رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

شريحة الطفل.. إجازة "سعيدة ومفيدة" في مواجهة مخاطر السوشيال ميديا


18-8-2026 | 12:16

.

طباعة
تقرير: رانيا سالم
تجارب عالمية متعددة بدأت تظهر لمواجهة «الاستخدام الجائر للسوشيال ميديا»، تتنوع ما بين التشريعات والغلق وفرض القيود، لتأتى التجربة المصرية وتعلن عن تواجدها فى التصدى لتحديات مواجهة استخدام منصات التواصل الاجتماعى من قبل الأطفال عبر شريحة الطفل، لتعقبها ببرامج توعوية ودورات تدريبة يمكن من خلالها أن يتعلم الطفل كيفية الاستفادة من المحتوى الرقمى ويخلق معه وعيا ببيئة الخوارزمات الرقمية ليمثل حائط دفاع عن نفسه وعائلته وبلده فى المستقبل.
وفى هذا السياق، أوضح الدكتور محمد عسكر، استشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى، أن «هناك ارتفاعا ملحوظا فى معدلات استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعى خلال الإجازة الصيفية، بسبب توافر الوقت نتيجة توقف الدراسة واختفاء الالتزامات اليومية المرتبطة بالمدرسة، وغياب البرامج الترفيهية والأنشطة البدنية المنظمة لدى كثير من الأسر، وهنا تتحول المنصات الرقمية إلى البديل الأكثر سهولة وجاذبية، خاصة أنها تقدم محتوى متجدداً يعتمد على مقاطع الفيديو القصيرة والألعاب والتحديات التى تحفز بقاء الطفل متصلاً لفترات طويلة». وتابع: كما تسهم الهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى الإنترنت فى جعل الاستخدام جزءاً من الروتين اليومى، بينما يعزز تأثير الأصدقاء والرغبة فى مواكبة ما يتداوله الآخرون من المحتوى هذا الميول، ليصبح الصيف موسماً يشهد ذروة فى استهلاك الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعى مقارنة ببقية فصول العام.

للحد من معدلات استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعى خلال الإجازة الصيفية، قال «عسكر»: لن يفيد فرض القيود أو منع استخدام الهواتف الذكية، بل يتطلب الأمر بناء بدائل جاذبة تشبع احتياجات الطفل إلى الترفيه والتفاعل الاجتماعى، وأن يتم تحديد أوقات واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية، مع الاستفادة من أدوات الرقابة الأبوية ومشاركة الأطفال فى اختيار المحتوى المناسب لأعمارهم .

«د.محمد»، أضاف أنه اتجهت العديد من دول العالم خلال السنوات الأخيرة لتبني سياسات متكاملة للحد من مخاطر الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعى بين الأطفال، إدراكاً لما تفرضه البيئة الرقمية من تحديات تربوية وصحية، وضرب مثالا بأستراليا قائلاً: «أُقرت تشريعات تستهدف تشديد الضوابط على استخدام الأطفال لمنصات التواصل، مع تحميل الشركات مسئولية أكبر فى التحقق من أعمار المستخدمين وحمايتهم من المحتوى الضار، واعتمدت فرنسا قيوداً على استخدام الهواتف الذكية داخل المدارس، إلى جانب برامج للتثقيف الرقمى تهدف إلى تنمية الوعى بالاستخدام الآمن والمسئول للإنترنت، وفى كوريا الجنوبية جرى إطلاق مبادرات وطنية للتوعية بمخاطر الإدمان الرقمى، تضمنت برامج إرشاد نفسى ودعماً للأسر، فضلاً عن أنشطة صيفية تشجع الأطفال على ممارسة الرياضة والأنشطة الاجتماعية بعيداً عن الشاشات».

أما المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى، والحديث لاستشارى تكنولوجيا العلومات والأمن السيبرانى، ركزت على سن تشريعات تُلزم المنصات الرقمية بتوفير مستويات أعلى من حماية الأطفال، وتعزيز الخصوصية، والحد من وصولهم إلى المحتوى غير المناسب .

«عسكر»، أشار إلى أن «هذه التجارب فى مواجهة مخاطر وسائل التواصل الاجتماعى لا تعتمد على الحظر وحده، بل تقوم على مزيج من التشريعات الفاعلة، والتثقيف الرقمى، والشراكة بين الأسرة والمدرسة وشركات التكنولوجيا، بما يضمن تحقيق التوازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة وحماية الأطفال من آثارها السلبية»، مؤكدًا أنه «فى مصر، يشهد الأطفال توسعاً ملحوظاً فى استخدام وسائل التواصل الاجتماعى مدفوعاً بالانتشار الواسع للهواتف الذكية وخدمات الإنترنت، خاصة خلال الإجازات الصيفية، وهو ما دفع الدولة المصرية لتبنى عدد من المبادرات التى تستهدف تعزيز ثقافة الاستخدام الآمن للتكنولوجيا».

