بعد اندلاع الحرب «الروسية- الأوكرانية» عام 2022، تغيرت قواعد الزواج بالنسبة للجنود الروس؛ إذ أُعفى المجندون حديثًا من فترات الانتظار المعتادة فى خطوة هدفت إلى رفع معنوياتهم قبل التوجه إلى الخدمة، بالتوازى مع حملة رسمية للترويج لما تسميه موسكو «القيم التقليدية» وهى من القضايا التى يوليها الرئيس فلاديمير بوتين اهتمامًا خاصًا، فى وقت تواجه فيه روسيا تحديات ديموغرافية متزايدة، لكن ما بدا إجراءً لتسهيل الزواج سرعان ما ألقى بظلاله على ملف آخر وهو «تعويضات الوفاة».
ومع ارتفاع مدفوعات التعويضات الحكومية للجنود الروس الذين قُتلوا فى الحرب، بدأت تظهر تقارير عن شبكات منظمة يُطلق عليها اسم «الأرامل السود»، تستهدف مجندين حديثى الخدمة عبر زيجات يُشتبه فى أنها لم تكن بدافع تكوين أسرة بل بهدف تأمين صفة الزوجة والوريث الشرعى، بما يضمن الحق فى المستحقات المالية للجندى فى حال وفاته، وتراوحت هذه الزيجات وفق ما أوردته تقارير روسية بين زيجات انتهازية وأخرى صورية تُعقد قبيل إرسال المجند إلى جبهات القتال، فيما وُصفت بعض الحالات بأنها «زيجات على فراش الموت» استهدفت جنودًا فى حالات صحية حرجة.

وبموجب القوانين العسكرية الروسية، يحصل ذوو الجنود الذين يُقتلون فى المعارك على تعويضات تبدأ من خمسة ملايين روبل؛ أى ما يعادل نحو 64 ألف دولار أمريكى، وتهدف هذه المدفوعات إلى طمأنة الجنود بأن ذويهم سيحصلون على الرعاية والدعم المالى فى حال وفاتهم خلال الحرب، أما فى حال تعرض الجندى لإصابة بالغة فيمكن أن يحصل على تعويض بقيمة تصل إلى 36 ألف دولار أمريكي.
ولم تعرف «ماريا»، البالغة 37 عامًا والمقيمة فى سانت بطرسبرغ، أن والدها يورى وقع ضحية لعملية احتيال إلا بعد فوات الأوان؛ إذ تلقت وفقًا لشبكة «سى إن إن» اتصالًا من مسئولين عسكريين روس كشف لها تفاصيل ما حدث للرجل البالغ 59 عاما، وكشفت «ماريا» أن والدها التحق بالجيش سرًا وتزوج امرأة قبل يومين فقط من إرساله إلى الجبهة، ولم تسمع منه عن تلك المرأة التى تصغره بـ22 عامًا، وبموجب الزواج أصبحت المرأة أقرب أقربائه قانونيًا بعد وفاته ما أتاح لها المطالبة بالمستحقات المالية المرتبطة بوفاته.
خسارة «ماريا» لم تتوقف عند فقدان والدها؛ إذ تعتقد أنه وقع أيضًا ضحية لخداع دفعه إلى بيع شقته قبل ذهابه إلى الحرب، وعندما توجهت للشقة أكد المالكون الجدد أنهم اشتروها بصورة قانونية وأنهم لم يلتقوا بوالدها مطلقًا، وبحسب روايتها لم يبقَ من القصة سوى أسئلة بلا إجابات؛ فالشقة بيعت، والمال اختفى، والزوجة التى ظهرت قبيل ذهابه إلى الجبهة اختفت هى الأخرى.
