رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«التواصل الاجتماعى».. ساحات «اختراق الخصوصية» وتهديد الأمن القومى


14-8-2026 | 12:06

.

طباعة
تقرير: منار عصام

فى ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعى وتزايد تأثيرها على حياة الملايين، تتصاعد المخاوف من التداعيات السلبية للاستخدام غير المسئول لهذه المنصات التى لم تعد تقتصر على انتهاك خصوصية الأفراد، بل تجاوزتها إلى تهديد كيان الأسرة واستقرار المجتمع وقيمـه وأمنـه، فضلاً عن حقوق الأفراد وحرياتهم، وجاءت دعوة وزارة الدولة للإعلام للمواطنين وصنّاع المحتوى والمؤثرين بضرورة الاستخدام المسئول عبر تحرّى الدقة والتثبّت من صحة المنشورات ومصادرها، واحترام خصوصية الأفراد والأسر وصون قيم المجتمع المصري، والالتزام بأدب الاختلاف والامتناع عن نشر أو تداول أى محتوى يتضمن سبًّا أو قذفًا أو تشهيرًا أو تنمرًا أو خوضًا فى الأعراض أو تشكيكًا فى الذمم أو تهديدًا أو ابتزازًا أو تحريضًا على العنف أو التمييز؛ لتضع الملف على طاولة النقاش المجتمعى وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية التوعية وحدها فى مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة، والسبل الكفيلة بتحقيق بيئة رقمية آمنة تحمى المجتمع من تداعيات الإساءة الرقمية.

 
 
 

فى هذا الإطار، قال الدكتور حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس: مع تزايد الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعى فى مختلف مناحى الحياة أصبحت هذه المنصات تشكل فضاءً موازيًا للواقع، بل إن تأثيرها فى بعض الأحيان يفوق تأثير الواقع الملموس، خاصة مع ما تتيحه من سرعة فى النشر واتساع فى الانتشار وقدرة على الوصول إلى ملايين المستخدمين فى لحظات معدودة، وهذا الانتشار الهائل يحمل فى طياته فرصًا هائلة للتواصل ونشر المعرفة وتبادل الأفكار، لكنه فى المقابل يحمل مخاطر جسيمة حين يُستخدَم بشكل غير مسئول أو مغرض.

وأضاف «الخولي» أن «ما يزيد من خطورة الموقف هو تطور أدوات التزييف والفبركة، التى باتت تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعى المتقدمة، مما يجعل التمييز بين الحقيقى والمزيف أمرًا بالغ الصعوبة حتى على الخبراء، ففبركة الصور ومقاطع الفيديو وتوليد محتوى صوتى وبصرى يبدو واقعيًا تمامًا كلها أدوات أصبحت فى متناول الجميع، مما يفتح الباب أمام موجات من الشائعات والأكاذيب التى يمكن أن تهدم سمعة الأفراد وتدمر العلاقات الأسرية وتزعزع الاستقرار المجتمعي، ولم تعد هذه الأدوات حكرًا على جهات متخصصة بل أصبحت تطبيقاتها متاحة لكل منْ يمتلك هاتفًا ذكيًا واتصالاً بالإنترنت مما يضاعف من خطورة الموقف ويجعل مواجهته أكثر تعقيدًا».

«د. حسن»، أكد أن «منصات التواصل الاجتماعى أصبحت سلاحًا ذا حدين تحمل فى طياتها إيجابيات عديدة لا يمكن إنكارها، غير أن الجوانب السلبية باتت الأكثر حضورًا على السطح خاصة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما صاحبه من أدوات متطورة تسهل عمليات التزييف والفبركة، مما يجعل المخاطر أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أى وقت مضى، وهذه المخاطر لم تعد تقتصر على فئة معينة دون غيرها بل تمتد لتشمل جميع فئات المجتمع، صغارًا وكبارًا رجالًا ونساءً، وهو ما يستدعى وقفة جادة من جميع الأطراف المعنية لمواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة بحزم ووعي، ومن أخطر التداعيات السلبية للاستخدام غير المسئول لمنصات التواصل تلك التى تطال نسيج الأسرة المصرية، والذى يمثل اللبنة الأساسية فى بناء المجتمع والحفاظ على استقراره، فالأسرة التى كانت على مر العقود ملاذًا آمنًا للأفراد ومصدرًا للاستقرار أصبحت اليوم تواجه تحديات غير مسبوقة بفعل ما تتعرض له من اختراقات رقمية تهدد تماسكها واستقرارها».

