فى مشهد ثقافى مصرى تتزاحم فيه المبادرات الأهلية والرسمية، تبرز مراكز تعليم اللغات الأجنبية كأحد أهم الروافد التربوية التى تعنى بتكوين شخصية الطفل، ليس من الناحية الأكاديمية فحسب بل من الجانب النفسى والاجتماعى أيضا، فالمجلس الثقافى البريطانى بفرعيه فى العجوزة وسيتى ستارز، والمعهد الفرنسى بمصر، والمركز الثقافى الروسى بالدقي، إلى جانب عشرات المكتبات العامة ومراكز الشباب، أصبحت وجهة لمئات الأسر المصرية التى ترى فى تعلم اللغات نافذة يطل منها أبناؤها على عالم أرحب، وسبيلاً لمواكبة متغيرات العصر التى لا تقف عند حدود الجغرافيا.
ولعل هذا النهج الذى بدأ ينتشر، فتح بابا من الاستفهامات التى تريد إجابة عليها: فهل هذه الكورسات مجرد استثمار مادى قد يُثقل كاهل الأسرة دون جدوى، أم أنها تجربة تعليمية متكاملة تستحق ما يُنفق عليها؟ وهل يتحمل المركز وحده مسئولية تعليم الطفل، أم أن الأمر يحتاج إلى شراكة حقيقية مع الأسرة داخل المنزل؟ وهل تختلف جودة التعليم بين هذه المراكز اختلافاً كبيراً، أم أن الفارق الأكبر يصنعه ولى الأمر نفسه؟ هذه الأسئلة وغيرها كانت محور جولتنا الميدانية التى اقتربت من أرض الواقع لعالم الكورسات.
فى البداية، أكدت الدكتورة إكرام مختار يونس، مديرة الأنشطة الثقافية والإعلامية بإحدى المكتبات العامة، أنها أمضت أكثر من 31 عاما فى العمل بالمكتبة حيث بدأت مسيرتها عام 1994، ولم تغادرها إلا بعد أن تركت فيها بصمة واضحة ولا تزال تعتبرها «بيتها الثاني»، فالمكتبة التى عملت بها لم تكن مجرد مكان لتداول الكتب، بل كانت مختبرًا حقيقيا لصقل شخصية الطفل، وكان ينظر إليه باعتباره كيانًا متكاملا، لا مجرد عقل مطالب بحفظ قواعد اللغة بل إنسان يحتاج إلى غذاء عاطفى ومعرفى واجتماعى فى الوقت نفسه، فكورسات اللغات خلال الإجازة الصيفية لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة فى عصرنا الحالي، لكن بشرط أن تُقدم بصورة متوازنة، فالطفل الذى يقضى شهرين كاملين فى الفراغ دون أى نشاط مفيد قد ينسى جزءًا مما تعلمه خلال العام الدراسي، كما قد يفقد فرصة اكتشاف مواهبه وقدراته الحقيقية، لذلك كنا نحرص فى المكتبة على استثمار هذه الفترة بذكاء من خلال أنشطة تجمع بين المتعة والفائدة، وتمزج بين تنمية المعرفة واللعب الهادف.
محتوى تفاعلي
وأضافت أنه فى الحديث عن فلسفة العمل التى كانت تتبناها المكتبة، فقد كنا نؤمن بأن اللغة ليست مجرد مادة دراسية، بل هى وعاء للثقافة وأداة للتواصل، لذلك لم نعتمد على المناهج الجاهزة أو الكتب المدرسية التقليدية، وإنما كنا نصمم محتوى تفاعليا مستمدا من البيئة اليومية للطفل مثل الألوان والفواكه والحيوانات والطبيعة، وحتى المواقف الاجتماعية البسيطة، وبهذه الطريقة كان الطفل يكتسب اللغة بصورة طبيعية، من دون أن يشعر بأنه داخل فصل دراسي، ودون أن يتسلل إليه الملل الذى قد يدفعه إلى كراهية تعلمها، والمكتبة تعتمد على تقسيم الأطفال إلى فئات عمرية محددة، انطلاقًا من أن لكل مرحلة خصائصها النفسية والمعرفية التى تستلزم أسلوبًا تعليميًا مناسبًا، فالأطفال من سن الثالثة إلى السادسة يتعلمون من خلال اللعب والغناء والأنشطة التفاعلية، بينما يستطيع الأطفال من السادسة إلى الثامنة استيعاب حصيلة لغوية أكبر وتكوين جمل بسيطة، فى حين يمتلك من هم بين الثامنة والسادسة عشرة القدرة على التعامل مع تراكيب لغوية أكثر تعقيدًا وإجراء حوارات أطول.
ونوّهت إلى أن أى خلط بين الفئات العمرية قد ينعكس سلبا على الطفل؛ فإذا وُضع طفل فى الثالثة من عمره مع أطفال فى الثامنة، سيشعر بالارتباك وعدم القدرة على المتابعة، أما إذا وُضع طفل فى الثامنة مع أطفال أصغر سنًا، فسيصيبه الملل ويفقد الحماس للتعلم؛ لذلك كنا نعتبر هذا التقسيم أحد الشروط الأساسية لضمان نجاح العملية التعليمية، والمكتبة لم تقتصر على اللغة الإنجليزية وحدها، بل وفّرت دورات فى الفرنسية والألمانية والإيطالية، حسب الطلب والإمكانات المتاحة، ويتم التعاقد مع مدربين مؤهلين تربويا وليس فقط متقنين للغة، فالمعلم التربوى هو منْ يستطيع أن يغرس حب اللغة فى قلب الطفل، بينما المتقن للغة دون خبرة تربوية قد يتحول إلى مجرد جهاز تسجيل يردد كلمات دون أن يترك أثراً فى نفسية الصغير.
وأكدت الدكتورة إكرام أن من أبرز البرامج التى تفخر بها برنامج «الحكي» أو رواية القصص، حيث كانت المكتبة تستضيف كتابا ومتخصصين فى أدب الطفل لسرد حكايات مشوقة، تتناول بطولات حرب أكتوبر أو قيم الصدق والتعاون أو مغامرات علمية مبسطة تناسب الأطفال، مع ملاحظة تفاعل الأطفال مع القصة ولمعان أعينهم أثناء المتابعة، وهذا التفاعل من أقوى وسائل تعلم اللغة، فحب القصة يدفع الطفل لاكتساب مفرداتها وتقليد أسلوب الراوي، فتترسخ اللغة لديه بشكل طبيعي، كما أن الأنشطة المسرحية تعد ركيزة أساسية، فالطفل الذى يجسد شخصية بالإنجليزية أو الفرنسية يحفظ الجمل ويؤديها بإحساس، مما يرسخها فى ذاكرته لسنوات، بخلاف أساليب الحفظ التقليدية.
وفى المقابل طالب عدد من أولياء الأمور بضرورة تشديد الرقابة على المراكز الخاصة، خاصة منخفضة التكلفة لضمان جودة الخدمة المقدمة للأطفال، لأن بعض السناتر تستعين بخريجين يفتقرون إلى الخبرة التربوية، وهو ما قد يؤدى إلى ترسيخ أخطاء فى النطق يصعب تصحيحها لاحقًا، وأتمنى أن تصدر وزارتا الثقافة والتربية والتعليم نظامًا لاعتماد المراكز والمدربين، بحيث تطمئن الأسر إلى أن ما تدفعه يقابله مستوى تعليمى حقيقي، وليس مجرد دورات هدفها تحقيق الربح.