النجومية ليست «شهرة».. والشهرة وحدها لا تصنع نجمًا. بين الاثنتين حكاية طويلة من الموهبة والتعب والسنين، وهذا ما يؤمن به أحمد آدم، الذى يرى أن النجومية الحقيقية لا تأتى بالكتائب الإلكترونية، ولا بالضجيج، ولا بمن يخرج كل يوم ليعلن أنه «نجم النجوم»، وإنما تصنعها موهبة حقيقية، وجمهور يلتف حول الفنان ويحبه، ومشوار طويل يثبت فيه صاحبه أنه يستحق مكانه.
ومن هنا يفتح أحمد آدم قلبه ودفاتر مشواره الفني، متحدثًا عن زمن كان فيه الفنان يصعد السلم «واحدة.. واحدة»، ويتعلم من أساتذة كبار، ويخوض التجربة ويتعثر وينجح، قبل أن يصل إلى القمة. يتوقف أمام ما يراه اليوم من انقلاب فى المعايير، حيث أصبح البعض يبدأ من القمة قبل أن يمتلك خبراتها، ويتساءل: ماذا يحدث للنجومية التى عرفناها وتربينا عليها؟
وبين سخرية أحمد آدم المعهودة وصراحته التى لا تعرف المجاملة، يستعيد أربعة عقود من المسرح والسينما والتليفزيون، ويتحدث عن «القرموطي» الذى تحول إلى واحدة من أشهر شخصياته، وعن مشروعاته المؤجلة، ورؤيته لتقديم سيرة د. مصطفى محمود، وعن أساتذة كبار تعلم منهم معنى أن يكون الفنان فنانًا بحق وحقيق.. وفى لحظة نادرة من «الغرور المسموح»، يقول: «أنا أسطورة.. ومحدش قدر يعمل اللى أنا عملته فى السينما.. أنا أحمد آدم».
عند الاتفاق على موعد لمقابلتك وإجراء هذا الحوار، طلبت منى الانتظار إلى ما بعد انتهاء مباريات كأس العالم، وقلت لى حرفيًا: «هناك ما سيحدث، وسنتطرق إلى الحديث عنه».. وقد كان. فهل لديك تفسير لذلك؟
كنت أقصد أن هناك ما سيحدث فى كأس العالم نفسه، وقد بدأ ذلك بمباراة مصر مع الأرجنتين وما شهدته، والتى كانت أحد الأسباب الرئيسية التى كشفت للعالم كله فساد الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا». فمصر دائمًا، بالمعنى المجازي، «تضرب مفك»، وتكشف المؤامرات والحيل والدسائس. وفى ظل ما يُطرح عن «الشرق الأوسط الجديد»، أصبحت اللعبة مكشوفة وظاهرة أمام الجميع، وخصوصًا للمصريين؛ لأنهم أصحاب تجارب، ولذلك تمر هذه الأمور عليهم مرور الكرام، أو كما نقول: «تعدى كده». فالتاريخ علّمنا أن نستفيد من التجارب، لأنها أصبحت جزءًا من تكوينهم، حتى إننا نشم رائحة اللعبة من بعيد.
والقائمون على كأس العالم أثبتوا أن الموضوع «مسيّس». وقد سبق أن أكدنا أن الفوضى الخلاقة، أو ما سُمّى بالثورات التى مورست على الشعوب العربية باسم الديمقراطية والحرية وغيرها، قامت على خداع الشعوب وتضليلها تحت مسمى «الربيع العربي» أو «الخريف العربي». لقد مررنا بهذه التجربة من قبل، وشاهدناها، وأفشلنا مخططاتهم، فهل يعقل أن يعيد المتربصون استخدام الأساليب والطرق نفسها من جديد؟!
شيء عجيب جدًا، لدرجة أنهم أصابهم اليأس من ناحيتنا، فقالوا: نبدأها من أول وجديد، وتكون البداية من تونس، مثلما حدث من قبل. وللأسف، فهمهم على قدهم، لأننا لم نقلد تونس فى عام 2011.