لم تكن قصة «ماريا» حالة معزولة؛ فقد ظهرت روايات أخرى عن زيجات أثارت الشبهات حول استغلال ظروف الجنود المرضى أو المصابين لتحقيق مكاسب مالية، ومن بين الحالات اللافتة ممرضة فى مستشفى عسكرى يُقال إنها تزوجت خمسة جنود مختلفين كانوا يتلقون العلاج تحت رعايتها، واحدًا تلو الآخر، وفى كل مرة كان الزواج يتم قبل يومين فقط من وفاة الجندى متأثرًا بإصاباته، وفقًا لما أوردته تقارير، وفى واقعة أثارت جدلًا واسعًا العام الماضى ظهرت سمسارة عقارات روسية فى بودكاست مصور بمدينة تومسك وهى تقدم نصيحة صادمة للراغبات فى شراء شقق تتمثل فى العثور على رجل يخدم فى القوات الخاصة، ثم الزواج منه وانتظار وفاته للحصول على تعويض قدره 8 ملايين روبل، ولم تتوقف الواقعة عند حدود التصريحات؛ إذ حوكمت السمسارة ومقدمة البرنامج لاحقًا، وصدر بحقهما حكم بالخدمة المجتمعية مع إلزامهما بالاعتذار للجنود وزوجاتهم.
وفى ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية ونقص الوقود وتزايد الخسائر البشرية تتصاعد الانتقادات للمحتالين الذين يستغلون وفاة الجنود، تاركين آباءهم وأبناءهم وإخوتهم محرومين من التعويضات المستحقة، وقد وصل الجدل إلى مجلس الدوما الروسى؛ إذ حذر ليونيد سلوتسكى زعيم الحزب الليبرالى الديمقراطى الروسى، من استهداف عائلات الجنود المشاركين فى الحرب، داعيًا إلى حمايتها من المحتالين ومن النساء اللواتى وصفهن بـ«الأرامل السود»، إلى جانب محتالين يستهدفون المستحقين للتعويضات عبر المكالمات والاحتيال المالى، مشيرًا إلى أن هذه الجرائم أصبحت «خطيرة للغاية»، بينما أشار بعض المدونين الروس إلى أن عمليات الاحتيال التى تستهدف الجنود الروس قد تُشكل خطرًا استخباراتيًا على الجيش الروسى، ووفقًا للمدونة أناستاسيا كاشيفاروفا، فإن «الأرامل السود» اللواتى يُزعم أنهن يغوين الجنود الروس لا يسعين وراء المال فحسب، بل يبحثن أيضًا عن أسرار عسكرية.

وتعليقًا على ما سبق، قال بسام البنى، الكاتب الصحفى والمحلل السياسى من موسكو، إن ظاهرة «الأرامل السود» هى مثال كلاسيكى على الجرائم الانتهازية التى تزدهر فى هامش الحروب والسياسات المالية الضخمة، وهى حقيقية على المستوى الفردى، لكنها حالات نادرة جدًا وتُستخدم فى الوقت نفسه كأداة إعلامية على المستوى الدولى، والسلطات الروسية تتعامل مع هذه الظاهرة، باعتبارها قضايا احتيال فردية معزولة لا ظاهرة واسعة، وتتم مكافحتها عبر الملاحقة الجنائية بأثر رجعى بناءً على الشكاوى وليس عبر تشريعات استباقية قد تتعارض مع الخطاب الرسمى.
وأشار إلى أن التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب أسهمت بشكل جوهرى فى ظهور هذه الظاهرة ووفرت بيئة خصبة لنموها، فضلًا عن الإغراء المالى الهائل الذى توفره التعويضات؛ فالمبالغ التى تقدمها الحكومة الروسية لعائلات القتلى مرتفعة جدًا مقارنة بمتوسط الدخل لا سيما فى المناطق الفقيرة والأطراف، فهذه المبالغ تمثل ثروة فورية قد لا يتمكن الفرد من تحقيقها طوال حياته ما يجعلها هدفًا مغريًا للانتهازيين، والاستهداف يتركز على الرجال الأكثر عرضة للتجنيد وغالبًا ما ينحدرون من خلفيات اجتماعية واقتصادية هشة، ما قد يجعلهم أكثر عرضة للإغراء العاطفى والوعود الكاذبة بحياة أفضل.