كما لفت إلى حملات التوعية التى تنفذها الجهات الحكومية المصرية بالتعاون مع المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدنى، إلى جانب برامج تنمية المهارات الرقمية ورفع الوعى بمخاطر التنمر الإلكترونى، وانتهاك الخصوصية، والإدمان الرقمى، وما تقدمه المدارس والمكتبات ومراكز الشباب من توفير أنشطة رياضية وثقافية وفنية تستهدف استثمار أوقات الفراغ بعيداً عن الشاشات، منوهًا إلى أن «ما سبق لا يقلل من أهمية دور الأسرة فى متابعة المحتوى الذى يتعرض له الأطفال، وتنظيم أوقات استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتعزيز الحوار معهم حول السلوك الرقمى المسئول» .

«د.محمد»، أكد أن «التجربة المصرية تواجه تحديات تتعلق بسرعة انتشار المنصات الرقمية وتزايد اعتماد الأطفال عليها فى الترفيه والتواصل، وهو ما يستدعى استمرار تطوير برامج التوعية، وتعزيز التعاون بين الأسرة والمدرسة وشركات التكنولوجيا، بما يضمن بناء بيئة رقمية أكثر أماناً للأطفال».

وشدد على أن «التجربة المصرية حققت تقدماً فى رفع الوعى بمخاطر الاستخدام غير الرشيد لوسائل التواصل الاجتماعى، إلا أن نجاحها فى ضبط معدلات استخدام الأطفال ما يزال محدوداً نسبياً، فالإجراءات المتبعة ركزت بدرجة كبيرة على التوعية والتثقيف الرقمي، فى حين أن الانتشار الواسع للهواتف الذكية، وسهولة الوصول إلى الإنترنت، والتطور السريع لمنصات التواصل يجعل من الصعب تحقيق رقابة كاملة على استخدام الأطفال». وتابع: التجربة المصرية لا يمكن الجزم بأنها نجحت فى الحد بصورة حاسمة من استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعى، لكنها وضعت أسساً مهمة لبناء ثقافة الاستخدام الآمن، وهو مسار يحتاج إلى تطوير مستمر، وتشريعات محدثة، وتعاون أوثق بين مؤسسات الدولة، والمدرسة، والأسرة، وشركات التكنولوجيا لتحقيق نتائج أكثر فاعلية واستدامة .

وأوضح «عسكر» أنه «يمكن تحويل استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعى من مجرد وسيلة للترفيه إلى أداة لتنمية المهارات الرقمية إذا جرى توجيه هذا الاستخدام نحو التعلم والإبداع بدلاً من الاستهلاك السلبى للمحتوى، على أن يتم تحقيق التوازن بين الوقت المخصص للتعلم الرقمى والأنشطة الواقعية، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لاكتساب المعرفة وبناء المهارات، وليست بديلاً عن التفاعل الاجتماعى أو الأنشطة البدنية، وبهذا النهج، يمكن إعداد جيل يمتلك كفاءة رقمية تمكنه من الاستفادة من التقنيات الحديثة بصورة آمنة وفعالة، وتسهم فى تعزيز فرصه التعليمية والمهنية فى المستقبل».

بدوره، قال الدكتور هيثم طارق، خبير الذكاء الاصطناعى وتكنولوجيا المعلومات: مع الإجازة الصيفية تُفتح أبواب الفراغ أمام الأطفال والمراهقين، ليجد الكثير منهم فى عوالم السوشيال ميديا ملاذاً واسعاً يملأون به ساعات النهار والليل، فيحدث تدفقاً هائلاً للبيانات، وانفتاحاً غير محسوب على بيئات رقمية معقدة تتخفى خلف واجهات ملونة ومغرية، فالطفل الذى يُمنح هاتفاً ذكياً وساعات فراغ طويلة يصبح فى مواجهة مباشرة مع خوارزميات الذكاء الاصطناعى التى صُممت خصيصاً لجذب الانتباه وتعظيم وقت الاستخدام .

