إن بيان وزارة الدولة للإعلام لا يُمثّل مجرد دعوة تنظيمية، بل هو صيحة وعى فى توقيت حرج، إذ إننا أمام أكثر من 54 مليون مستخدم نشط لمنصات التواصل الاجتماعى فى مصر، وهو رقم يجعل من كل مواطن شريكًا فعليًا فى رسم الصورة الرقمية للوطن، سواء أدرك ذلك أم لم يُدركه.
ولم يعد تشكيل المجال العام الرقمى مسؤولية حصرية تقع على عاتق الدولة بمؤسساتها التشريعية والتنظيمية، بل بات عقدًا اجتماعيًا رقميًا يتقاسم فيه المواطن والدولة الأدوار، فالدولة تُوفّر البنية التحتية التى تخدم كافة المشروعات التقنية وغير التقنية، والتشريعات التى تحمى المواطن، بينما يتحمّل المواطن مسؤولية ما يُنشر ويُتداول باسمه وباسم مجتمعه.
المسؤولية المشتركة تعنى أن المواطن ليس متلقيًا سلبيًا للمحتوى، بل هو صانع له ومؤثر فيه. كل مشاركة، وكل تعليق، وكل إعادة نشر، هى لبنة فى بناء الصورة الرقمية لمصر أمام العالم. ومن هنا، فإن الوعى لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة أمنية ومجتمعية.
وقد أشار بيان وزارة الدولة للإعلام بوضوح إلى أن حرية التعبير لا تُبرّر الإساءة أو التشهير، وهى رسالة موجّهة بالأساس إلى صُنّاع المحتوى الذين باتوا يمتلكون تأثيرًا يتجاوز، فى كثير من الأحيان، تأثير المؤسسات الإعلامية التقليدية.
حرية التعبير حق دستورى أصيل لا جدال فيه، لكنها فى الفضاء الرقمى تحتاج إلى وعى ذاتى يُكمل الإطار التشريعي، لا يمكن للدولة وحدها أن تُراقب ملايين المنشورات يوميًا؛ لذا فإن بناء ضمير رقمى لدى المستخدم هو خط الدفاع الأول. وصانع المحتوى الذى يدرك حجم تأثيره هو شريك فى الأمن القومى المعلوماتي، لا مجرد ناشر للترفيه.
ما يُميّز بيان وزارة الدولة للإعلام هو تأكيده على التنسيق مع وزارة الاتصالات لرصد المخالفات، وهو ما يعكس توجهًا مؤسسيًا متكاملًا لا يقتصر على الردع، بل يمتد إلى الوقاية والتثقيف. والتنسيق بين وزارتى الإعلام والاتصالات خطوة ضرورية، لكنها تبقى غير مكتملة ما لم تُرفق ببرامج توعية رقمية ممنهجة تصل إلى كل بيت ومدرسة وجامعة.
نحن بحاجة إلى إدراج مفاهيم الأمن السيبرانى والمواطنة الرقمية فى المناهج التعليمية، لا كمواد تكميلية، بل كركائز أساسية فى بناء شخصية المواطن المصرى المعاصر.
ومن بين المطالب الرئيسية التى طرحت فى جلسات الحوار الوطنى التى قادها وزير الدولة للإعلام الأستاذ ضياء رشوان، تحديث المناهج المصرية وإدراج مواد متخصصة فى أمن المعلومات والذكاء الاصطناعى ضمن المحتوى التعليمي.
فى رسم الصورة الرقمية للوطن.. فهمى مشروع وطنى مستمر
لأن الحضور الرقمى الآمن لمصر ليس مجرد مسألة تقنية أو أمنية، بل هو مشروع وطنى وثقافى بامتياز. فالصورة التى يراها العالم عن مصر عبر شاشاته هى حصيلة ملايين التفاعلات اليومية، وكل مواطن هو سفير رقمى لوطنه.
أقول لكل مواطن مصري: أنت لست مجرد رقم ضمن 54 مليون مستخدم، بل أنت جزء من سردية تاريخية رقمية تُكتب عن وطنك فى كل لحظة. فلتكن هذه السردية انعكاسًا لوعيك، وقيمك، وانتمائك.
الدولة ترسم الإطار، لكن المواطن هو من يملأ اللوحة. ولنجعلها لوحة تليق بمصرنا الحبيبة.
كلمة أخيرة
إن الطريق نحو فضاء رقمى آمن وإيجابى لا يُعبّد بالقرارات وحدها، بل بثقافة رقمية راسخة تُنبت وعيًا ذاتيًا، وتحوّل كل مستخدم إلى حارس لصورة وطنه، وشريك فاعل فى بناء مجال عام رقمى يعكس حضارة مصر وتاريخها، لا تشوّهه إشاعة أو يُفسده تشهير.
تلك هى المسؤولية المشتركة فى أسمى معانيها.