فمن الفوز على منتخبات قوية فى دور المجموعات والدور الرئيسى، وصولاً إلى معركة شرسة فى ربع النهائى حُسمت لصالح فتيات مصر، أثبتن أنهن قادرات على منافسة الكبار وكتابة اسم بلادهن بأحرف من ذهب فى مسيرة كرة اليد النسائية.
إنه إنجاز يستحق التوقف والاحتفاء، ليس لأنه جاء بميدالية، بل لأنه فتح بابًا جديدًا من الطموح أمام الأجيال القادمة، وأثبت أن الاستثمار فى قطاعات الناشئين بدأ يؤتى ثماره على أرفع المستويات الدولية.
أحمد العطار، نجم منتخب مصر السابق، قال: «من السهل أن نحتفى بحدث كهذا ليومين، ثم نتركه يذوب بين عناوين الصحف، وكأنه ومضة عابرة لا تستحق أكثر من تصفيق سريع، لكن الحقيقة التى يجب أن تقال بصوت عالٍ: ما فعله بناتنا فى رومانيا لم يكن لحظة عابرة، بل قصة تستحق أن تُروى وتُدرس وتُستلهم منها الأجيال القادمة.
فمنتخب لم يعرف طريقه إلى المحافل الكبرى من قبل، لا يقفز إلى نصف نهائى عالمى بضربة حظ، ولا بموهبة فردية استثنائية وحدها. خلف كل هدف اهتزت له شباك المنافسين، وخلف كل تصدٍّ خرافى لـ«جيداء»، حارسة مرمى مصر، فى اللحظات الحاسمة، تقف حكاية أخرى لا يراها أحد: ساعات تدريب طويلة فى صمت، وعرق سال دون تصفيق، وقرارات فنية ذكية اتُّخذت بهدوء، بعيدًا كل البعد عن الأضواء والكاميرات.
هذا هو الوجه الحقيقى للإنجاز الذى لا يُرى، والذى يستحق منا أن نقف عنده طويلاً، لا أن نمر عليه سريعًا كما تمر الأخبار العابرة».
وأضاف «العطار» أن «المدير الفنى محمد عبدالكريم، الذى قاد هذه التجربة، لم تكن أمامه رفاهية الاختيار بين الإعداد التقنى والإعداد النفسى، فالبطولات التى تُلعب على مدى أسابيع، وتتضمن مباريات بفارق هدف واحد، مثل مباراة إسبانيا فى الدور نصف النهائى، لا تُدار بخطة واحدة جامدة، بل بقراءة مستمرة لحالة الفريق».
وهنا يكمن جوهر السؤال الذى يستحق أن يُطرح بجدية، بعيدًا عن لغة التهنئة: كيف يمكن لمنتخب ناشئات، لا يزال فى طور التكوين، أن يوازن بين صقل الأداء الفنى وبين تحصين اللاعبة نفسيًا فى عمر لا تتجاوز فيه الثامنة عشرة، فى رياضة جماعية سريعة الإيقاع كاليد؟
يبدو الفصل بين «التقني» و«النفسى» فصلاً نظريًا أكثر منه واقعًا؛ فحين تقف لاعبة أمام حارسة تفوقها خبرة بمباريات كبرى، لا يكفيها أن تتقن حركة الرمى، عليها أن تتخذ القرار فى جزء من الثانية دون أن يشلها الخوف من الخطأ. هذا النوع من الحسم، الذى ظهر جليًا فى المباراة أمام الصين، لا يُبنى بالتكرار الفنى وحده، بل بتمارين ذهنية موازية تدرب اللاعبة على التعايش مع الضغط بدل الهروب منه.«
وأوضح أن «الفوز التاريخى على الدنمارك فى دور المجموعات بنتيجة 23-22 يقدم نموذجًا يدل على هذا التوازن؛ فمصر، التى واجهت منتخبًا أوروبيًا يملك بنية تحتية وتاريخًا طويلاً فى اللعبة، لم تنتصر بتفوق بدنى أو خبرة تراكمية، بل بقدرة جماعية على عدم الانهيار حين يتقدم الخصم، وعلى استعادة التركيز بعد كل هدف يُسجل فى مرماها.
هذا النمط من الأداء لا يُصنع فى غرفة تبديل الملابس قبل المباراة بدقائق، بل هو نتاج فلسفة تدريبية تعامل الجانب الذهنى كجزء أصيل من المنهج، لا كإضافة اختيارية تُستدعى عند الحاجة».
بدوره، قال حمادة الروبى، حارس المنتخب الوطنى سابقًا: «أداء الحارسة «جيداء» يختصر هذه المعادلة بأوضح صورة؛ فحراسة المرمى فى كرة اليد وظيفة نفسية بامتياز قبل أن تكون تقنية. فحارسة المرمى التى تهتز شباكها بهدف لا تملك رفاهية الوقوف لثانية واحدة تلوم فيها نفسها، بل عليها أن تنهض فورًا وتستعد للكرة القادمة، وعليها أن تنسى الهدف السابق فورًا وتستعد للتصدى التالى.
