لم يصعد الدكتور أحمد كجوك، وزير المالية، السلم الوظيفى إلا عن طريق مسيرته المهنية بالعمل الهادئ والعلاقات الصلبة والمعرفة العميقة بأدقّ تفاصيل الملفات المالية الدولية، حتى وجد نفسه فى قلب أهم مفاوضات الاقتصاد المصرى مع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، ليس لأنه كان الأعلى صوتًا، بل لأنه كان الأكثر ثقة من الجانبين. فى عالم المفاوضات المالية الدولية، الثقة لا تُمنح بالألقاب، بل تُكتسب بالخبرة والمصداقية وسنوات من الحضور الفعلى على طاولات القرار.
تخرج «د. أحمد» من الجامعة الأمريكية بالقاهرة بمرتبة الشرف فى الاقتصاد عام 1998، ثم واصل تحصيله الأكاديمى حتى نال ماجستير العلوم الاقتصادية من جامعة يوركشاير البريطانية عام 2002، لكن التاج الأكاديمى، الذى ميّزه جاء عام 2010 حين أتم دراسته فى كلية جون كينيدى للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد -معقل صانعى السياسات الاقتصادية الكبرى فى العالم- قاعدة علمية نادرة الجمع، رسمت خريطة تفكيره وأعطته أدوات لا يمتلكها إلا مَن جمع بين عمق الأكاديمية ومرونة الممارسة الميدانية، وفتحت أمامه أبوابًا فى المؤسسات الدولية لا تفتح إلا لمَن يملك هذا المزيج النادر.
لم يبدأ «كجوك» من القمة؛ بدأ عام 1999 باحثًا اقتصاديًا فى وزارة الاقتصاد، وكانت تلك المرحلة مدرسة حقيقية علمته كيف تُصاغ السياسات من الداخل لا من الكتب، ثم انتقل عام 2004 إلى وزارة المالية حيث بدأت الحكاية الحقيقية، هناك تتلمذ على يد الدكتور يوسف بطرس غالى الذى يصفه المقربون منه بأنه كان بمثابة «الابن البكري» له، وتدرج فى مناصب وحدة السياسة المالية الكلية من مستشار إلى مدير تنفيذى، وهى وحدة تعد من أكثر الوحدات حساسية فى المنظومة المالية المصرية لارتباطها المباشر بالقرار الاقتصادى الكلي. فى 2016 تولى منصب نائب وزير المالية للسياسات المالية، ومن هذا الموقع لعب دورًا محوريًا فى التفاوض على قرض صندوق النقد الدولى بقيمة 12 مليار دولار عام 2016، ثم القرض الجديد بقيمة 8 مليارات دولار، إلى جانب التمويلات الميسرة من البنك الدولى، مفاوضات لا يُعهد بها إلا لمَن يملك الأرقام فى أطراف أصابعه والثقة فى طرفى الطاولة.
وبين مسيرته فى وزارة المالية، لم تنقطع علاقة «د. أحمد» بالمؤسسات الدولية؛ فمن 2013 إلى 2016 عمل خبيرًا اقتصاديًا لدى البنك الدولى فى القاهرة، واختير رئيسًا لإدارة الدعم الفنى فى مكتبه عام 2015، كما أضاف إلى رصيده تجربة نائب رئيس اللجنة المالية والنقدية الدولية التابعة لصندوق النقد، ومشاركة فاعلة فى شراكة «دوفيل» التى أطلقتها مجموعة الثمانى دعمًا لدول العالم العربى عام 2011. فهو رجل يتحرك بسلاسة بين المؤسسات المحلية والدولية، لأنه يتحدث لغة الطرفين بطلاقة واحدة.
اليوم، يجلس أحمد كجوك فى موقع وزير المالية، لكن طبيعة المهمة تغيرت. لم يعد فقط جزءًا من فريق يتفاوض على الأرقام والبرامج، بل أصبح مسئولًا عن إدارة السياسة المالية نفسها، فى مساحة دقيقة بين ضبط الإنفاق ودعم الاقتصاد.
ويركز «كجوك» على تحقيق توازن بين الانضباط المالى ودعم النشاط الاقتصادى، مع إعطاء أولوية للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، إلى جانب مساندة الإنتاج والتصدير وتعزيز دور القطاع الخاص. وفى موازنة «2026 - 2027»، أكد أن السياسة المالية تستهدف دعم المواطن والمستثمر وتعزيز النشاط الاقتصادى، فى وقت تعمل فيه الدولة على بناء شراكة أكبر مع القطاع الخاص.
وهكذا، تبدو رحلة أحمد كجوك أقرب إلى مسار طويل وهادئ، بدأ من البحث والدراسة، مرورًا بالمؤسسات الدولية ودهاليز وزارة المالية، وانتهى به إلى موقع تتقاطع عنده أرقام الموازنة مع تفاصيل الحياة اليومية للمصريين.