وأوضح أن «فبركة الصور ومقاطع الفيديو وإطلاق الشائعات المغرضة ونشر معلومات خاصة عن الأفراد دون إذنهم كلها ممارسات تؤدى إلى توترات أسرية حادة واضطراب فى شبكة العلاقات بين أفراد الأسرة، فالعلاقات الزوجية قد تتعرض للاهتزاز بسبب شائعة أو صورة مفبركة تثير الشكوك بين الزوجين، والعلاقات بين الوالدين والأبناء قد تتأثر سلبًا بما يتعرض له الأبناء من تنمر إلكترونى أو ضغوط نفسية ناتجة عن متابعتهم لمحتوى غير لائق، بل إن العلاقات بين الإخوة أنفسهم قد تشهد توترات وخلافات بفعل تدخلات خارجية عبر هذه المنصات، والأخطر من ذلك كله أن هذه التوترات كثيرًا ما تتحول إلى انفجارات عائلية حقيقية قد تنتهى بالانفصال أو القطيعة أو حتى العنف الأسري، فهذه السلبيات أصبحت أكثر وضوحًا فى السنوات الأخيرة بفعل الاستخدام المفرط وغير الواعى لهذه المنصات، خاصة بين فئة الشباب والمراهقين الذين يقضون ساعات طويلة يوميًا أمام شاشات هواتفهم الذكية، مما يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بما ينشر على هذه المنصات، وأكثر قابلية للانجراف وراء المحتوى غير المسئول أو المضلل».

«الخولي»، نوه إلى أنه «فى المجال السياسى تُطلق شائعات مغرضة ضد الوطن ومؤسساته، ويُروَّج لأخبار كاذبة تهدف إلى زعزعة الثقة فى الدولة وإثارة البلبلة بين المواطنين، وتستهدف النيل من الاستقرار السياسى والأمن الوطني، أما فى المجال الصحي، فيتم الترويج لأدوية فاسدة ومستحضرات طبية غير مصرح بها، وأغذية مغشوشة ونصائح طبية غير مدروسة قد تعرض حياة المواطنين للخطر، وفى المجال الثقافى يلاحظ انتشار محتوى يخالف قيم المجتمع المصرى وتقاليده ويروج لأفكار دخيلة تتنافى مع هويتنا المصرية الأصيلة، مما يشكل تهديدًا للنسيج الاجتماعي».

وحول البيان الذى أصدرته وزارة الإعلام، قال «الخولي»: إنه يمثل خطوة فى الاتجاه الصحيح لكنه وحده غير كافٍ لإلزام صنّاع المحتوى والمؤثرين، خاصة مع وجود منْ يتعمدون تجاوز الحدود بحثًا عن الشهرة أو المكاسب المادية، فنحن فى حاجة ماسة إلى تشريع قانونى رسمى يصدر عن مجلس النواب يضع إطارًا قانونيًا واضحًا لمنظومة صناعة المحتوى الرقمي، مع تحديد عقوبات رادعة تشمل الغرامات المالية المجزية والحبس لفترات تتناسب مع جسامة المخالفة، وإغلاق المنصات والصفحات المخالفة ومنع المخالفين من ممارسة النشاط الرقمي، كما أن مواثيق الشرف الإعلامية وحدها غير كافية فى ظل وجود مئات الصفحات والمنصات التى يبث فيها أصحابها ما يشاءون دون محاسبة، ولابد من وضع معايير واضحة ومحددة لقياس مدى التزام المؤثرين، بحيث يُعاقَب المخالف فورًا، مما يخلق حالة من الردع تجعل كل من يفكر فى تجاوز الحدود يُعيد حساباته قبل أن ينطق أو ينشر، والقانون يجب أن يشمل أيضًا آليات للرقابة الذاتية على المنصات الرقمية بحيث تتحمل هذه المنصات جزءًا من المسئولية فى مراقبة المحتوى وإزالة المخالف منه.