ومع استقرار الأداء الذى أظهرته طوال البطولة، من ربع النهائى وحتى مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع، فإن ذلك يكشف عن إعداد ذهنى ممنهج، لا يقل أهمية عن ساعات التدريب على وضعيات الدفاع».
وتابع: «الخسارة أمام إسبانيا، حاملة اللقب، بفارق هدف واحد، لا ينبغى أن تُقرأ كنكسة تخفف من قيمة الإنجاز، بل كمؤشر دقيق على موقع مصر الحقيقى على الخريطة العالمية للعبة. فإسبانيا فريق يملك عمقًا تنافسيًا ودوريًا محليًا قويًا يمنح لاعباته احتكاكًا شبه يومى بمستوى عالٍ، بينما تخوض مصر تجربتها الأولى من هذا النوع فأن يُقرر مصير مباراة بهذا الحجم بهدف واحد أمام بطلة العالم هو فى حد ذاته رسالة مطمئنة عن جاهزية المنتخب فنيًا، لكنه أيضًا تذكير بأن سد الفجوة مع التفوق العالمى يحتاج إلى أكثر من موسم استثنائى واحد. والأهم أن الفريق لم يسمح لخيبة نصف النهائى بأن تؤثر فيه، وحقق المركز الرابع عالميًا، وهو إنجاز كبير».
وأكمل: هذه القدرة على إعادة ترتيب الأولويات» ذهنيًا بعد خسارة مؤلمة، خلال ساعات معدودة وضمن بطولة مرهقة، هى بالضبط ما يفرق بين منتخب يعيش لحظة عابرة، ومنتخب يبنى عادة فوز قابلة للتكرار.
وحين توضع هذه النتيجة فى سياقها القارى، تتضح خصوصيتها أكثر. فكرة اليد النسائية فى إفريقيا لم تنتج، حتى الآن، نموذجًا وصل إلى هذا المركز فى بطولة عالمية للناشئات، رغم أن القارة تملك مدارس تقليدية معروفة بالقوة البدنية والانضباط الدفاعى، أبرزها المدرسة التونسية والمغربية، اللتان تراهنان تاريخيًا على الصلابة الجسدية أكثر من التنظيم الجماعى المركب.
وأوضح «الروبى» أن المدرسة المصرية، كما بدت فى هذه البطولة، تقترب أكثر من نموذج هجين يحاول الجمع بين الانضباط التكتيكى والجرأة الفردية فى اللحظات الحاسمة، وهو ما فسّر قدرتها على منافسة فرق أوروبية معتادة على هذا النمط من الحسم.
أما فى آسيا، فتقدم كوريا الجنوبية واليابان نموذجًا مختلفًا تمامًا، قائمًا على سرعة الأداء وكثافة التمرير قصير المدى، مدعومًا ببنية تحتية مدرسية تدخل اللاعبات فى منظومة تنافسية منذ سن مبكرة جدًا. والصين، التى واجهتها مصر فى ربع النهائى، تمثل حالة متوسطة بين الانضباط الآسيوى والقوة البدنية، وهو ما يفسر صعوبة تلك المباراة تحديدًا وضيق الفارق فيها.
أن تتفوق مصر على هذا النموذج، ثم تصمد لاحقًا أمام الدنمارك مرتين، يشير إلى أن المدرسة المصرية بدأت تطور هوية خاصة بها، لا تقلد نمطًا بعينه بقدر ما توظف عناصرها المتاحة: صلابة بدنية أفريقية الطابع، مضافًا إليها تنظيم دفاعى واستقرار نفسى بدآ يظهران كسمة مصرية مميزة».
فى حين أكد هانى الفخرانى، نجم المنتخب الوطنى السابق، أن «الحديث عن الجانب النفسى فى الرياضة كثيرًا ما يُختزل، وبشكل مجحف، فى عبارات فضفاضة عن «الروح المعنوية» أو «الإصرار»، وكأن الاستقرار الذهنى وليد اللحظة، ينبع تلقائيًا من عزيمة اللاعبات وحدهن دون أى تخطيط مسبق.
لكن الحقيقة أعمق وأكثر تنظيمًا بكثير من ذلك؛ فما ظهر فى أداء المنتخب المصرى لم يكن ومضات متفرقة من الحماس الفردى، بل نمط سلوكى متكرر فى إدارة أصعب اللحظات، يستحيل أن ينتج بالصدفة أو بالانفعال اللحظى. إنه ثمرة منهج جماعى متفق عليه سلفًا، حُضّر بعناية خلف الكواليس».
وشدد «الفخرانى» على أن «هذا النوع من الإعداد الرفيع الذى قام به القائمون على الفريق لا يولد من العدم، بل يستدعى وجود كوادر متخصصة، لا تقف عند حدود الجانب البدنى والتكتيكى وحسب، بل تعمل جنبًا إلى جنب على تهيئة الفريق ذهنيًا وبدنيًا، عبر محاكاة أجواء الضغط الحقيقى داخل التدريب، قبل أن تُختبر تحت أنظار العالم فى المباراة الفعلية.
وهنا يفرض سؤال نفسه بقوة، ولا يجوز التهرب منه: هل يملك الاتحاد المصرى لكرة اليد بنية دائمة ومستقرة من أخصائيى علم النفس الرياضى، ترافق منتخبات الناشئات على مدار العام كاملًا، أم أن ما رأيناه فى رومانيا كان لحظة استثنائية، ارتبطت بحساسية هذه البطولة بعينها ولا أكثر؟
الإجابة، وإن ظلت بعيدة عن التصريحات الرسمية المفصلة، تبقى هى الفارق الحقيقى بين مستقبلين مختلفين تمامًا: أن يكون ما شهدناه بداية نهج مؤسسى راسخ، يُبنى عليه ويُستثمر فيه، أو أن يكون ومضة فردية عابرة، يصعب استعادة بريقها فى بطولات قادمة لن تحظى بنفس صدى الأضواء والاحتفاء.
التجربة المصرية فى الرياضات الجماعية النسائية، وكرة اليد تحديدًا، تحمل سابقة تستحق الحذر؛ مواهب واعدة تتألق فى فئات عمرية صغيرة، ثم تتراجع مستوياتها أو تعتزل مبكرًا عند الانتقال إلى مرحلة الكبار، بفعل غياب دورى محلى قوى يوفر احتكاكًا منتظمًا، أو بفعل ضغوط اجتماعية وتعليمية تصطدم بها اللاعبة فى مرحلة الجامعة.
وهذا التحدى لا يقل خطورة عن أى تحدٍ فني، لأنه يهدد بتحويل إنجاز رومانيًا إلى ذكرى معزولة بدلًا من أن يكون نقطة انطلاق لجيل كامل».
ويقول «الفخرانى» إن «المقارنة هنا مع التجربة الإسبانية، التى هزمت مصر بفارق ضئيل فى نصف النهائي، دالة بشكل خاص؛ فإسبانيا لا تصنع نجماتها فى بطولة واحدة، بل عبر نظام أندية نسائية يوفر لكل لاعبة مسارًا واضحًا من الناشئات إلى الدرجة الأولى، مدعومًا بعقود شبه احترافية تتيح لها التفرغ النسبى للتدريب دون التضحية الكاملة بتعليمها.
فى المقابل، لا تزال المسابقات النسائية المصرية فى كرة اليد محدودة العدد والانتظام مقارنة بنظيرتها الرجالية، رغم أن اللعبة تحديدًا من الألعاب التى حققت فيها مصر تاريخيًا حضورًا قاريًا معتبرًا على المستوى الرجالى.
وسد هذه الفجوة بين المنتخبات الوطنية للفئات السنية والدورى المحلى هو ما سيحدد فعليًا ما إذا كانت «بنات مصر» سيواجهن إسبانيا مجددًا بعد أربع سنوات بفارق أضيق، أم أن نصفهن سيبتعدن عن اللعبة قبل أن يصلن إلى مرحلة النضج الرياضى الكامل.
هنا تحديدًا يكتسب دور الإعلام الرياضى أهمية تتجاوز التغطية اللحظية للبطولة؛ فتسليط الضوء المستمر، لا الموسمي، على مسيرة هؤلاء اللاعبات بعد عودتهن من رومانيا، ومتابعة مسارهن فى الأندية المحلية، يشكل ضغطًا إيجابيًا على المنظومة للحفاظ على زخم هذا الجيل، بدلًا من أن يتحول التأهل التاريخى إلى عنوان يُطوى مع نهاية الأسبوع الرياضي».
كذلك، لفت «الفخرانى» إلى أن «تهنئة الرئيس عبدالفتاح السيسى للمنتخب لم تكن مجرد بروتوكول عابر، بل تحمل دلالة على إدراك رسمى بأن هذا الإنجاز يتجاوز حدود اللعبة إلى موقع مصر الرياضى فى المحافل الدولية.
لكن القيمة الحقيقية لهذا التقدير لا تكتمل إلا إذا تُرجم إلى استثمار مؤسسى طويل الأمد: دورى محلى أكثر تنافسية للناشئات، واحتكاك خارجى منتظم لا موسمى، ودعم فنى ونفسى متخصص يبقى هذا الجيل على قيد التطور بدلًا من أن يذوب فى غياب المتابعة بعد زوال بريق البطولة.
فالتاريخ الرياضى المصرى يحمل أكثر من مثال على مواهب استثنائية توهجت فى لحظة ثم تراجعت لغياب المنظومة التى تحتضنها.