وأضاف: يتسبب هذا الفراغ الصيفى فى قفزات هائلة فى معدلات استخدام منصات مثل تيك توك وإنستجرام ويوتيوب، حيث تتحول الشاشة من أداة ترفيه مساعدة إلى babysitter رقمى تتولى مهمة إشغال الطفل بينما يكون الوالدان منشغلين، وهنا يتجاوز التأثير مجرد العبث بالوقت، فيطال البنية النفسية والمعرفية للطفل، حيث تؤدى سلسلة الفيديوهات القصيرة سريعة الإيقاع إلى تشتيت الانتباه وضعف القدرة على التركيز لفترات طويلة، فضلاً عن التعرض لمحتوى غير ملائم من حيث العنف أو الأنماط الاستهلاكية أو حتى المواد الإباحية التى تتسلل عبر خوارزميات التوصية إذا ما غاب الرقابة الأسرية.

وبحسب خبير الذكاء الاصطناعى، تبرز هنا مخاطر الأمن السيبرانى كتهديد حقيقى ومباشر، فالطفل الذى يبحث عن أصدقاء جدد فى غرف الدردشة أو يتفاعل مع تحديات قد تنتشر على السوشيال ميديا يصبح فريسة سهلة للمتحرشين عبر الإنترنت ومرتكبى جرائم الابتزاز السيبرانى، فالخوارزميات الذكية التى تقف خلف هذه المنصات تتعلم من كل نقرة ومن كل ثانية مشاهدة، لتبنى ملفاً نفسياً دقيقاً للطفل يُستخدم لاحقاً فى استهدافه بإعلانات أو محتويات قد تؤثر على قيمه وسلوكياته .

«د.هيثم»، شدد على أن «فراغ الصيف يمثل بيئة خصبة لاختراق خصوصيته وسرقة بيانات الطفل الشخصية، بل ويمتد الأمر أحياناً إلى اختراق أجهزة العائلة بالكامل من خلال الروابط الخبيثة التى قد ينقر عليها الطفل بحسن نية معتقداً أنه يحمّل لعبة مجانية أو يشاهد فيلماً، ومن هنا تتحمل الأسرة والمجتمع والدولة مسئولية جسيمة فى إعادة صياغة هذا المشهد الصيفى، وتحويل التهديد إلى فرصة، والانتقال من حالة الاستهلاك السلبى للمحتوى إلى حالة الإنتاج والإبداع الرقمى الآمن»، مؤكدًا على بروز التجربة المصرية كنموذج إقليمى رائد يحاول الموازنة بين حماية الطفولة وضرورة التحول الرقمى، فتمت مواجهة مخاطر الفراغ الرقمى عبر مبادرة «شريحة الطفل» التى أطلقتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالتعاون مع شركات الاتصالات وشركاء استراتيجيين.

وبحسب «د.هيثم» تأتى هذه الشريحة كحل هندسى وأمنى مصمم خصيصاً لحماية الأطفال فى الفئة العمرية التى تتراوح بين ست سنوات واثنتى عشرة سنة، من منظور الأمن السيبراني، تعتبر هذه الشريحة تجسيداً لمبدأ «الثقة المحدودة _ Zero Trust»، حيث لا تُمنح صلاحيات مفتوحة للطفل، بل تُقيد وصوله افتراضياً .

وأضاف: تتميز شريحة الطفل بأنها تتيح إجراء واستقبال المكالمات الهاتفية فقط من أرقام محددة مسبقاً من قبل الوالدين، مما يغلق الباب تماماً أمام المكالمات المزعجة والمحتالة والمتحرشين، كما تتيح هذه الشريحة تحديد المواقع الجغرافية للطفل بدقة عبر تطبيق مخصص للأهل، وهى ميزة حيوية فى أمن المعلومات الشخصية والسلامة الجسدية، كما أن هذه الشريحة تخلو تماماً من باقة الإنترنت، مما يعنى قطع الطريق بشكل جذرى على وصول الطفل إلى السوشيال ميديا والمواقع غير الآمنة والتطبيقات التى قد تستغل بياناته، وتُستبدل بإمكانية اتصال طارئ بخدمات الطوارئ والشرطة بضغطة زر».