ثم يضحك ويقول ساخرًا: «نحن الشعب المصرى الذى كشف الملعوب والحكاية، وبعد خمس دقائق قعد الكل فى بيته»، وهذا هو ما حمانا، وظهرت التجربة السياسية التى أضلت كثيرًا من الشباب، من خلال التشكيك فى رموزنا ورؤسائنا وفننا وهويتنا. وعلى مدار أكثر من 30 أو 40 عامًا، حاولوا تخريج جيل يملؤه الشك واليأس من كل شيء حوله، ويُشعرونه بأن العالم كله يعيش فى الجنة، ما عدا هو - يقصد الشباب - لأنه يعيش فى ظلم.
ولذلك، بعد أحداث يناير 2011، حدث نوع من الضلال والتضليل، ثم بدأت أعداد كبيرة من الناس تفيق وتتضح لها الأمور على حقيقتها. وعندما حكم الإخوان، كشفوا أنفسهم للجميع، وكان عام واحد من حكمهم كافيًا للمصريين، بالمعنى المجازي، «يجيبوا آخرهم»، لتأتى بعدها ثورة 30 يونيو، التى شهدت أكبر تجمع فى تاريخ الإنسانية، وغيرت مسار الأحداث بالفعل. ولو تذكر، فقد قلت لك سابقًا إن أحداث يناير غيّرت مصر إلى حد ما، لكن المؤامرات والدسائس التى تُحاك حولها لن يُكتب لها النجاح بإذن الله، لأن الشر أصبح واضحًا وضوح الشمس، وبلغ مداه.
تستطيع القول إنه كان «خداعًا» متغلفًا بـ«الخير»، ووصل إلى أبعد مدى، بحجة الديمقراطية والتخلص من الطغاة والظلمة، وتحت شعارات زائفة رُفعت فى ذلك التوقيت، ثم اكتشفنا أنهم هم «الطغاة» الحقيقيون الذين يطغون على شعوبهم، ففى إسرائيل، تُقام التظاهرات والاعتراضات والمعارضة منذ ثلاث سنوات، وكأن شيئًا لم يحدث، فلماذا لا تستجيب الحكومة هناك لإرادة الشعب ورغبته، وتُطيح بنتنياهو من الحكم؟! كفاية عليه كده.
لقد وصل الأمر إلى حد الكوميديا السوداء، بل إلى درجة من العبث؛ لأننى لم أرَ غباءً أو عنادًا بهذا الشكل. وأتساءل: ماذا تريدون فى النهاية؟! وللعلم، ما تراه القيادة والشعب المصرى الحقيقى هو ما نسير عليه، وليس شيئًا آخر، أما تلك «الطفيليات» التى خرجت علينا من كل حدب وصوب، وتحاول فرض آرائها، وقد فُتحت لها منصات السوشيال ميديا، وتعتمد على الكتائب الإلكترونية والعالم الافتراضى للتأثير فى عقول الناس، خصوصًا الشباب، فالحمد لله أنها لم تجد صدى أو نتيجة، ولن تجد، لأن الناس واعية بفضل الله.
ورغم محاولاتهم المستميتة لتشويه كل ما هو وطني، خاب ظنهم فى الوصول بالناس إلى مرحلة لا يشكرون فيها قائدهم. وكلما ظهر أمر وطني، خرجوا عليه بالأكاذيب والشائعات والوشايات المضللة. ومثلما يقول لى البعض، على سبيل المثال: «بطل كلام فى السياسة، وخليك فى الفن... أصل الحاجات دى ممكن تضيع منك مش عارف إيه!».
وأنا أتكلم عن وطن. طيب، هو عمرو واكد يبقى حلو لما يتكلم فى السياسة؟! شيء عجيب جدًا. وهو لم يقرأ كتابين فى حياته، لا فى السياسة، ولا فى الفن أيضًا، سوى كتاب «إعداد الممثل» الذى قرأه الجميع لأنه كان يُباع أمام معهد الفنون المسرحية، غير ذلك لا، وأتعجب من هذا الأمر، هو عمرو واكد اللى فاهم يعني؟!
ما زال التضليل يُمارس علينا بكل صوره، وكل ما أريد التأكيد عليه هو: والله ما فى فائدة من كل ذلك، فالشعب المصرى عندما يكشف حقيقة أحد، تكون انتهت إلى ما لا نهاية، والتاريخ يؤكد ذلك بلا جدال. وفى كل مرة، تثبت مصر كيف تنتصر. وما تريده القيادة، وما يريده شعبنا، هو ما سيتحقق على أرض الواقع. كما أن صبر الشعب المصرى على حالة الغلاء التى نعيشها الآن يثبت مقدار الوعى لديه، ويكفينا فاتورة 2011 التى ما زلنا ندفع ثمنها حتى الآن. ورغم ذلك، لا شيء يتغير، ولا توجد نخبة متفقة، بل كما ترى، تنقسم النخب السياسية ولا تتفق، وكأنها خلايا متفرقة.