بدوره، أكد الدكتور حسام النحاس، أستاذ الإعلام بجامعة بنها وخبير الإعلام الرقمي، أن «الملاحظ فى الفترة الأخيرة هو أن حسابات وملفات وتطبيقات التواصل الاجتماعى أصبحت تُستخدم بشكل سلبى يبدو أنه ممنهج»، مشيرًا إلى أن «إدارة التطبيقات والخوارزميات الخاصة بها تسمح بهذا الأمر عبر السماح برواج المنشورات التى تتعلق بالأكاذيب والشائعات والأخبار الزائفة والأحداث المفبركة والعنف والخلافات الشخصية والبلطجة والتشهير والابتزاز، على الرغم من أن سياسات هذه التطبيقات كانت فى السابق تقيد هذا النوع من المحتوى».

وأوضح «د. حسام»، أن «منطقة الشرق الأوسط ومصر بصفة خاصة تعتبر من أكبر مستخدمى هذه المنصات، خاصة منصة فيسبوك، مما جعل أى شخص يمتلك حسابًا أو صفحة يتعامل مع نفسه على أنه منشئ محتوى، وينظر إليه الآخرون – كلما زاد عدد متابعيه – على أنه إعلامى أو مصدر معلومات، مما يتسبب فى تورط الكثير من وسائل الإعلام والمواقع والصحف فى إعادة تدوير ونشر هذه الأخبار الزائفة على صفحاتها الإلكترونية».

وأشار «النحاس» إلى أن «هناك مساحة كبيرة من المحتوى الذى يتعارض مع القيم المجتمعية، حتى فى الصور الشخصية والفيديوهات وطبيعة ظهور منْ يطلقون على أنفسهم مؤثرين أو بلوجر، رغم عدم وجود اعتراف رسمى بهم، إلا أنهم أصبحوا مراكز قوى على هذه المنصات بفضل ما يملكونه من صفحات مليونية وعدد كبير من المتابعين وقدرتهم على النشر المستمر والترويج، مما يجعلهم أداة يستغلها البعض فى عمليات تشهير وابتزاز إلكترونى وتحريض على العنف».

وحذّر «د. حسام» من خطورة تخصص بعض الصفحات فى قضايا الأمن القومى المصري، مستشهدًا بحادث ميناء دمياط كأكبر دليل على ذلك، حيث ظهرت صفحات وشخصيات تتحدث عن معلومات تخص الأمن القومى وتفاصيل حول الجهات التى تقف وراء الأحداث، مع نشر فيديوهات مخلقة بالذكاء الاصطناعي، وهى أمور تؤثر بشكل مباشر على الأمن القومى وتستوجب التصدى لها بالقانون أولاً، ثم بالوعى من خلال تكثيف التوعية وتدريس مادة التربية الإعلامية وتوعية الشباب ونشر المعلومات الحقيقية.

وطالب بتغليظ العقوبات الواردة فى قانون العقوبات فيما يخص نشر الشائعات، وقانون جرائم تقنية المعلومات، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام، مع استحداث تشريعات جديدة خاصة بمن يقومون ببث أو نشر الأكاذيب والشائعات حول القضايا المتعلقة بالأمن القومى وأمن المجتمع.

كما دعا إلى مخاطبة إدارة فيسبوك وبعض التطبيقات الأخرى ليكون لها مكاتب داخل مصر، وهو أمر يكفله القانون، ومطالبتهم بتطبيق سياسات تقييد المحتوى، فيما يخص القذف والابتزاز والتشهير وأعمال البلطجة والخلافات الشخصية، وحظر تطبيقات البث المباشر للأفراد العاديين، بحيث تقتصر على الجهات والنقابات والكيانات المعترف بها رسميًا من قبل الدولة، ضمانًا لعدم نشر وبث الشائعات والأكاذيب خاصة فى القضايا التى تتعلق بالأمن القومي.

