«وجهان لعملة واحدة»، هكذا يمكنك أن تنظر إلى التكنولوجيا الرقمية واستخدام الأطفال لها، ففى زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية بوابة للتعلم والمعرفة، وهو الوجه الساطع الذى يطل علينا من عالم التكنولوجيا الرقمى، لكنها فى الوقت ذاته يمكن أن تكون منفذًا للاستغلال والابتزاز، ليظهر الوجه الأكثر سواداً من هذا العالم الرقمى، وهو ما يطرح تساؤلا مهمًا.. كيف نربى أطفالنا فى بيئة رقمية آمنة؟
«اطمن» و«اطمن على الآخر».. خدمتان أطلقهما الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات بالتعاون مع وزراة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وهى معروفة إعلامياً باسم «شريحة الطفل»، من أجل توفير بيئة رقمية أكثر أماناً على الهواتف الذكية، فتمنع وصول الأطفال للمحتوى غير الملائم والضار، وفى الوقت ذاته تمنح الأبوين مستوى أسهل من الرقابة دون الحاجة لتقنيات معقدة، فالأمن السيبرانى للأطفال لم يعد رفاهية تقنية، بل أصبح استثمارًا استراتيجيًا فى أمن المجتمع ومستقبل الوطن.
الدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبرانى ومكافحة الجرائم الإلكترونية، خبير الذكاء الاصطناعى، قال: لم تعد حماية الأطفال تقتصر على توفير الأمن داخل المنزل أو المدرسة، بل أصبحت تمتد إلى فضاء جديد لا يعرف حدودًا جغرافية ولا قيودًا زمنية، هو الفضاء الرقمى، والطفل اليوم يتعامل مع الإنترنت منذ سنواته الأولى، ويتعلم عبر المنصات التعليمية، ويتواصل من خلال التطبيقات الذكية، ويقضى ساعات طويلة فى الألعاب الإلكترونية ومواقع مشاركة المحتوى، وهو ما جعله هدفًا مباشرًا لشبكات الجريمة الإلكترونية، ومروجى المحتوى الضار، والمحتالين، ومن يمارسون الاستغلال الإلكترونى للأطفال.
«خلق بيئة رقمية آمنة لتواجد الأطفال بإطلاق خدمتى «اطمن» و»اطمن على الآخر» خطوة وطنية».. هكذا وصف خبير الذكاء الاصطناعى إطلاق الخدمتين، قبل أن يضيف: تمثل خدمات «اطمن» و«اطمن على الآخر» التى أطلقتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالتعاون مع الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات وشركات المحمول الأربع، خطوة وطنية مهمة نحو بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا للأطفال، وتجسد تحولًا فى فلسفة الأمن السيبرانى من رد الفعل بعد وقوع الخطر إلى الوقاية الاستباقية.
وعن مصطلح «حماية الطفل رقميًا»، قال «د.محمد»: من منظور الأمن السيبرانى، لا يقتصر مفهوم حماية الطفل رقميًا على حجب المواقع غير المناسبة، وإنما هو منظومة متكاملة من الإجراءات التقنية والتشريعية والتوعوية تهدف إلى حماية الأطفال من جميع المخاطر التى قد يتعرضون لها أثناء استخدام الإنترنت، مع ضمان استفادتهم من التكنولوجيا بصورة آمنة ومتوازنة.
وبحسب «محسن» فإن «حماية الطفل رقمياً تعنى حماية بيانات الطفل الشخصية، وتأمين خصوصيته، ومنع تعرضه للمحتوى العنيف أو الإباحى أو المتطرف، والتصدى لمحاولات الاستدراج والابتزاز الإلكترونى، إضافة إلى مكافحة التنمر الرقمى والإدمان الإلكترونى، وتعزيز ثقافة الاستخدام المسئول للتكنولوجيا، فحماية الطفل رقميًا أصبحت اليوم أحد المؤشرات الرئيسية لقياس جاهزية الدول فى بناء مجتمع رقمى آمن ومستدام».
«د.محمد»، أكد أن خدمتا «اطمن» و«اطمن على الآخر» تمثل إحدى أهم المبادرات الوطنية فى مجال الأمن السيبرانى الوقائى للأطفال، لأنهما تنقلان الحماية إلى مستوى شبكة الاتصالات نفسها، بحيث يتم الحد من الوصول إلى المحتوى الضار قبل وصوله إلى الطفل، وهو ما يعرف فى الأمن السيبرانى بمبدأ الوقاية الاستباقية (Proactive Protection)، فخدمة «اطمن» كما بين توفر حماية متقدمة من المواقع الضارة، وتفعل التصفح الآمن والبحث الآمن، كما تمنع الوصول إلى المواقع المعروفة باستضافة البرمجيات الخبيثة والفيروسات والتهديدات الإلكترونية، أما خدمة «اطمن على الآخر» فتضيف مستوى أعلى من الحماية من خلال منع الوصول إلى تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعى، بما يمنح أولياء الأمور خيارًا إضافيًا يتناسب مع احتياجات الفئات العمرية الأصغر.
وبحسب «محسن»، فإنه على أهمية الخدمتين، فإن تفعيل الخدمة وحده لا يكفى لحماية الأطفال بصورة كاملة، لأن الطفل قد يستخدم أجهزة أخرى أو شبكات مختلفة أو يتعرض لأساليب الهندسة الاجتماعية التى تعتمد على الخداع النفسى أكثر من اعتمادها على الثغرات التقنية.
وعن أبرز الآليات والأدوات التى تعتمد عليها الخدمة لحماية الطفل قال: تعتمد خدمات «اطمن» و«اطمن على الآخر» على مجموعة من الآليات التقنية الحديثة، من أهمها تصفية المحتوى غير الملائم على مستوى الشبكة، وتفعيل البحث الآمن فى محركات البحث، وتفعيل التصفح الآمن، وحجب المواقع المصنفة كخبيثة أو التى تستضيف برمجيات ضارة، ومنع الوصول إلى بعض التطبيقات وفقًا لنوع الخدمة.
«د.محمد»، شدد على أن «نجاح خدمتى «اطمن» و«اطمن على الآخر» يتطلب نشر الوعى الرقمى بين أولياء الأمور، عبر حملات التوعوية فى المدارس والنوادى والمراكز الرياضية والثقافية، على أن يتاح بسهولة الاشتراك والاستخدام، وأن يتم التطوير المستمر للخدمة، وتحديث قواعد تصنيف المحتوى بصورة دورية، على أن يتم التعاون مع المؤسسات التعليمية، وإشراك شركات التكنولوجيا فى دعم المنظومة، وتوفير حملات إعلامية مستمرة لتعريف الأسر بآليات الاستفادة من الخدمة».