وأعتقد أن شعبنا المصرى الجميل، لولا هذا الوعي، ولولا جيشنا العظيم الذى يقف إلى جانبنا، لكنا حتى هذه اللحظة ما زلنا نتساءل: «نعمل الدستور أولًا أم الرئاسة ثانيًا؟». كانوا يموتون فى المناقشات، أما العمل فلا. «أنا تعبت يا عم طارق!».
لا يوجد لديهم سوى «التنظير»، ويا ليته كان تنظيرًا صحيحًا، لكنه أغرق شعوبًا، وكان سببًا فى اختفاء شعوب من على خريطة العالم. ولطالما حذرنا من ذلك، وستجد هذه الرسائل واضحة فى أفلامى على وجه التحديد، فكل فيلم كان يؤكد أن الدور سيأتى علينا، وأنه يجب أن نتحد معًا، ونكون «إيد واحدة»، وننتبه لما يُحاك حولنا.
أنت من الفنانين المهمومين بقضايا وطنه.. فهل هذا نابع من وازع إنسانى أم وطنى أم أن الفنان بداخلك له الدور الأكبر فى ذلك؟
يأخذ تنهيدة، ويسرح بفكره وخياله بعيدًا، ثم يقول: «لقد وُلدت فى مناخ وأنا عيل صغير، ولم أخطط لنفسى أن أتواجد فيه، كنت فى زيارة إلى قصر ثقافة الحرية بالإسكندرية مع أبناء جيلى فى هذا العمر الصغير، وبالمعنى البسيط: رايح أهزر مع أصحابى ونضحك. وفجأة وجدت رجلًا محترمًا جدًا، أعتبره بمثابة والدى الثاني، الأستاذ منير فتح الله، رحمه الله، يناديني. وكنت أعتقد أنه سيطردنى من المكان، لكننى فوجئت به يصطحبنى إلى قاعة كبيرة بها عدد كبير من الأطفال، وسألنى عن سني، وهل أستطيع القراءة، وفى أى صف أدرس. فقلت له: أنا فى الصف الرابع الابتدائي».
ويتابع: «أعطانى نصًا مسرحيًا بعنوان «دورى ودورك»، وقال لي: ستقوم بدور «باسم». وأنا ما كنتش فاهم حاجة خالص، لأننى «اتاخدت من الدار للنار». وكانت أحداث المسرحية تدور بعد عام 1967، حين كانت هناك رفح المصرية وأخرى الفلسطينية، وعند تقسيم الإسرائيليين لها، كما هو مكتوب فى النص، أصبحت مدرسة تقع فى المنتصف كحد فاصل بين الجانبين. وكان يدرس فيها صديقان، باسم وبسام، ثم فُصلا عن بعضهما، وأصبحا يلتقيان يوميًا أمام السور، الحد الفاصل الذى أُقيم بينهما، وكانت مسرحية بديعة بالفعل، وكان الفنان طلعت زكريا يؤدى دور «بسام».
ومن المفارقات العجيبة أن السيد حمدى عاشور، محافظ الإسكندرية وقتها، اهتم بى وتبنانى بعد مشاهدته للمسرحية، وقدمنى من خلال إذاعة الإسكندرية، ومع تقدمى فى العمر، بدأت أفكر فيما أقوله، وأحاول استيعابه، مثل كلمات: «اقرأ... فكر... صمّم... خلى العدو يتعلم... دورى ودورك جه».
ولذلك، لم يكن بيدى كل ما حدث معى منذ الصغر، ولم يكن فى بالى توظيفه فنيًا لخدمة قضايا وطني، فأنا وقتها كنت طفلًا صغيرًا، وبعدما قدمنا فيما بعد روايات اجتماعية تمس الناس، كان الجمهور يقول لي: «أنت عارف أثرت فينا قد إيه؟»، وأنا لم أكن مستوعبًا تمامًا لما يقولون. عندها أدركت أن الفن، إلى جانب كونه وسيلة للترفيه وإسعاد الآخرين، يهذب العقول ويساعد على نشر الوعى لدى الجمهور. وهذا هو ما زُرع بداخلى منذ الصغر دون أن أدري، ولذلك، عندما أقرأ أى نص، أذهب إلى البعد الرابع فيما أقرأه.
ويواصل حديثه قائلًا: «صقلتنى التجارب، ونوعية المبدعين الحقيقيين الذين تعاملت معهم، بداية من إذاعة الإسكندرية، وحتى عملى مع أكبر المخرجين والفرق المسرحية فى مصر، الذين كانوا سببًا فى نجاحى الكبير، ودفعونى خطوات إلى الأمام. وكان يسعدنى جدًا أن أسمع من الجمهور، بعد انتهاء العرض المسرحي، جملة: «أنا مبسوط لأنك ضحكت عقلى مع قلبي».
ويلفت إلى أنه، على مستوى الاحتراف، بدأ مشواره مع المبدع الكبير لينين الرملى والفنان القدير محمد صبحي، من خلال مسرحية «أنت حر»، وهى رواية عالمية لا تُنسى، تناقش واحدة من أكبر القضايا الفلسفية التى يمر بها الإنسان، على حد وصفه، مثل: «أنت حر ولا مش حر؟.. أنت ماشى باختيارك؟.. وليه نعيش مادام هنموت؟». ورغم أن المسرحية كانت «ضحك موت»، فإنها فى النهاية تطرح موضوعًا جادًا وعميقًا، يناقش أهم القضايا الوجودية التى تشغل الإنسان.
وعن نفسي، فى البدايات أحببت مدرسة صمويل بيكيت وإدوارد ألبي، ولذلك عندما أختلى بنفسى أتعجب وأدرك أن هذا كان مقدرًا لي، وأننى مسؤول، بشكل شخصي، عما أقدمه للناس. والحمد لله، أصبحت لدى رؤية استباقية نتيجة الفهم والدأب والاطلاع والاجتهاد. وربنا سبحانه وتعالى، لما يريد، يهيئ العقل لذلك.
كل ما أتحدث عنه اليوم، وما نراه واقعًا الآن، كان حاضرًا أمام عينى منذ 30 عامًا، منذ دخول صدام حسين إلى الكويت. وقد نبهت إلى ذلك فى أحد أعمالى المسرحية، بداية من مسرحية «بحبك يا مجرم» عام 1991، مع العمالقة عبد المنعم مدبولى وجلال الشرقاوي.
ويتابع: كنت أستعين بكتب التاريخ، وأعتقد أننى قرأت كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» وأنا فى الصف الثانى الإعدادي، واطلعت على ما يُطرح حول المبادئ الأربعة التى سيقوم عليها العالم الجديد منذ 300 عام، وكذلك كتاب «صراع الحضارات»، ولذلك أقول دائمًا إن ما يحدث هو مخطط قديم وليس مؤامرة، وهم لم ينكروه، بل حرصوا على التفريق، والفوضى الخلاقة، والتقسيم على أسس مختلفة. لذلك كنت فاهم الدرس كويس أوى من بدري، وأن إيران وإسرائيل وجهان لعملة واحدة. واقرأ سورة «الروم»، وتدبر معانيها، وستتضح لك حقيقة الأمر كاملة.
يقول الله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِى أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.. كانت هذه بشرى لرسول الله ﷺ، وللصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بألا يحزنوا، وأن الفرس سيُهزمون.
وبالتالي، كيف يرى البعض أن إيران تضرب إسرائيل، بينما الولايات المتحدة تدك حصون إيران، فى الوقت الذى تضرب فيه إيران دولًا عربية، عبر استهداف دول الخليج؟! هذا، فى رأيي، فيلم كبير لتوريط العرب فى حرب سنية شيعية، وأتعجب من أن إيران أطلقت صواريخ على دول عربية أكثر مما أطلقت على إسرائيل، ومع ذلك تلتزم قطر الصمت، فى الوقت الذى تتولى فيه التفاوض بين الطرفين للوصول إلى الصلح!
زمان، عندما كنت أتكلم فى هذه الموضوعات، كان البعض يستغرب من حديثي، أما اليوم فقد اتضحت الصورة تمامًا أمام الجميع. والحمد لله أن الناس بدأت تعى ما أقوله الآن. والحمد لله، شعبنا واعٍ، وهذه هى الصخرة الحقيقية التى تتحطم عليها أحلامهم جميعًا. نحن صخرة فى جبل كبرياء، تتحطم عليها أحلام أعدائنا، وأحلام كل من يأتى بسيرة مصر.
ويمضى قائلًا: «أريد أن يخرج من يعلن مسؤوليته عن حادثة الطائرة المسيرة التى استهدفت ميناء دمياط، فهذا هو ما يهمني. ومن الواضح أنها أُطلقت من مسافة قصيرة، وأجهزة الدولة تحقق فى الواقعة، ونحن نلتزم الصمت، لأن هذا وقت لا يسمح بـ«الغلوشة» أو كثرة الحديث. وما شاء الله لا قوة إلا بالله، بلدنا بخير، وانظر حولك لترى الفارق بيننا وبين غيرنا.
نحن فى وقت يجب أن ينشغل فيه كل واحد بعمله ويركز فيه فقط. أما أنا، فشغلتى أن أضرب جرس الإنذار، وقد فعلت ذلك منذ زمن. وبالتالي، لا ينبغى أن نشغل بالنا بمثل هذه الأمور، لأن المقصود منها إثارة البلبلة والتشكيك فى أشياء كثيرة. والحمد لله، حتى الناس العادية أصبحت مستوعبة وتفهم ما يحدث الآن.
وفى رأيك ما دور الفنان فى تعزيز وعى الجماهير ومواجهة حملات التضليل التى تستهدف التأثير على الرأى العام؟
لن أزيد عما شرحته سابقًا، لكن المهم هو دق ناقوس الخطر. ونحن عندما نتحدث عن الفن، فنحن نتحدث عن المخرجين والمؤلفين والممثلين. لكن، للأسف الشديد، يخرج علينا من لا يملكون الموهبة، ولا يفهمون أى شيء، ولا يمتلكون الحد الأدنى من الثقافة الفنية، وكل ما لديهم تصريحات مثيرة للجدل من نوع: «أنا الكبير.. أنا العظيم.. أنا الأول.. أنا اللى ما حصلتش!».
لقد أصبح هناك تضخم فى الذات، وسيطرة لـ«الأنا»، واختفى إنكار الذات تمامًا من المشهد. كما أصبح هناك نوع من «اللغوشة» على الفن والفنان، وفى المقابل هناك آخرون متأسلمون يشككون فى كل ما يخص الفن والفنانين بوجه عام، ويرصدون الفنانين الحقيقيين لمهاجمتهم، والإساءة إلى سمعتهم وصورتهم أمام الناس. كلام لا يعقل، لكنهم بالنسبة لى مثل من يحفرون فى الماء.
ورغم كل هذه الظروف، فإن من يستحق هو من يظهر ويبقى ويحقق النجاح، مهما طال الزمن، لأن البقاء دائمًا للأصل. أما الكذب وأشباه الفنانين والمطربين والكتاب، فلا يدومون.
ثم يضحك قائلًا: «أفاجأ بإقامة مهرجان يتم فيه تكريم أشخاص عاديين لمجرد أنهم يشبهون فنانين، تحت عنوان: «جائزة شبيه فلان»، بالله عليكم، هل هذا يُعقل؟! إحنا بقينا فى هبل رسمي! وأقسم بالله العظيم، هناك من يعيشون بيننا، وليس عيبًا ما أقوله، المفروض يأخذون يومى الاثنين والخميس جلسات كهرباء فى عنبر «7» بمستشفى العباسية، ولن ينفع معهم غير ذلك. وأعرفهم بالاسم، وآخرون مكانهم عنبر «10» للحالات الخطيرة. «خيابة» و«هبل» يقطران منهم، وأصبحت التفاهة كنزًا لا يفنى!».
وأنت سبق أن طالتك الشائعات بسبب مواقفك الوطنية تجاه بلدك، حتى إن البعض روّج أنك خرجت تستغيث وتصرخ لأنك بلا عمل. كيف تعاملت مع هذه الحملات؟
قلت وقتها: أخرجوا هذا المستند، وأخبروا الناس متى وأين صدر هذا التصريح على لساني؟! لكنه لم يحدث قط، وكان كله كلامًا، كذبًا فى كذب، ثم فوجئت بعد ذلك بحذف هذا المنشور المزيف، الذى حاولوا إلصاقه بي، من على شبكة الإنترنت. وكما سبق وذكرت، فالمقصود هو تشويه أى شخص تسمع له الناس وتثق فيه.
ودعنى أسألك: هل هناك، منذ عام 2011، من لم يطله التشويه أو الانتقاد؟ يا صديقي، فى عز شغلى قالوا إننى قاعد فى البيت... تصور! وهم لا يعلمون أننى أقدم فيلمًا واحدًا فقط فى العام، أنا مش نَحيت، ولا أقدم مسلسلات إلا نادرًا.
وماذا لو سألتك عن تجربتك الناجحة مع كرسى المذيع من خلال برنامج «بنى آدم شو»؟
للعلم، كنت أنوى تقديم البرنامج لموسم واحد فقط، بسبب توقفى عن المسرح فى ذلك الوقت. وترددت كثيرًا قبل الموافقة على خوض هذه التجربة.
لكننى قدمت البرنامج فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ثم خلال فترة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وبعدها فى عهد الإخوان، ثم خلال المرحلة الانتقالية فى عهد المستشار عدلى منصور، وأخيرًا فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي. ويمكن القول إن هذا البرنامج خفف عنى كثيرًا، وكأن الله سبحانه وتعالى كان يدخر لى دورًا فى تلك المرحلة المهمة من تاريخ مصر.
لكن الإنسان أحمد آدم له فكره وقناعاته الخاصة، وكنت ضد كل ما رأيته من ضلال وتضليل من أجل مصالح شخصية، خصوصًا خلال فترة حكم الإخوان، وكذلك ضد شعارات مثل: «الإسلام هو الحل». وأتساءل: ألم نكن مسلمين من قبل؟! هل أصبحنا مسلمين فجأة؟! أنا لا أفهم هذه الجملة.
وأكاد أجزم بأننا عشنا الإسلام الصحيح فى الستينيات، وكان المجتمع ملتزمًا بالفطرة، وكل شخص يعرف حدوده والتزاماته. وكان أهلنا جميعًا حريصين على الصلاة والصيام، وكانت والدتي، مثل معظم الأمهات فى ذلك الوقت، تضع إيشاربًا على رأسها. كانت الناس تدرك صحيح الدين، وكانت تقوى الله حاضرة فى داخل الإنسان كما هى فى ظاهره. ولذلك، فأنا أتعامل مع الله، ولدى يقين به، ومؤمن بقدره وقدرته عز وجل، ولهذا لا يهمنى أحد، فالحافظ هو الله.
وأقول كلمة الحق، وأقف فى وجه الطغاة، لأننى لا أبحث من وراء ذلك عن مجد شخصي، أو تميز، أو بطولة، أو جائزة، لا سمح الله، وإنما لأننى أحب بلدى وأخاف عليها منذ صغري. وعندما أكون «شايف اللى ما حدش شايفه»، فلا بد أن أقوله. والأخطر من ذلك أن تكون عالمًا ببواطن الأمور ثم تلتزم الصمت، فالساكت عن الحق شيطان أخرس. وأضيف لهذا التعبير الشهير «ومتفاعل»، لأنه لا ينفع أن لا أتصدى لشعارات جوفاء وتضليل، وتوعية شبابنا من هذا الفخ اللعين.
يا عزيزي، أحيانًا يضعنى القدر مع أشخاص لا يعرفون الفرق بين اليسار والشيوعية، فأجد من يقول لي: «أنت يساري». فأضحك وأقول له: «الفن كله يساري»، لأنه يعبر عن المهمشين، والفقراء، والغلابة، والمطحونين، والمظلومين، والطيبين، إن جاز التعبير، وهؤلاء هم جمهورك، لأنهم السواد الأعظم من الناس. وفى المقابل، هناك من يعتقد أن اليساريين والشيوعيين شيء واحد، وهذا فهم خاطئ تمامًا، كما شرحت سابقًا. فهؤلاء شيء، وأولئك شيء آخر تمامًا.
الإنسان اخترع الفن لينجو من رعب الحياة، وليمنح الناس شيئًا من الطبطبة، دون تمييز. وأنا لست عبدًا للنجومية، ولا أقدم إلا ما أكون مقتنعًا به تمامًا، ثم أطرحه للناس فى صورة منتج فني.
وتجد من يجلس على المقهى يتحدث مع أصدقائه، والمشاريب على حساب غيره، ثم يعود ليلًا ليجلس أمام جهاز الكمبيوتر أو الهاتف الذكى ويبدأ فى التنظير. وكلما كتب أحدهم منشورًا، تجد آخرين يرددونه وكأنهم يريدون شراء الناس به. وفجأة، أصبح صحفيًا وفيلسوفًا، بينما يسرقون جميعًا التعليقات نفسها من بعضهم البعض، فى محاولة لتصدير رأى عام زائف.
وللأسف، هناك من ينخدع بذلك، خاصة إذا كان من بينهم فنانون يخشون هجوم هذه الكتائب الإلكترونية، أو يخافون أن يؤثر ذلك على مشاهدة أفلامهم أو أعمالهم بشكل عام، فيسيرون مع الموجة المضللة. ومن يفعل ذلك، فى رأيي، يكون قد عبد النجومية، ولا يلومن إلا نفسه بعد ذلك. وورّينى هتعمل إيه فى الآخر!
وماذا تقول عن المشهد الفنى العام؟
كل ما سبق ذكره، وأضف إلى ذلك ما يقدم حاليًا نتاج «الغث» الموجود الذى نحكى عنه، والمشكلة أن الكثيرين لا يفهمون الفرق بين النجومية والشهرة، وهذه مشكلة كبرى، وقضية مهمة جدًا؛ لأن الموهبة تصنع النجومية وتجعل الناس تلتف حول الفنان وتحبه بفضل الله، أما «الشهرة».. شيء عادي. عندك «ريا وسكينة» حازتا على شهرة كبيرة جدًا، أكثر من أى أحد، وبالتالى شبه بعض، وهناك من يحاول يمثل وفشل، ومن حوله كتائب إلكترونية، وآخر يخرج علينا بكلام غير مسؤول بالمرة، ويتعامل على أنه نجم النجوم، وهناك برامج أشباه النجوم، ويتم تكريمهم، «يا نهار .....!».. ماذا يحدث بالضبط من حولنا؟ مثل بطل واقعة محل الكشري، هل يتذكره أحد الآن؟ والناس نسيت، وهذه مأساة؛ لأنه وغيره ذاقوا طعم الشهرة، ثم انحسرت الأضواء عنهم.. ويضيف ساخرًا: «فجأة يخرج علينا من تم طرده من عند بائع الكفتة!».
ويستطرد قائلًا: «عمرنا ما شوفنا الأستاذ عادل إمام خرج علينا وقال: «أنا أحسن واحد فى الدنيا»، ولا أى أحد آخر من الأساتذة الكبار الذين تربينا معهم وتعلمنا منهم. وكانت علاقاتنا يسودها الحب والاحترام فيما بيننا، وأخدنا منهم والعكس. وعندك العملاق محمود مرسى - يرحمه الله - عندما تجلس معه، تجد فكرًا مختلفًا تمامًا، ونموذجًا فريدًا من البشر، مخلصًا لفنه بشكل كبير جدًا. وهو الذى ترك العمل فى إذاعة الـ«بى بى سي» فى لندن على الهواء عام 1956، وقال على الهواء: «لا أعمل فى بلد تحارب بلدي»، وعاد للقاهرة وانضم إلى المقاومة الشعبية فى بورسعيد.
وهؤلاء ما يطلق عليهم فنانين بحق وحقيق.. وبالتالى أى أحد آخر مزيف ينكشف أمره فورًا.. «عادل إمام، عمرو دياب، محمد منير، محمد فؤاد».. هؤلاء وغيرهم يطلق عليهم هذا المسمى «بحق وحقيق». وجميعهم عاشرتهم عن قرب، وكانوا أصحابي، وتعرفنا عليهم عن قرب، واقتنعوا بينا واحترمونا، واقتنعوا بكلامنا وآرائنا، ولذلك «اللى زيّي» يتعب!
وكل ما أراه على الساحة الآن - إلا من رحم ربى - «ناس تجرى وراء أحلام باهتة وزيف لا لون ولا حركة فيه»، من أجل التواجد فقط.
عفوًا.. ألم تشعر يومًا فى عز نجاحاتك بأنك «نمبر وان» أو نجم النجوم؟
طول الوقت أشعر أنى «ما عملتش حاجة»، ويضيف ساخرًا: «أنا أريد أغيّر طريقتى فى الكلام، وأقول: أنا أسطورة.. وأعظم واحد فى العالم، وأنا وشارلى شابلن «واحد».. الموضوع سهل أوي، وأطلع أقول الكلمتين دول!».
أقاطعه.. تاريخك وأعمالك تشهد بذلك؟
تصدقنى لو قلت لك «ولا أعرف»، لأننى حتى هذه اللحظة أشعر أننى لم أقدم شيئًا بعد، ولا ينفع التفوه بذلك، لم نتربَّ على ذلك، وتربينا على «إنكار الذات»، والجمهور هو الذى يحكم فى النهاية، والحمد لله، طوال 40 سنة مسرح، والجمهور يصفق لك وسعيد بما تقدمه لهم، ومن وقت عملى فى عام «81» وحتى وقتنا هذا، لم أعمل فى رواية فاشلة، بفضل الله، من أول مشاركتى فى البطولة، حتى أصبحت بطل العمل «المسرحية».. وجميعها كان «كامل العدد»، وكنا نستمر فى عرض تلك الروايات المسرحية طوال ثلاث أو أربع سنوات متواصلة، أمثال «حودة كرامة» و«ليلة الدخلة» و«ربنا يخلى جمعة» و«المهزوز» و«برهومة وكلاه البرومة».. إلى آخره.
عكس هذه الأيام، الآية اتقلبت، والقاعدة اتغيرت، بدل من «القاع للقمة»، أصبحت البداية لهؤلاء أو «الولادة» - إن جاز التعبير - على القمة، وبالتالى من يصعد لها بهذه الطريقة أو السرعة لازم ينزل للقاع، لعدم توافر خبرات القمة لديه، ولأنه منافٍ لقانون الطبيعة أيضًا!
بصراحة.. ألم تحزن على عدم تقديمك مسلسل مصطفى محمود؟
«ياااااه.. أنت لسه فاكر!». كل شيء قسمة ونصيب، هذا المشروع كان مؤجلًا منذ ما يقرب من 15 عامًا، رغم أننى كنت عملت اختبار الملابس ومكياج الشكل القريب من د. مصطفى محمود.. ووقتها كنت أسمع من ناس كثيرة، للأسف: «هو مين مصطفى محمود.. تصور!». كان شيئًا محزنًا بالنسبة لى جدًا، والجيل الجديد حاليًا لا يعرفه أيضًا، وتستهويهم على السوشيال ميديا «حاجات خفيفة»، ولكن المهم بالنسبة لى خروج مشروع د. مصطفى محمود للنور، ليس مهمًا من يقوم به، وعن نفسى لا أحب تقديم أعمال السير الذاتية، ولكن عن هذا العالم الجليل «لأ» طبعًا.
سؤالى الأخير.. ما الذى تتمنى أن تتركه فى ذاكرة الفن المصرى بوجه عام؟
الحمد لله، تركت إرثًا محترمًا بفضل الله، لا يُستهان بما قدمته، وتستغل «إنكار الذات» لديّ. فى فيلم «الرجل الأبيض المتوسط» كنت أتكلم عن مشكلة المياه، وقلت فى فيلم «معلش إحنا بنتبهدل» كل اللى بيحصل بعد ذلك، وأن الوطن العربى كله قريب من الأحداث، وفى «القرموطى فى أرض النار»، و«قرمط بيتقرمط»، وهى أفلام كوميدية، دعنى أتساءل.. ما المطلوب منى وأنا فنان كوميدى أكثر من ذلك؟
وينهى حديثه ساخرًا: «كنت زمان أخجل من قول هذا، ولكن بما أن المجتمع أصبح البعض فيه «بجح»، اسمح لى أقول لك: «أنا أسطورة.. ومحدش قدر يعمل اللى أنا عملته فى السينما.. أنا أحمد آدم». اسمح لى يصيبنى الغرور شوية بقى!».
«معلش إحنا بنتكلم».. قدمت شخصية ناجحة «القرموطي» لمدة أربعين عامًا، وما زال الناس متعلقين بها ويلتفون حولها، وأذكر أن هناك من كان يرفض خروجها إلى النور على شاشة السينما، بحجة أنه لا تنجح شخصية قُدمت من قبل على شاشة التليفزيون قبل السينما، ولم أسمع لأحد وأصررت على موقفي، وشخصية «القرموطي» كسرت الدنيا بفضل الله.
وينهى حديثه الممتع قائلًا: الحمد لله.