كما أعرب «النحاس» عن رفضه القاطع لدعوات بعض المؤثرين لإنشاء نقابة والاعتراف بهم رسميًا، مؤكدًا أن «هذه الفكرة يجب القضاء عليها جملة وتفصيلًا، لأن تقنينها أو السماح بها أو إعطاءهم غطاء قانونيًا أو رسميًا سيُدخل الدولة والإعلام الحقيقى فى معركة سيكون الطرف الخاسر فيها هو الدولة والإعلام الرسمي».

من جانبه، كشف الدكتور ياسر عبد العزيز، الخبير الإعلامي، أن «شبكات التواصل الاجتماعى لم تعد مجرد فضاء للتعبير وتبادل المعلومات، بل أصبحت جزءًا من البيئة التى تتشكل داخلها السمعة العامة والعلاقات الأسرية والمواقف الاجتماعية وحتى بعض جوانب الأمن المجتمعي، ومن ثم فإن إساءة استخدامها قد تفضى إلى مخاطر تتجاوز حدود الإساءة الفردية فتشمل نشر الشائعات والمعلومات المضللة وانتهاك الخصوصية والتشهير والتنمر وخطاب الكراهية والتحريض والابتزاز، بما يهدد السلم الاجتماعى وحقوق الأفراد وحرمة الأسر، ويضعف الثقة العامة ويمنح المحتوى الزائف قدرة على الانتشار تفوق أحيانًا قدرة الحقيقة على اللحاق به، ففى عالم الرقمنة تنتقل المعلومة الخاطئة أسرع بعشرات المرات من المعلومة الصحيحة، لأنها غالبًا ما تكون أكثر إثارة وتستفز المشاعر، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت للتحقق والتثبت وهو وقت لا يتوفر فى سباق الانتشار الفيروسى السريع».

ونبه «عبد العزيز» إلى أن تنفيذ دعوة وزارة الدولة للإعلام لا يبدأ بالرقابة على الآخرين، وإنما يبدأ برقابة الإنسان على ما ينشره هو، فالمستخدم وصانع المحتوى والمؤثر مسئولون عن لحظة الضغط على زر «النشر» بقدر مسئوليتهم عن مضمون الرسالة نفسها، والتحقق من المصدر والسياق والتاريخ قبل إعادة التداول هو الحد الأدنى من المسئولية، كما أن احترام الخصوصية يعنى إدراك أن قابلية الصورة أو المعلومة للانتشار لا تمنح صاحبها حق نشرها، أما الاختلاف فلا يبيح إسقاط الكرامة الإنسانية ولا تحويل المنصات إلى ساحات للسباب والقذف والتشهير والتهديد والتحريض، فحرية الرأى والتعبير حق مكفول لكنها ليست مطلقة بل مقيدة باحترام حقوق الآخرين وكرامتهم وخصوصيتهم وبعدم الإضرار بالمصلحة العامة أو الأمن الوطنى.

روشتة ذهبية

ونبه «عبد العزيز» إلى أن «قدرة الدولة على تفعيل برنامج للتربية الإعلامية على المستوى الوطنى تمثل ضرورة ملحة لتعزيز قدرات المستخدمين وتطوير بيئة التواصل، فالتربية الإعلامية لا تقتصر على تدريب المستخدمين على كيفية استخدام هذه المنصات بشكل آمن، بل تمتد إلى تنمية مهارات التفكير النقدي، والقدرة على تحليل المحتوى الإعلامي، والتعرف على تقنيات التضليل والتزييف، وبناء وعى راسخ بأخلاقيات التواصل الرقمي، فالتربية الإعلامية يجب أن تبدأ من مراحل التعليم المبكرة وتستمر طوال العمر من خلال مناهج دراسية متطورة، وبرامج تدريبية للمعلمين وحملات توعية مجتمعية وشراكات مع مؤسسات المجتمع المدنى وقطاع الاتصالات، وهذه التربية لا تهدف إلى تقييد حرية التعبير بل إلى توجيه هذه الحرية نحو استخدام مسئول يحمى الفرد والمجتمع ويعزز القيم الإيجابية ويحد من المخاطر المحتملة».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة