة، وترك مساحة أكبر لآليات السوق والقطاع الخاص عندما تسمح الظروف».

وطرح «عماد»، رؤيته لبرنامج وصفه بـ«اقتصاد الأمن الإنتاجى الهجين»، باعتباره نموذجا قادرا على التعامل مع صدمات السنوات المقبلة، موضحاً أن «الأولوية يجب أن تكون لتأمين الاحتياجات الأساسية للدولة، وفى مقدمتها الغذاء والطاقة، مع عدم تحول تدخل الدولة إلى وضع دائم يزاحم وينافس القطاع الخاص، حيث يكون تدخل الدولة فى تأمين سلاسل إمداد الغذاء والطاقة محددا بمدة زمنية واضحة، بحيث تتولى المؤسسات الحكومية سد الفجوات فى أوقات الأزمات، بالتوازى مع بناء قدرات إنتاجية محلية تسمح بتقليص الاعتماد على الخارج تدريجياً».

ولفت «عماد»، إلى أن «منطقة قناة السويس يجب أن تكون فى قلب التصور الاقتصادى الجديد»، موضحاً أن «التعامل معها باعتبارها مجرد طريق لعبور السفن لم يعد كافيًا فى ظل اضطرابات حركة الملاحة العالمية، حيث يرى أن المطلوب هو تحويل المنطقة إلى منصة صناعية ولوجستية متكاملة، قادرة على جذب الاستثمارات المرتبطة بالتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية، والاستفادة من الموقع الجغرافى لمصر فى إعادة ترتيب سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الشحن واضطراب بعض طرق التجارة الدولية، فإن تعظيم العائد من قناة السويس لا يجب أن يرتبط فقط بعدد السفن العابرة، وإنما بقدرة الاقتصاد المصرى على الاستفادة من موقعها فى إنتاج السلع وتخزينها وتعبئتها وإعادة تصديرها، بما يخلق مصادر إضافية للعملة الأجنبية».

تقليل الاعتماد على الدولار

كما أشار إلى أن «الركيزة الثالثة فى النموذج الذى يطرحه تتمثل فى تنويع أدوات التجارة الخارجية والبحث عن آليات جديدة للتجارة مع الدول الشريكة، خصوصاً دول مجموعة «بريكس»، والدول المجاورة، من خلال التوسع فى آليات التسوية والمقايضة بالعملات المحلية كلما كانت الظروف الاقتصادية تسمح بذلك، حيث إن تنويع أدوات التجارة الخارجية يمكن أن يقلل جزئياً من تعرض الاقتصاد المصرى لتقلبات أسعار الفائدة العالمية والدولار، لكنه لا ينبغى أن يفهم باعتباره بديلا كاملا للعملة الأمريكية، وإنما كأداة لتنويع المخاطر وتقليل الضغوط على الطلب الدولاري».

الإنتاج المحلى فى مواجهة الصدمات

وشدد الخبير المالي، على أن «الإنتاج المحلى يجب أن يمثل محور المعركة الاقتصادية خلال السنوات المقبلة»، موضحاً أن «المعركة الحقيقية ليست فقط فى تأمين الغذاء والطاقة، وإنما فى الانتقال تدريجياً من اقتصاد يعتمد على استيرادهما إلى اقتصاد يمتلك قدرة أكبر على إنتاجهما وتصنيعهما وإضافة قيمة محلية إليهما، حيث إن سرعة تنفيذ هذا التحول خلال الفترة المقبلة ستكون عاملاً حاسماً فى قدرة مصر على امتصاص الصدمات الخارجية، لأن استمرار الاعتماد المرتفع على الواردات فى السلع الاستراتيجية سيبقى الاقتصاد معرضاً لتقلبات لا تستطيع الدولة التحكم فى أسبابها».

من إدارة الدين إلى خفض المديونية

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادى وليد عادل، أن «المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقال الحكومة من مجرد إدارة ملف الدين العام إلى وضع مسار واضح ومستدام لخفضه»، لافتًا إلى أن «نجاح هذه الخطوة لن يتحقق من خلال سداد أجزاء من المديونية فقط، وإنما عبر معالجة الأسباب التى تدفع الدولة إلى الاقتراض من جديد، وفى مقدمتها ارتفاع تكلفة خدمة الدين واتساع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، حيث إن خفض الدين يتطلب الحفاظ على فائض أولى مستدام، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتوجيه الموارد المتاحة إلى الاستثمارات والمشروعات التى ترفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وتوليد العملة الأجنبية، إلى جانب إطالة آجال الاستحقاقات وتنويع مصادر التمويل بما يقلل تكلفة الاقتراض ومخاطر إعادة التمويل».

