رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«تقوية الحضور الديجيتال» أداة مصر الأولى لتحقيق الحصانة الافتراضية


13-8-2026 | 12:06

.

طباعة
تحليل: وائل الطوخى

فى زمن تعاظم فيه تأثير شاشات الهواتف لتسيطر على ساحة الكثير من المنابر المبتكرة لم تعد صفحات التواصل الاجتماعى مجرد مساحة للتعبير الفردى، بل تحولت إلى مرآة تعكس صورة الدولة وهويتها أمام العالم، الأمر الذى دفع وزارة الدولة للإعلام لطرح مبادرتها نحو الاستخدام المسئول لساحات الرأى والمعلومات على مواقع التواصل، لا كقيد على حرية التعبير، بل كإطار حاكم يوازن بين حق الرأى والتواصل وصون كرامة الأفراد وأمن المجتمع؛ فحين يلتزم كل مستخدم بتحرى الدقة قبل النشر واحترام الخصوصية ونبذ لغة السباب والتشهير؛ فإنه لا يحمى نفسه والآخرين فحسب، بل يسهم فى بناء بيئة رقمية أكثر مصداقية تعزز من قدرة المحتوى المصرى على المنافسة والانتشار.

هذا الانضباط الرقمى يترجم عمليًا إلى رصيد وطنى متنامٍ؛ فالحساب المسئول يصبح سفيرًا صامتًا للثقافة المصرية ومنصة لإبراز الإنجاز الرياضى وأداة لنقل الموقف السياسى بوضوح ومصداقية إلى الداخل والخارج، وبقدر ما يلتزم صُناع المحتوى بأخلاقيات النشر، تزداد قدرة الفضاء الرقمى المصرى على تشكيل الوعى العام وترسيخ صورة دولة تحسن توظيف قوتها الناعمة فى عالم لا يرحم فيه المحتوى غير الموثوق.

تكشف بيانات وزارة الدولة للإعلام أن عدد المستخدمين النشطين لمواقع التواصل الاجتماعى فى مصر بلغ 54.3 مليون مستخدم خلال عام 2026 وهو رقم ضخم يعكس حجم التأثير المحتمل لهذا الفضاء الرقمى فى تشكيل الرأى العام والصورة الذهنية للدولة داخليًا وخارجيًا، وفى مقابل هذا الاتساع الكمى وضعت الدولة إطارًا تشريعيًا لضبط التعامل مع المخالفات يستند إلى ثلاثة قوانين رئيسية: هى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 وتؤكد الوزارة أن أى وقائع تهدد أمن المجتمع أو تمس حقوق الأفراد تخضع لهذه التشريعات مع بقاء التحقيق وتحديد المسئوليات من اختصاص جهات التحقيق والقضاء، وهو ما يوضح أن اتساع قاعدة المستخدمين يقابله تدرج قانونى ومؤسسى لضبط الاستخدام.

ولذلك نجد أن الفضاء الرقمى المصرى يقف اليوم على مفترق طرق نشط فرصة استثنائية لترسيخ الحضور الثقافى والرياضى والسياسى للدولة تحمل الاستخدامات السلبية لهذه المنصات تهديدًا مباشرًا لهذا الرصيد الوطنى، وقد يتحول من عامل قوة إلى مصدر ضعف إذا تُرك دون ضبط؛ فالخطر الأول يكمن فى تآكل المصداقية؛ فكل محتوى مضلل أو شائعة تنتشر دون تحرٍّ يُضعف ثقة الجمهور المحلى والدولى فى المحتوى المصرى عمومًا، ويجعل الرسائل الرسمية والإبداعية عرضة للتشكيك حتى حين تكون دقيقة، هذا التآكل التراكمى فى المصداقية أخطر من أى واقعة فردية، لأنه يمس صورة الدولة ككل لا فردًا بعينه. أما الخطر الثانى، فيتمثل فى الأثر النفسى والاجتماعى لظواهر كالتنمر والتشهير والابتزاز، والتى تدفع فئات واسعة خاصة الشباب والمبدعين إلى الإحجام عن المشاركة الفعالة أو الانسحاب من المساحة الرقمية؛ خوفًا من الاستهداف، ما يحرم الدولة من طاقات كان يمكن أن تسهم فى تعزيز حضورها.

ويُضاف إلى ذلك خطر ثالث أكثر استراتيجية وهو استغلال أطراف خارجية لهذه الثغرات السلوكية لتوظيف محتوى مضلل أو مسيء فى حملات ممنهجة تستهدف تشويه صورة مصر، مستفيدة من ضعف الحصانة الرقمية لدى شريحة واسعة من المستخدمين، وتبقى المعادلة واضحة بأن كل تجاوز فردى غير منضبط يمثل ثغرة تُستثمر جماعيًا ضد الصورة الوطنية، بينما يمثل الالتزام بمعايير الاستخدام المسئول خط الدفاع الأول عن هذا الرصيد الرقمى، بما يحوّل الفضاء الافتراضى من ساحة مخاطر محتملة إلى منصة فعلية لتعزيز حضور مصر إقليميًا ودوليًا.

ومن جانبه أكد أحمد صبرى، رئيس إحدى الشركات المتخصصة فى الاستشارات الرقمية، أن تعزيز الحضور الرقمى المصرى لم يعد ترفًا إعلاميًا بل ضرورة استراتيجية ترتبط مباشرة بصورة الدولة وقوتها الناعمة فى الخارج، مشيرًا إلى أن نجاح هذا المسار يقوم على أربعة محاور متكاملة لا يمكن الفصل بينها.

وقال صبرى لـ«المصوّر»: إن المحور الأول يبدأ من الإنسان قبل التقنية؛ فالاستثمار فى صنّاع المحتوى الموثوق هو حجر الأساس، من خلال دعم وتدريب المؤثرين والمبدعين المصريين فى المجالات الثقافية والرياضية والسياسية، وتأهيلهم ليكونوا سفراء رقميين بمعايير مهنية، لا مجرد ناشرين عشوائيين للمحتوى.

وأضاف «صبرى» أن هذا الجهد الفردى لا يكتمل دون مظلة مؤسسية، موضحًا أن مصر تحتاج إلى ترويج مؤسسى منسّق، بحيث تعمل جهات الثقافة والرياضة والخارجية جنبًا إلى جنب مع الإعلام، لإنتاج محتوى يعكس الإنجازات الحقيقية بلغة العصر ومنطق المنصات الرقمية، بعيدًا عن الخطاب التقليدى الذى فقد جاذبيته لدى الجمهور الشاب.

وأوضح «صبرى» أن القياس لا يقل أهمية عن الإنتاج، مبينا أن مصر دون بناء قواعد بيانات وتحليلات دقيقة لرصد وقياس أداء المحتوى المصرى رقميًا، ستظل تعمل فى الظلام؛ فمعرفة نقاط القوة وفجوات الانتشار مقارنة بالدول المنافسة هى ما يحدد أولويات الاستثمار المقبل.

وتابع «صبرى» حديثه مشددا على البعد الدولى للمعادلة حيث لا غنى عن الشراكة مع المنصات العالمية، عبر التفاوض والتعاون مع فيسبوك وإكس ويوتيوب وغيرها، لدعم المحتوى المحلى من جهة، وضبط آليات الإبلاغ عن المخالفات بسرعة أكبر من جهة أخرى، لأن حماية الحضور الرقمى بلا شراكة تقنية عالمية تبقى جهودًا منقوصة.

فيما قالت الدكتورة نيفين حسنى، خبيرة الأمن الرقمى: إن تحقيق حضور رقمى مصرى قوى ومستدام يصطدم بجملة من التحديات المركبة، لا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها البعض، مؤكدة أن فهم هذه التحديات هو الخطوة الأولى نحو معالجتها بفاعلية، مؤكدة أن التحدى الأول يتعلق باتساع قاعدة المستخدمين مقابل ضعف الوعى الرقمى؛ فرقم مثل 54.3 مليون مستخدم نشط يمثل قوة كامنة هائلة، لكنه فى الوقت ذاته رقم يصعب ضبطه أو توجيهه دون برامج توعية واسعة النطاق تصل إلى مختلف الفئات العمرية والاجتماعية؛ فالانتشار الكمى دون وعى نوعى يتحول من فرصة إلى عبء.

وشرحت «حسنى» أن هذا الضعف فى الوعى يفتح الباب أمام تحدٍّ أكثر خطورة، موضحة أن الشائعات والمعلومات المضللة تنتشر بسرعة تفوق كثيرًا سرعة التصحيح الرسمى، وهذه الفجوة الزمنية بين لحظة انتشار الخبر الكاذب ولحظة تفنيده هى ما يمنح الشائعة قدرتها على التأثير قبل أن تُواجَه بالحقيقة. موضحة «نيفين حسني» أبعاد الجانب القانونى، لافتة إلى وجود فجوة بين التشريع والتنفيذ يمثل تحديًا حقيقيًا؛ فرغم وجود قوانين رادعة، مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، فإن النص القانونى وحده لا يكفى، ما لم تواكبه آليات تحقيق وملاحقة سريعة قادرة على التعامل مع طبيعة الجرائم الرقمية المتغيرة باستمرار.

كما أكدت «حسنى» أن المنافسة الإقليمية والدولية باتت واقعًا لا يمكن تجاهله؛ فدول عديدة تستثمر بقوة فيما يُعرف بالدبلوماسية الرقمية لتشكيل صورتها الذهنية عالميًا، وهو ما يفرض على مصر مواكبة هذا السباق بأدوات مماثلة، وإلا فقدت جزءًا من قدرتها على المنافسة فى تشكيل الرأى العام الدولى مشيرة إلى تحدٍّ أكثر دقة، قائلة: «أخطر ما قد يواجه هذا المسار هو خطر أن يُفهم الانضباط الرقمى كتقييد للحرية، وهذا يتطلب خطابًا إعلاميًا وسياسيًا متوازنًا، يوازن بين المسئولية والانفتاح، فالهدف ليس تقييد التعبير، بل حمايته من أن يتحول إلى فوضى تضرّ بالمجتمع والدولة معًا.

ويشكّل الإطار التشريعى المصرى ركيزة جوهرية لا غنى عنها فى مسار تعزيز الحضور الرقمى للدولة؛ فالقوانين الثلاثة لا تعمل كأدوات عقابية منفصلة، بل كمنظومة متكاملة تصنع البيئة الآمنة التى يُبنى عليها أى حضور رقمى مستدام. فمن دون شعور المستخدم بالحماية، لن تتحول قواعد مستخدمى الفضاء الرقمى إلى رصيد فعلى يخدم صورة الدولة، حيث يأتى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 كإطار متخصص يواكب طبيعة الجريمة الرقمية المتغيرة باستمرار، فهو لا يكتفى بتجريم الأفعال التقليدية منقولة إلى الفضاء الإلكترونى، بل يضع تعريفات وإجراءات دقيقة تناسب خصوصية الأدلة الرقمية وسرعة انتشارها، بدءًا من التشهير والابتزاز الإلكترونى، وصولًا إلى التحريض على العنف عبر المنصات. وهذا التخصص التشريعى يمنح جهات التحقيق أدوات أكثر ملاءمة للتعامل مع جرائم لا تعرف الحدود الجغرافية التقليدية.

وفى الوقت ذاته، يظل قانون العقوبات هو المظلة الأشمل التى تُجرّم السب والقذف والتهديد بصرف النظر عن الوسيلة، بما يضمن ألا تفلت أى واقعة إساءة من طائلة القانون لمجرد ارتكابها عبر منصة رقمية بدلًا من وسيلة تقليدية، وهو ما يرسخ مبدأ أن القانون يلاحق الفعل لا الوسيلة، أما قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 فيمثل البُعد الوقائى فى هذه المنظومة؛ إذ يضع التزامات على الجهات والأفراد فيما يخص جمع البيانات ومعالجتها وتخزينها، بما يمنح المستخدم المصرى حقوقًا واضحة على معلوماته الشخصية، ويقلل من فرص استغلالها فى الابتزاز أو التشهير أو انتهاك الخصوصية، وهو ما ينعكس مباشرة على ثقة الجمهور فى المشاركة الرقمية دون تحفظ.

وتبقى النقطة الجوهرية أن قوة هذا الإطار التشريعى لا تكتمل إلا بحسن تطبيقه؛ إذ يظل التحقيق فى الوقائع وتحديد المسئوليات الجنائية اختصاصًا حصريًا للنيابة العامة والجهات القضائية، بما يضمن عدم الخلط بين الدور التشريعى الرادع والدور القضائى الفاصل، ويحافظ على مبدأ سيادة القانون كأساس لأى حضور رقمى يُراد له أن يكون مستدامًا وموثوقًا.

من جانبه أكد النائب محمود حسين طاهر، وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، أن تعزيز الحضور الرقمى المصرى يتطلب رؤية مستقبلية متكاملة، لا تكتفى بمعالجة التحديات الراهنة، بل تؤسس لمسارات تنمية ممتدة على المديين المتوسط والبعيد، مشيرًا إلى أن ما حققته الدولة من تقدم ملموس فى مؤشرات التحول الرقمى دوليًا يمثل أرضية صلبة يمكن البناء عليها فى هذا الملف.

وقال «طاهر»: إن «المسار الأول والأكثر إلحاحًا هو تعميم برامج محو الأمية الرقمية والإعلامية فى المدارس والجامعات؛ فبناء جيل واعٍ رقميًا منذ مراحل التعليم المبكرة هو الاستثمار الحقيقى طويل الأمد، ولا يمكن أن نطلب من المواطن الالتزام بمعايير النشر المسئول دون أن نمنحه أدوات الفهم والتمييز أولًا».

وأضاف وكيل لجنة الاتصالات فى البرلمان أن هذا التأسيس التعليمى يجب أن يواكبه بناء مؤسسى موازٍ، موضحًا: «نحتاج إلى إنشاء مراصد وطنية متخصصة لرصد المحتوى وتحليل الرأى العام رقميًا بشكل علمى ومستمر، بما يتيح للدولة قراءة اتجاهات الرأى العام أولًا بأول، والتدخل فى الوقت المناسب، بدلًا من ردود الفعل المتأخرة التى كثيرًا ما تأتى بعد فوات الأوان».

وشدد طاهر على أهمية البعد الإبداعى، قائلًا: «من واقع خبرتى فى متابعة ملفات التمكين الرقمى والشبابى، أرى أن تحفيز المحتوى الإبداعى الثقافى والرياضى عبر مسابقات ودعم مؤسسى للمبدعين الشباب يمثل استثمارًا مباشرًا فى القوة الناعمة للدولة، فالشباب المصرى يمتلك طاقات إبداعية هائلة، وما ينقصها أحيانًا هو الاحتضان المؤسسى والمنصات المناسبة لإبرازها».

كما أشار طاهر إلى البعد الدولى، مؤكدًا أن «تفعيل التعاون الدولى فى الحوكمة الرقمية ضرورة لا غنى عنها لحماية الهوية الوطنية من محاولات التشويه الخارجى، فالفضاء الرقمى بلا حدود، وحماية صورة مصر فيه تتطلب شراكات وتفاهمات تتجاوز الحدود الجغرافية تمامًا، كما تعاملت الدولة بمسئولية مع أزمات سابقة عبر التمسك بالدقة ومواجهة الشائعات بالحقيقة».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة