الاستراتيجية تعزز قدرة الدولة على التخطيط الاستراتيجى للتحول الرقمى وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، وترسم ملامح السيادة الرقمية لمصر
فى توقيت دقيق تتشابك فيه خيوط التكنولوجيا مع خيوط التنمية المستدامة، وفى عصر رقمى تتسابق فيه الأمم على بناء مراكز بيانات وتؤسس لسيادتها الرقمية؛ أعلنت مصر عن إطلاق استراتيجية وطنية لصناعة مراكز البيانات، وهذه الاستراتيجية ليست مجرد وثيقة تقنية، بل هى عقد اجتماعى واقتصادى يهدف إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمى وعالمى لخدمات البيانات والحوسبة السحابية، استغلالًا للموقع الجغرافى المميز، والقدرة على إنتاج طاقة وفيرة من مصادر متجددة غير ملوثة للبيئة. جدية الدولة المصرية فى اقتحام عصر الاقتصاد الرقمى بقوة.
وفى تعقيبها على هذه الخطوة، قالت الدكتورة إيمان على، خبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعى: تكتسب صياغة استراتيجية وطنية لصناعة مراكز البيانات أهمية قصوى تشبه وضع حجر الأساس لبناء وطن رقمى، هذه الاستراتيجية تمثل البوصلة التى توجه قرارات الاستثمار، وتنسق بين جهود وزارات الكهرباء والاتصالات والاستثمار فى انسجام تام.
«د. إيمان»، أضافت: الاستراتيجية الوطنية توفر الإطار المتكامل الذى يشمل مواقع الإقامة، ومصادر الطاقة التقليدية والمتجددة، والحوافز الاستثمارية، وجاهزية البنية التحتية الرقمية والكهربائية، بما يلبى متطلبات كبرى شركات التكنولوجيا ومزودى خدمات الحوسبة السحابية العالمى، وتضع خريطة طريق واضحة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمى لخدمات البيانات .
وعن أهمية تأسيس مراكز بيانات، أوضحت أن «تأسيس مراكز بيانات وحوسبة سحابية فى مصر يعادل بناء «عقل إلكتروني» للدولة، يدير وينظم ويرشد كافة العمليات الحكومية والاقتصادية، وهذه المراكز ليست مجرد خوادم وأجهزة تخزين، بل هى بنية تحتية أساسية تستند إليها الثورة الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي».
محاور ستة تلخص أهمية التوسع فى مراكز البيانات، حسبما أشارت «د. إيمان»، أبرزها أنها تدعم التحول الرقمى للحكومة المصرية، حيث انتقلت نحو 114 جهة حكومية إلى العاصمة الجديدة لتمارس أعمالها رقميًا، وتعزز التنمية الاقتصادية من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وخلق فرص عمل عالية القيمة فى مجالات التكنولوجى، وزيادة صادرات مصر من الخدمات الرقمية، فيمكن أن تصبح مصر مصدرًا لخدمات الحوسبة السحابية وإدارة البيانات للمنطقة والعالم، على أن توفر هذه المراكز السيادة الرقمية؛ فبيانات المواطنين والشركات والحكومة تبقى داخل الحدود المصرية، محمية بقوانينها وتحت سيطرتها، وتدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات الضخمة، ما يفتح آفاقًا للابتكار فى قطاعات الصحة والتعليم والنقل والطاقة؛ فهى الاستثمار فى المستقبل الذى لا يمكن الاستغناء عنه .
«د. إيمان»، أكدت أن «تقديم بنية تحتية رقمية وتشريعية تتوافق مع المتطلبات الفنية والتشغيلية لكبرى شركات التكنولوجيا والحوسبة العالمية، يعادل مدّ جسور الثقة بين مصر وعمالقة التكنولوجيا؛ فهى تفتح أبواب الشراكة مع شركات مثل مايكروسوفت التى بحثت مع وزير الاستثمار سبل التعاون فى مجال مراكز البيانات والذكاء الاصطناعى، وتخلق بيئة جاذبة للشركات الناشئة والمحلية التى تبحث عن نموذج للاحتذاء به».
وأضافت: كما أنها تزيد من صادرات الخدمات الرقمية، حيث يمكن مصر من تقديم خدمات عالية الجودة تتوافق مع المعايير العالمية، وتعزز الثقة فى الاقتصاد الرقمى المصرى، ما يجذب مزيدًا من الاستثمارات فى قطاعات التكنولوجيا المختلفة؛ فتطوير المنظومة التشريعية يحمى البيانات ويضمن خصوصيتها، ما يطمئن الشركات والمستثمرين، بما يسهم فى خلق فرص عمل عالية القيمة فى مجالات البرمجة وإدارة البيانات والأمن السيبرانى، كما يعدّ توفير الطاقة لمراكز البيانات أحد التحديات الرئيسية؛ فمراكز البيانات تستهلك كميات هائلة من الكهرباء، لكن تبرز مصر بمقوماتها المتفردة فى مجال الطاقة المتجددة، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كحل استراتيجى لهذا التحدى .
بدوره، أكد الدكتور المهندس عمرو صبحى، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمى، أن «الأهمية لا تقتصر على الجانب التقنى فحسب، بل تمتد للأمن القومى والسيادة الرقمية؛ فتوطين البيانات يعنى حماية المعلومات الحيوية للدولة والمواطنين داخل الحدود المصرية، بجانب القيمة الاقتصادية المضافة من خلال تصدير الخدمات الرقمية للدول المجاورة وإفريقيا، وهو ما يتماشى مع رؤية وزارة الاتصالات فى توسيع نطاق التصدير الرقمي».
وعن الفرص التى تمتلكها مصر فى صناعة مراكز البيانات، قال «صبحى»: الكابلات البحرية التى تمتلكها مصر هى ميزة تنافسية فريدة لا تمتلكها كثير من دول العالم، وهى مرور ما بين 16 إلى 27 كابلاً بحريًا عبر أراضيها، تنقل نحو 90 فى المائة من البيانات بين قارات العالم، كما أن مصر على مدار السنوات كانت أشبه بـ«ترانزيت» أى محطة للبيانات تمر ولا تتوقف، لهذا جاءت الاستراتيجية الحالية لتهدف لتحويل هذا المسار إلى وجهة أساسية؛ فمن يمرر من أمامنا كابلاً بحرياً بسرعة هائلة، يجب أن يجد فى مصر البيئة الجاذبة لتخزين ومعالجة بياناته، ما يحول موقعنا الجغرافى من مجرد ممر إلى محور رقمى عالمى (Digital Hub). .
كذلك، أشار الخبير التقنى إلى أنه من أكثر التحديات التى تواجه مراكز البيانات هى الطاقة التى هى محل خلاف عالمى بين الدول، ومع ذلك فإن الطاقة المتجددة المتوفرة فى مصر هى الحل المثالى لمثل هذه المشروعات؛ فتستهلك مراكز البيانات كميات هائلة من الكهرباء، ولهذا جاء توفير الطاقة من مصادر متجددة مثل (الشمس والرياح) كوسيلة للتغلب على هذا التحدي.
«م. عمرو»، شدد كذلك على أهمية التطوير فى البنية التحتية التى تم الاستثمار فيها بمبالغ ضخمة وإعادة بناء الشبكة القومية للكهرباء خلال العقد الماضى، وشبكة الألياف الضوئية، تجتمع فى مسار موازٍ، بجانب التوافق التشريعى والفنى، وكلها خطوات سابقة تعنى أن الشركة العالمية التى سترغب فى الاستثمار فى مصر لن تضطر لتعديل عملياتها لتتوافق مع السوق المحلى، بل ستجد البيئة التى اعتادت عليها عالميًا من حيث سرعة الاستجابة (Latency)، وأمن المعلومات .
وأضاف: الحوافز الاستثمارية يجب أن تتجاوز الإعفاءات الضريبية التقليدية لتشمل تسهيلات فى استيراد المعدات التقنية (التى تتطور بسرعة)، وتوفير خطوط اتصال دولية مباشرة، وضمانات بتحويل الأرباح، وتسهيل الإجراءات بتحقق فكرة «الشباك الواحد» الذى تم الاتفاق عليه، لتتواصل الشركة العالمية مع نقطة اتصال واحدة تحل لها كل التحديات الإجرائية بين الكهرباء والاتصالات والاستثمار.