«د.هيثم» لفت إلى أن «مصر أدركت مبكراً أن المنع والعزل ليس استراتيجية مستدامة فى عصر رقمى، وأن الحل الجذرى يكمن فى تحويل الطفل من مستهلك سلبى للتكنولوجيا إلى منتج ومالك للمهارات الرقمية، فاطلقت مبادرات وطنية كبرى لتعليم الأطفال البرمجة والذكاء الاصطناعى، وفى مقدمتها مبادرة «أبناء مصر الرقمية» التى تستهدف بناء جيل من المبدعين التقنيين، كما تُفتح مراكز الإبداع التابعة لوزارة الاتصالات فى مختلف المحافظات أبوابها لاستقبال آلاف الأطفال لتعليمهم لغات البرمجة مثل سكراتش وبايثون، وتدريبهم على أساسيات الذكاء الاصطناعى والروبوتات، فتعليم الطفل البرمجة لا يمنحه مجرد مهارة تقنية، بل يغير تماماً من بنيته المعرفية تجاه التكنولوجيا، والطفل الذى يتعلم كيف يكتب الكود الذى يحرك لعبة، يبدأ فى فهم الكواليس الخفية وراء المنصات التى يستخدمها، ويدرك أن السوشيال ميديا ليست سحراً، بل هى مجموعة من الخوارزميات والأوامر صُممت لتؤثر عليه، هذا الفهم العميق يمثل درعاً واقياً نفسياً وتقنياً، فالطفل المبرمج يصبح أكثر قدرة على التفكير النقدى تجاه المحتوى الذى يُعرض له، وأقل انخداعاً بخوارزميات الإدمان .

من جهتها، قالت الدكتورة ريهام متولى، باحثة فى الصحة النفسية، إن «ارتفاع معدلات استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعى خلال الإجازة الصيفية ليس مجرد تغيير فى أسلوب الترفيه، بل هو انعكاس لتحول عميق فى شكل الطفولة نفسها، فالطفل الذى كان يكتشف العالم بيديه، أصبح يكتشفه بإصبعه وهو يمرر الشاشة لأعلى بلا توقف». وتابعت: لا تكمن الخطورة فى التكنولوجيا ذاتها، وإنما فى أن تتحول إلى البديل الوحيد للحياة، فالطفل يحتاج إلى الخبرة الحقيقية أكثر مما يحتاج إلى المحتوى الرقمي؛ يحتاج أن يسقط فيتعلم الاتزان، وأن يختلف مع أصدقائه فيتعلم الحوار، وأن يمل فيبتكر، لأن الملل ليس عدوًا للنمو، بل هو أحد أبواب الإبداع.

وعن تأثيرات الاستخدام المفرط للسوشيال ميديا، قالت: تبدأ آثار نفسية قد لا يلاحظها الوالدان فى بدايتها؛ ضعف الانتباه والتركيز، اضطرابات النوم، سرعة الانفعال، انخفاض القدرة على الصبر، الميل إلى العزلة، والاعتماد على التحفيز السريع الذى تقدمه المنصات الرقمية، والأسوأ أن الطفل يصبح أكثر ارتباطًا بالإعجاب الإلكترونى من ارتباطه بالتقدير الحقيقى داخل أسرته ومحيطه .

كما أوضحت أن «التعرض المستمر للمحتوى السريع يعيد تشكيل توقعات الطفل من الحياة، فهو يريد المتعة الفورية، والنتائج السريعة، والإثارة الدائمة، بينما الحياة بطبيعتها تحتاج إلى صبر، وتدرج، وجهد، وهنا يبدأ الصدام بين الواقع والشاشة، فيبدو الواقع أقل جاذبية، رغم أنه أكثر صدقًا».

«الإجازة».. كثيرون يتعاملون مع الكلمة ومرادفاتها وكأنها «استراحة طويلة بعض الشيء»، فالطلاب يحظون _ أخيرًا _ بساعات طويلة بعيدًا عن الحصص الدراسية والواجبات المدرسية، والأسر تلتقط أنفاسها قليلًا وتتحرر من الأعباء المالية، غير أن الثورة التكنولوجية التى يشهدها العالم كانت بصمتها حاضرة فى المشهد، ولم تكن «بصمة إيجابية» على طول الخط، فساعات الفراغ الكثيرة التى تصنعها «أيام الراحة» دفعت الكثير إلى قتل الوقت على «منصات التواصل الاجتماعى»، لاسيما أن الغالبية لم تتقن بعد سياسة «تخطيط أيام الإجازة»، الأمر الذى كان سببًا رئيسيًا فى زيادة معدلات استخدام الأطفال وصغار السن للمنصات الاجتماعية، وهو ما خلف عدة مخاطر تلاحق الطفل، وهى مخاطر تتنوع ما بين المعرفى والنفسى والاجتماعى .

أخبار الساعة

الاكثر قراءة