«عادل»، أشار إلى أن «بيع الأصول الحكومية يمكن أن يكون إحدى أدوات خفض المديونية إذا تم توجيه جزء معتبر من حصيلته إلى سداد الديون مرتفعة التكلفة»، لكنه عاد ليشدد على أن «التخارج وحده لا يمكن أن يمثل استراتيجية دائمة لخفض الدين، لأن الأهم هو أن تتزامن هذه الإجراءات مع زيادة الإيرادات الحقيقية للدولة من خلال نمو النشاط الاقتصادي، ورفع معدلات التصدير والاستثمار، وتوسيع القاعدة الضريبية دون فرض أعباء إضافية على القطاعات المنتجة، حيث إن الهدف النهائى يجب أن يكون خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلى بصورة تدريجية، وليس فقط خفض قيمة الدين، لأن نمو الاقتصاد بوتيرة أسرع من نمو المديونية هو الضمان الحقيقى لاستدامة المالية العامة».

الصناعة والتصدير قاطرة التنمية

كذلك، أكد الخبير الاقتصادي، أن «نجاح الاقتصاد المصرى فى المرحلة المقبلة يرتبط كذلك باختيار القطاعات التى تستحق أن تكون فى مقدمة أولويات الدولة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تحتاج إلى توزيع مواردها بصورة متساوية على جميع الأنشطة، وإنما إلى التركيز على القطاعات التى تحقق أكثر من هدف فى الوقت نفسه، مثل زيادة الإنتاج، وتقليل الاستيراد، وتوفير فرص العمل، وجذب الاستثمار، وزيادة حصيلة الدولة من العملات الأجنبية، كما أن الصناعة التحويلية والصناعات الغذائية والهندسية والدوائية يجب أن تحظى بأولوية، إلى جانب الزراعة الحديثة والخدمات اللوجستية والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والطاقة المتجددة».

وأضاف «عادل»، أن «قطاع الصناعة يمثل الحلقة الأهم فى هذه المعادلة، لأنه قادر على تحويل الموارد المحلية إلى منتجات ذات قيمة مضافة وفتح أسواق تصديرية جديدة، داعياً إلى التركيز على الصناعات التى تمتلك مصر فيها ميزة نسبية ويمكنها المنافسة إقليمياً ودولياً»، ولافتًا إلى أهمية تطوير سلاسل القيمة المحلية، بحيث لا تقتصر استراتيجية التصدير على تصدير المواد الخام أو المنتجات منخفضة القيمة، وإنما تتجه إلى تصنيعها محلياً قبل طرحها فى الأسواق الخارجية، بما يضاعف العائد من كل وحدة إنتاج ويزيد قدرة الاقتصاد على توفير العملة الأجنبية.

قطاعات المستقبل

«عادل»، تحدث كذلك عن «قطاعات المستقبل»، موضحًا أن «السياحة والاتصالات والخدمات الرقمية تمثل أيضاً مصادر مهمة للنقد الأجنبي، خاصة أن هذه القطاعات لا تعتمد بالدرجة نفسها على استيراد مدخلات إنتاج ضخمة، بينما يمكن لمصر زيادة عوائدها منها من خلال تحسين جودة الخدمات، وفتح أسواق جديدة، والاستثمار فى البنية التكنولوجية والكوادر البشرية، كما أن الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية يمكن أن تتحول خلال السنوات المقبلة إلى مجالات جاذبة للاستثمارات طويلة الأجل، إذا توافرت لها البيئة التشريعية والتمويلية المناسبة».

واختتم الخبير الاقتصادى وليد عادل، حديثه بالتأكيد على أن «معادلة اقتصاد ما بعد صندوق النقد يجب أن تقوم على ثلاثة مسارات متوازية، خفض تدريجى ومستدام للدين، وإصلاح للدعم يحمى الفئات الأكثر احتياجًا ولا يستنزف الطبقة المتوسطة، وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية وتصديرية، مشيراً إلى أن نجاح هذه المعادلة هو الذى سيحدد قدرة مصر على الانتقال من اقتصاد يستجيب للأزمات إلى اقتصاد يمتلك أدواته لمواجهتها وتحقيق نمو أكثر استدامة.

    كلمات البحث
  • الدين
  • خفض
  • الحكومة
  • اقتصاد
  • خطط

أخبار الساعة

الاكثر قراءة